عرض/إبراهيم غرايبة
يتضمن هذا الكتاب آخر ما قدمه إدوارد سعيد للنشر، محاضرات خمس ألقيت في جامعة كامبردج تعرض خلاصة التطور الفكري والأدبي لإدوارد سعيد، وفيها يمارس "القراءة المقربة" للعشرات من الأعمال بما فيها كتاب "محاكاة" لإريش أورباخ أهم سفر في النقد الأدبي المعاصر، ويقدم فيه سعيد تأملا مستفيضا للنزعة الإنسانية، والتغيرات الضخمة التي طرأت على ممارستها.

الأنسنة والأسس المتغيرة

- الكتاب: الأنسنة والنقد الديمقراطي
- المؤلف: إدوارد سعيد
- المترجم: فواز طرابلسي
- عدد الصفحات: 167
- الناشر: دار الآداب/ بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2005


يعبر مصطلح "الأنسنة" عن المذهب الفكري الذي يعتبر الإنسان هو أعلى قيمة، وأما "الإنسانيات" فهي العلوم التي تعنى باللغات والفنون والآداب والتاريخ، ولكن بينهما علاقة، فالتغيير هو التاريخ الإنساني، وهذا كما يصنعه العمل البشري ويفهمه وفقا لذلك إنما هو الركن الأساسي لمادة الإنسانيات.

تقوم الأنسنة على الفكرة العلمانية القائلة إن العالم التاريخي هو من صنع البشر، وإنه يمكن اكتناهه عقليا (بلوغ جوهره وَحقيقته) وفق المبدأ الذي صاغه فيكو في "العلم الجديد" إذ قال إننا ندرك فقط ما قد أنتجناه، وبعبارة أخرى إننا نستطيع أن نعرف الأشياء وفقا للطريقة التي صنعت بها.

فالأنسنة هي ممارسة يستخدمها مثقفون وأكاديميون يريدون معرفة ما هم فاعلون وما الذي يلتزمون به كباحثين يرغبون أيضا في ربط تلك المبادئ بالعالم الذي يعيشون فيه.

وهذا يستدعي بالضرورة مقدارا لا بأس به من التأريخ المعاصر وشيئا من التعميم الاجتماعي- السياسي، والوعي الحاد بالسبب الذي يجعل من الحركة الأنسنية مهمة لهذا المجتمع في هذا الوقت بعد انقضاء أكثر من عشر سنوات على انتهاء الحرب الباردة، والتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ونشوء مشهد ثقافي جديد يتجاوز كل تجاربنا السابقة.

وقد استحوذت النزعة الضد أنسنية على المشهد الفكري في الولايات المتحدة في إطار النفور الواسع من حرب فيتنام، ويعود بعض ذلك النفور إلى انبثاق حركة مقاومة للعنصرية وللإمبريالية عموما، وإلى جفاف مادة الإنسانيات الأكاديمية التي مثلت موقفا يشيد بعناد بمزايا الماضي وبقدسية الأعراف.

لقد نشأ عنصران يلعبان دورا لافتا في النظرة الكونية الإنسانية، الأول هو الفكرة القائلة إن الأدب يوجد ضمن إطار وطني افتراضي، والثاني هو الافتراض أن الأدب والأشعار الغنائية والمسرحيات والروايات تتواجد في شكل ثابت أو على الأقل في شكل يمكن التعرف عليه بانتظام.

وتعرضت فكرة الخيال التي هي محور كل منوعات النزعة الأنسنية الأدبية، منذ منتصف القرن الثامن عشر على الأقل، إلى تحول يكاد يوازي الثورة الكوبرنيكية، ولكنها مازالت صالحة للاستعمال مادام لب الجهد والإنجاز الإنساني يتكئ دوما على جهد فردي وعلى ابتكار فردي من هذا اللون أو ذاك.

ومهما يكن من أمر، فمن الجنون الادعاء أن الكتاب والموسيقيين والرسامين ينتجون أعمالهم وكأنما هي على صفحة بيضاء، فالعالم موسوم أصلا وسما عميقا، ليس فقط بعمل الكتاب والفنانين السابقين، وإنما أيضا بكم ضخم من المعلومات والخطابات تحتشد في الوعي الفردي اليوم، مع المدى الفضائي والأرشيف الضخم من المواد التي تدهم المشاعر من كل حدب وصوب.

