عرض/علي حسين باكير
تكمن أهمية كتاب "معنا أم ضدنا: دراسات في ظاهرة معاداة أميركا عالميا" في أن محرريه, البريطاني توني جودت أستاذ التاريخ والدراسات الأوروبية ومدير معهد راماكو بجامعة نيويورك والفرنسي دينس لاكورن الباحث في العلوم السياسية قد عالجا مسألة انتشار ظاهرة العداء للولايات


- الكتاب: معنا أم ضدنا: دراسات في ظاهرة معاداة أميركا عالميا
- المحرران: توني جدت ودنيس لاكورن
- عدد الصفحات: 256
- الناشر: بالغريف ماكميلان، نيويورك
- الطبعة: الأولى/ 2005
-اللغة: الإنجليزية

المتحدة الأميركية على المستوى العالمي وفي مناطق مختلفة ومتباعدة ومن زوايا عدة, ولم يختصرا أو يربطا ظاهرة العداء لأميركا بالشرق الأوسط أو العالم العربي والإسلامي كما حاول غيرهما فعل ذلك "لغاية في نفس يعقوب".

والكتاب هو عبارة عن مجموعة من الدراسات التي تعكس فهما شاملا للتصورات والمواقف الغربية وغير الغربية من الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد قام الباحثون ببلورة هذه الآراء البالغة التعقيد والمتعلقة بمشاعر العداء للولايات المتحدة الأميركية في ستة أجزاء من العالم وهي: أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية وروسيا والشرق الأوسط وسط وجنوب شرق آسيا.

معاداة أميركا هي نتيجة لسياسات بوش
يشير المحرران في مقدمة الكتاب إلى أن ظاهرة العداء المتزايد للولايات المتحدة الأميركية في العالم إنما تعود إلى التناقض الكامن في سياسات الولايات المتحدة نفسها, فهي تدعو إلى احترام القانون وفي نفس الوقت تقوم بانتهاكه, وتدعو إلى احترام الديمقراطية ثم تقوم بانتهاكها.

ومن هنا, فإن انتشار المشاعر المعادية للولايات المتحدة لا يعد إلا رد فعل على سياساتها المتضاربة التي تعتمد على التحدي الفردي والقوة العسكرية بشكل مبالغ فيه, وهو الأمر الذي من شأنه أن يولد شعورا لدى الجماعات الوطنية والدينية المختلفة بخطورة الولايات المتحدة وبكونها عدوا تشكل "رسالته العالمية" تهديدا لها.

ويضيف المحرران أن سياسات جورج بوش كانت سببا أساسيا في انتشار مظاهر العداء للولايات المتحدة الأميركية وإن هذا العداء هو عداء "لسياسات بوش" بالدرجة الأولى وإدارته التي عكست للآخرين مدى الانفراد الأميركي بإدارة شؤون العالم الأمر الذي قاد العديدين للقول بعجرفة وغطرسة الولايات المتحدة الأميركية خاصة اثر تصرفاتها الأحادية.

"
انتشار المشاعر المعادية للولايات المتحدة لا يعد إلا رد فعل على سياساتها المتضاربة التي تعتمد على التحدي الفردي والقوة العسكرية بشكل مبالغ فيه
"
ويقول المؤلفان إنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن ظاهرة معاداة الولايات المتحدة ليست نتيجة دافع واحد وهي ليست بسيطة بل معقدة ومتعددة الجوانب، فهناك من يريد تدمير الولايات المتحدة بالكامل نتيجة عدائه الشديد لها، وهناك من يكتفي بمجرد توجيه الانتقادات الخفيفة لبعض النواحي الاجتماعية والسياسية للإدارة الأميركية, وبين هذين الموقفين مواقف عديدة.

وعبر عدد من الدراسات التي أعدها عدد من الكتاب والباحثين، ويختص كل منها بدولة بعينها تغطي في مجموعها مناطق واسعة من العالم يدرس الكتاب ظاهرة معاداة الولايات المتحدة.

ظاهرة العداء لأميركا في الشرق الأوسط
يذكر الكتاب أنه ورغم حرص الحكومة والمؤسسة الدينية الرسمية في المملكة العربية السعودية على انتقاد مرتكبي تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 و محاربتهم، فإن كثيرا ممن سمحت لهم الحكومة السعودية بالتعبير عن وجهة نظرهم لم يترددوا أيضا في انتقاد الولايات المتحدة وإدانة سياساتها المساندة لإسرائيل.

كما أن القاعدة الشعبية في المملكة العربية السعودية تكتنز ظاهرة معاداة الولايات المتحدة الأميركية قبل وبعد هجمات 11سبتمبر/ أيلول, وأنه رغم محاولات النظام السعودي تقليص إمكانيات التعبير عن معاداة الولايات المتحدة بكافة الوسائل، فإن هذا النظام لا يستطيع أن يتجاهل تماما توجهات الرأي العام, خاصة أن وتيرة الانتقادات الموجهة إلى التحالف السعودي-الأميركي من داخل المملكة ستزداد, إذا ازدادت مساحة الحرية المتاحة للتعبير عن الرأي داخلها.

أما في فلسطين فيقول الكتاب إنه رغم أن انحياز الولايات المتحدة إلى إسرائيل يمثل شعورا مشتركا لدى الفلسطينيين, فإن ظاهرة العداء لأميركا ليست واحدة, وهي تختلف باختلاف الفئات المتنوعة داخل الشعب الفلسطيني بين الإسلاميين واليساريين والعلمانيين والليبراليين.

وبشكل عام تميز أغلبية الشعب الفلسطيني بين سياسة الحكومة الأميركية من جهة والثقافة والمجتمع الأميركيين من جهة أخرى.

"
رغم أن انحياز الولايات المتحدة إلى إسرائيل يمثل شعورا مشتركا لدى الفلسطينيين, فإن ظاهرة العداء لأميركا ليست واحدة, وهي تختلف باختلاف الفئات المتنوعة داخل الشعب الفلسطيني
"
ففي حين تظهر إدارة بوش بصورة سلبية للغاية، فإن هناك إعجابا، وانبهارا في بعض الأحيان بالحياة اليومية في الولايات المتحدة.

وحتى الجماعات السياسية الإسلامية، مثل حماس والجهاد الإسلامي، لا تختلف كثيرا في رؤيتها للولايات المتحدة عن رؤية مجمل الشارع الفلسطيني، وهما تظهران شيئا من الاعتدال فيما يخص الإعجاب بنمط الحياة فيها.

فيما يخص الموقف الإيراني, ينقل الكتاب أن العداء للولايات المتحدة الأميركية هو عداء سياسي محض وهو بخلاف المواقف الأخرى المعادية للولايات المتحدة لا يعبر عن نفسه في شكل ثقافي أو إنثروبولوجي.

فقد كانت صورة الولايات المتحدة جيدة في إيران إلى حين الإطاحة بحكومة مصدق في العام 1953. في حين بلغت هذه المعاداة ذروتها في الثورة الإيرانية عام 1979, وبقيت مستمرة باستمرار ربط النظام وقطاعات واسعة من الشعب المشكلات الداخلية بقوى خارجية.

أما فيما يتعلق بباكستان فينقل الكتاب أن المشاعر المعادية للهند وإسرائيل فيها تعد ركنا أساسيا في تشكيل الرأي العام الباكستاني.

وفي حين كانت النظرة إلى الولايات المتحدة حتى الثمانينيات محايدة نتيجة غياب الدور الاستعماري أو الأميركي السلبي عنها, تختلف النظرة الحالية باختلاف مفهوم النخب الباكستانية والقطاعات الشعبية ذات التوجه الإسلامي.

ففي حين تعتبر النخب الباكستانية أن العلاقة مع الولايات المتحدة تتراوح بين الصادقة والخداع وذلك حسب المواضيع التي يتم تناولها وتكون الولايات المتحدة فيها طرفا تعتبر النخب الإسلامية والقطاعات الشعبية ذات التوجه الإسلامي أن السياسات الأميركية تجاه الإسلام والمسلمين والعديد من القضايا تثير الغضب والشعور بالإهانة.

وكما توقع الكتاب بشأن زيادة ظاهرة العداء لأميركا في السعودية فإنه يشير إلى ذات الأمر في باكستان.

مؤشرات سلبية عن صورة أميركا في أوروبا

"
معارضة الأغلبية الشعبية في أوروبا الحرب التي خاضتها أميركا على العراق كانت بمثابة الاختبار، لكن أميركا فشلت في اجتيازه, وهو الأمر الذي عزز المؤشرات السلبية تجاه أميركا في أوروبا
"
أما في أوروبا فيذكر الكتاب أن هناك العديد من المؤشرات السلبية ووجهات النظر التي تسند ذلك فيما يتعلق بظاهرة العداء لأميركا.