"
الحماسة الدينية أخطر ما يتهدد المشروع الأنسني طالما أنها في طبيعتها كلية العداء للعلمانية والديمقراطية، بل هي أكثر أشكال اللاأنسنية تزمتا وأشدها انغلاقا على النقاش إطلاقا
"
وهنا تكون علامة البحث و القراءة والتأمل الأنسنية هي المقدرة على عزل المألوف عن غير المألوف، وفرز العادي عن الاستثنائي في الأعمال الجمالية كما في مقولات الفلاسفة والمثقفين والشخصيات العمومية، فالأنسنية هي إلى حد بعيد حركة مقاومة الأفكار المسبقة، وهي تعارض كل أنواع الكليشيهات الجاهزة.

وبعيدا عن أن يكون الجهد الأنسني محكوما بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، أو مسيرا سلفا بها، فالمثير للاهتمام الأعمق هنا، ليس التماثل ولا التماهي، إنما هو جدلية التناقضات والأضداد بين تلك الظروف وبين الفرد الأنسني.

ويصح القول أكثر من أي وقت مضى، إن الجيل الجديد من الباحثين الأنسنيين أكثر تناغما من جميع سابقيهم مع طاقات وتيارات عصرنا اللامركزية، اللاأوروبية، النسوية والمتحررة من الاستعمار، فيحق للمرء أن يتساءل: ما معنى ذلك حقا؟.

إنه يعني بشكل رئيسي وضع النقد في صميم الفكر الأنسني، النقد كما هو شكل من أشكال الحرية الديمقراطية وكما هو ممارسة مستمرة للمساءلة ولمراكمة المعارف المنفتحة، لا المنغلقة، على الوقائع التاريخية التي صنعت عالم ما بعد الحرب الباردة، وعلى تكوينها الكولونيالي المبكر، وعلى المرمى الكوني المخيف الذي تستطيع بلوغه الدولة العظمى الوحيدة المتبقية في زمننا الحاضر.

ولعل الحماسة الدينية أخطر ما يتهدد المشروع الأنسني، طالما أنها في طبيعتها كلية العداء للعلمانية والديمقراطية، بل هي تشكل تعريفا في أشكالها السياسية الأحادية أكثر أشكال اللاأنسنية تزمتا وأشدها انغلاقا على النقاش إطلاقا.

لقد حولت التعليقات المؤذية عن عالم الإسلام بعد 11 سبتمبر/ أيلول القول إن الإسلام دين عنيف وغير متسامح بطبيعته وشديد الميل إلى الأصولية والإرهاب الانتحاري إلى رأي سائد.

ثم إنه لا حصر "للخبراء" والمبشرين الذين يكررون المقولة ذاتها، يساعدهم ويحرضهم مستشرقون سيئو السمعة أمثال برنارد لويس.

إن من علامات البؤس الفكري والإنساني لأزمتنا هذه أن يكون لمثل تلك الدعاية المفضوحة هذا الانتشار الواسع، والأفدح أنها مستمرة دون أدنى إشارة إلى الأصولية المسيحية واليهودية والهندوسية، وهذه بما هي أيديولوجيات سياسية متطرفة لا تقل دموية وكارثية عن الأصولية الإسلامية، وتنتمي كل هذه الحميات إلى العالم ذاته في الجوهر، تتغذى إحداها من الأخرى وتحاكيها، وتحاربها على نحو فصامي.

"
النزعة الأنسنية هي الوسيلة -ولعلها الوعي الذي نتزود به- لتوفير ذلك النوع من التحليل المتناقض أو الطباقي بين فضاء الكلمات وبين أصولها وأنماط انتشارها المختلفة في الحيز الفيزيائي والاجتماعي
"

نظام معرفي قائم على فقه اللغة
يكتسب فقه اللغة أهمية علمية كبرى وهيبة فكرية وروحانية في كل أنواع التراث الثقافي الرئيسة، فالمعرفة في التراث الإسلامي قائمة على اهتمام لغوي بالقرآن كلام الله، فها هي (اللغة) تستبطن علما مكرسا كليا لتعيين ما تستطيعه أو لا تستطيعه اللغة ذاتها.

وقد حدث في التراث اليهودي القريب جدا من التراث الإسلامي في الأندلس وشمال أفريقيا وبين النهرين تطورات مشابهة للتراث الإسلامي قائمة على تعزيز العلوم التأويلية، وأما في أوروبا فقد أحدث كتاب فيكو "العلم الجديد" (1744) ثورة تأويلية قامت على لون من البطولة "اللغوية" كشفت أن الحقيقة عن التاريخ البشري هي "جيش متحرك من الاستعارات والكتابات" حسب تعبير نيتشة يتعين حل رموز معانيها باستمرار بواسطة أفعال القراءة والتأويل المؤسسة على شاكلة كلمات حاضنة للواقع المحتجب والمضلل والمقاوم والعنيد، وبعبارة فإن علم القراءة هو العلم الإنساني.

ويمثل ذلك النموذج النظري في التراث. فلما كان القرآن كلام الله حسبما يؤمن به المسلمون يستحيل بالتالي الإدراك النهائي لمعانيه، وتكون قراءته واجبة على الدوام، وبما أن القرآن هو كلام الله المتضمن في اللغة، وجب على القراء أصلا أن يحاولوا أول الأمر فهم معناه الحرفي، مدفوعين إلى ذلك بإدراك عميق بأن آخرين قبلهم قد حاولوا الاضطلاع بتلك المهمة.

لذا كان وجود آخرين معطى سلفا بما أنهم جماعة من الشهود يتوفرون للقارئ المعاصر على شكل سلالة، كل شاهد منهم يعتمد إلى حد ما على الشاهد الذي سبقه ويسمى هذا النظام من القراءات التي يعتمد بعضها على بعض "الإسناد".

والهدف المشترك هنا هو محاولة الاقتراب من أساس اللغة، أي من مبدئها أو من أصولها على الرغم من أنه لابد من أن يتضمن ذلك دوما مكونا من الالتزام الشخصي ومن الجهد الاستثنائي يسمى بالعربية "الاجتهاد" ومن لا يجيد اللغة العربية، يصعب عليه أن يعلم أن "الاجتهاد" مشتق من الجذر ذاته الذي اشتقت منه المفردة الذائعة الشهرة الآن "الجهاد" التي لا تعني أساسا الحرب المقدسة بقدر ما تعني في المقام الأول بذل مجهود روحي في سبيل الحقيقة.

فلا ينبغي أن نفاجأ إذن إذا دار منذ القرن الرابع عشر نزاع حاد حول ما إذا كان الاجتهاد جائزا وإلى أية درجة هو جائز وضمن أي حدود.

وتتضمن المعرفة اللغوية كثيرا من المسائل والهموم الأخرى، مثل النزاعات الاجتماعية بين النطاقين الجمالي والتاريخي.

ويمكن القول بشيء من التبسيط إن ثمة حالتين تفعلان فعلهما: حالة القارئ الإنسنوي في الحاضر وحالة النص داخل إطاره، وكلاهما يتطلب التحليل الدقيق، فكل منهما يتخذ إطارا هو إطار محلي وتاريخي أوسع في آن معا، ويستدعي التساؤل من طرف المفكر الأنسني.

صحيح تماما أن النص الأدبي يصدر عن حميمية الكاتب الفرد ووحدته المفترضتين، غير أن التوتر بين ذاك الموقع المتميز وموضع الكاتب الاجتماعي توتر دائم الحضور، سواء كان الكاتب مؤرخا مثل هنري أدامز، أو شاعرا معزولا نسبيا مثل إميلي ديكنسون، أو أديبا مشهورا مثل هنري جايمس.

ولا سبيل للتركيز على الحميمية الأصلية أو على الموقع العمومي للكاتب دون أن نتفحص كيف تأتينا هذه وذاك، سواء كان من خلال قانون منهجي، أو أطر فكرية أو نقدية كالتي مارسها بيري ميلر ذات يوم أو عن طريق نقاشات صاخبة عن التراث والهدف منه وما شابه ذلك.

وهكذا تثور مسألتان: مسألة تكون التراث ومسألة الماضي القابل للاستخدام، ويقودنا هذا بدوره حتما إلى مسألتي الهوية والدولة القومية.

تتعلق النزعة الأنسنية بالقراءة، وتتعلق أيضا بالمنظور، وهي في عمل المثقفين الأنسنيين، تتعلق بالانتقال من ميدان من ميادين التجربة الإنسانية إلى ميدان آخر.