ويذكر أن معارضة الأغلبية الشعبية في أوروبا الحرب التي خاضتها أميركا وبريطانيا ضد العراق كانت الاختبار اللازم للولايات المتحدة الأميركية, لكنها فشلت في اجتياز هذا الاختبار عندما اجتاحت العراق غير مبالية بالمعارضة العالمية لعملها هذا, وهو الأمر الذي أكد وعزز المؤشرات السلبية تجاه أميركا في أوروبا.

ففي فرنسا تضامن الشعب الفرنسي والحكومة مع خسائر الولايات المتحدة في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول, لكن الولايات المتحدة خسرت هذا التعاطف تجاهها عندما قررت غزو العراق دون الاكتراث لموقف "أوروبا العجوز" -على حد تعبير وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد- وقتئذ.

ففي مارس/ آذار 2003 ساند 68% من الفرنسيين سياسة رئيسهم جاك شيراك المعارضة بقوة للولايات المتحدة، ما يشير إلى حالة من التوافق بين الشعب الفرنسي والحكومة تجاه السياسة الأميركية. وقد شمل العداء لأميركا في فرنسا المنحى الثقافي والسياسي للولايات المتحدة الأميركية.

وفي ألمانيا ينقل الكتاب عدم تخوف الألمان من تنظيم القاعدة, لكن ظاهرة العداء لأميركا تولدت نتيجة عوامل عديدة أبرزها العوامل التاريخية مثل الماضي النازي وذكريات الحرب الباردة.

وقد عززت الحرب الأميركية على العراق وإمطاره بالقنابل والقذائف والصواريخ المخاوف الشعبية الألمانية وأحيت ذاكرته المرتبطة بذكريات مشابهة عن قصف مماثل تعرضت له المدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وطرد الألمان من شرق أوروبا.

في حين لا يقتصر العداء على الجانب السياسي, إذ تعارض قطاعات واسعة في ألمانيا نموذج حرية السوق الأميركية. ويندرج في هذا اهتمام الأجيال الشابة في ألمانيا، كما هي الحال في أوروبا عموما، بقضايا مثل العولمة وتدهور البيئة، والدور السلبي للولايات المتحدة تجاهها.

مشاعر العداء لأميركا في روسيا

"
عارض الروس بشدة الحرب الأميركية على العراق عام 2003, ولكن سرعان ما تراجعوا عن ذلك نتيجة الضغوط المتزايدة عليهم والحملات الإعلامية التي شنت آنذاك
"
يقول الكتاب إن المشاعر القومية والدينية في روسيا "الأرثوذكسية" تلعب دورا في تغذية العداء للولايات المتحدة، وإن انهيار الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى خلق لدى البعض امتعاضا ومشاعر كبيرة من العداء لأميركا خاصة عندما يقوم القوميون الروس مقارنة بين التدخلات الانتهازية والاستعمارية للولايات المتحدة في العالم من جهة، ومساندة الاتحاد السوفياتي لشعوب العالم المقهورة ودعم حركات الاستقلال سابقا, بهدف المساعدة وليس المصلحة من جهة ثانية, كما يقول هؤلاء.

ومن هذا المنطلق فالروس لا ينظرون بعين الرضا إزاء تدخل الولايات المتحدة بشؤونهم الداخلية لا سيما في المجال السياسي والاقتصادي.

ورغم وجود تحسن في النظرة تجاه الولايات المتحدة الأميركية, إلا أنه وكما يذكر الكتاب, فإن تصورات الروس عن الولايات المتحدة متعددة, فقد احتفظ الروس خلال المرحلة الشيوعية بتصور معقد مختلف عن تصور قيادتهم للولايات المتحدة، ويختلط فيه الإعجاب بالدينامية الاقتصادية بالحقد والشعور بالتفوق المعنوي والثقافي السوفياتي مقابل انحطاط النظام الغربي.

وهم كما الألمان والفرنسيين عارضوا بشدة الحرب الأميركية على العراق عام 2003, ولكن سرعان ما تراجعوا عن ذلك نتيجة الضغوط المتزايدة عليهم والحملات الإعلامية التي شنّت آنذاك.

وفي جميع الأحوال يبقى الكتاب مرجعا مهما يسلط الضوء على ظاهرة انتشار العداء للولايات المتحدة الأميركية وعدم اقتصارها على منطقتنا العربية والإسلامية كما يحاول البعض أن يروج لذلك.

المصدر : الجزيرة