والأنسنية تتعلق أيضا بهويات، ولكنها ليست من قبيل الهويات التي تمنحها الأعلام أو الحرب الوطنية الدائرة رحاها لحظتها، ونشر الهوية البديلة هو ما نمارسه عندما نقرأ، وعندما نصل أجزاء النص بأجزاء أخرى، وعندما نمضي لتوسيع دائرة الانتباه لكي تضم دوائر متسعة وثيقة الصلة بالموضوع.

وتقوم وظائف الأنسنة على اقتناع راسخ بأن القول يجب أن يبدأ بالفرد المخصوص، وأنه لا يمكن إلا أن يبدأ به، فبدونه لا أدب فعليا، ولا نطق يستحق التفوه به أو الاعتزاز ولا تاريخ ولا قوة تستحق الحماية أو التشجيع.

إن النزعة الأنسنية هي الوسيلة، ولعلها الوعي الذي نتزود به، لتوفير ذلك النوع من التحليل المتناقض أو الطباقي بين فضاء الكلمات وبين أصولها وأنماط انتشارها المختلفة في الحيز الفيزيائي والاجتماعي، ومن النص إلى ميدان الاستحواذ أو المقاومة، إلى البث، إلى القراءة والتأويل، ومن الخاص إلى العام، ومن الصمت إلى الشرح والتعبير، لنعود أدراجنا- حتى نلقى صمتنا والفناء.

وتجري هذه كلها في هذا العالم، على أرض الحياة اليومية والتاريخ والآمال، ومن خلال البحث عن المعرفة والعدالة، وربما أيضا خلال السعي من أجل التحرير.

"
وجود الساعين إلى العدالة الاجتماعية والمساواة السياسية الذين يدركون أن الحرية يجب أن تتضمن الحق في مراوحة خيارات توفر النمو الثقافي والسياسي والفكري والاقتصادي، سوف يدفع المرء بالضرورة إلى الرغبة في التعبير بدلا من التزام الصمت
"

الدور العمومي للكتاب والمثقفين
تبدو أهمية الكتاب والمثقفين بارزة، ويعود ذلك جزئيا إلى أن العديد من الناس لا يزالون يستشعرون الحاجة إلى اعتبار الكاتب/ المثقف كائنا يجب الإنصات إليه بما أنه مرشد في الحاضر المربك، وأيضا بما أنه قائد جناح أو تيار أو مجموعة تسعى إلى المزيد من القوة والنفوذ.

والدمج بين كلمتي مثقف وكاتب، يبين لماذا وكيف ينتمي أحدهما إلى الآخر، على الرغم من الأصل والتاريخ المنفصلين لمفردة "كاتب" و"مثقف".

فالكاتب في الاستخدام اليومي للغات والثقافات التي ألفتها، هو الإنسان الذي ينتج الأدب، أي هو الروائي والشاعر والكاتب المسرحي.

على أنه خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ازداد اكتساب الكاتب لصفات المعارضة المنسوبة إلى المثقف من حيث الجهر بالحقيقة في وجه السلطة.

إن وجود الساعين إلى العدالة الاجتماعية والمساواة السياسية الذين يدركون أن الحرية يجب أن تتضمن الحق في مراوحة خيارات توفر النمو الثقافي والسياسي والفكري والاقتصادي، سوف يدفع المرء بالضرورة إلى الرغبة في التعبير بدلا من التزام الصمت.

ذلك هو الاصطلاح الوظيفي لمهمة المثقف، ومن هنا فإن المثقف يقف في موقع يمكنه من صياغة تلك التوقعات والتمنيات ومن تنميتها.

وما دور المثقف الجدلي الاعتراضي، إلا دور الكشف عن النزاع وجلاء معالمه، فعليه أن يتحدى ويهزم الصمت المفروض والاستكانة التطبيعية اللذين تفرضهما السلطة الخفية حيث ومتى كان ذلك ممكنا.

ذلك أنه يوجد تواز اجتماعي وفكري بين تلك الكتلة من المصالح الجماعية الطاغية وبين الخطاب المستخدم لتسويغ تلك المصالح وإخفائها أو التعمية عليها، فيما الخطاب يكبح الاعتراضات أو التحديات التي تواجهها.

المصدر : الجزيرة