عرض/ كامبرج بوك ريفيوز
"أطلس فلسطين" عمل ضخم وموسوعي بامتياز ويستحق الإشادة والتوقف عنده باحترام. المؤرخ الفلسطيني سلمان أبو ستة يتوج سنوات اهتمامه وإنتاجه الغزير حول أثر النكبة على فلسطين والفلسطينيين, وحول الأرض الفلسطينية من ناحية الملكية ومن كل الزوايا القانونية والحقوقية, وحول أحقية حق العودة الفلسطيني وإمكانيته, يتوج ذلك كله بإصدار هذا الأطلس الكبير الحجم, والكبير الثراء معاً.

هنا نحن أمام عام 1948 المفصلي, بما سبقه من تواريخ جرت إليه, وما تبعه من كوارث مازال الفلسطينيون يدفعون ثمنها إلى الآن. أبو ستة يؤرخ لذلك العام, أو اللحظة التاريخية المتشعبة عنه, بكل دقة, يؤرخ لعلمية الظلم التاريخي النادر الحدوث حينما تحولت فلسطين إلى إسرائيل: وهذه المرة بالخارطة, والجدول, بالصورة والمعلومة, بالكتاب والوثيقة.

- الكتاب: أطلس فلسطين 1948
- المؤلف: سلمان أبو ستة
- عدد الصفحات: 428
- الناشر: جمعية أرض فلسطين، لندن
- الطبعة: الأولى 2004

أطلس ووثيقة تاريخية
نحن أمام 428 صفحة من الحجم الكبير, في ثلثها الأول نقرأ كل ما يمكن أن يكون له علاقة مباشرة بالمشروع الصهيوني في فلسطين وكيف قام على أساس انتزاع الأرض من أصحابها الأصليين ثم طردهم. وفي الثلثين الأخيرين يتوزع الأطلس الشامل الذي يصور كل زوايا الأرض الفلسطينية في تلك الانعطافة التاريخية, قرية بقرية, وخربة بخربة.

بيد أن الأطلس لا يشكل فحسب عملاً وثائقياً من الطراز الرفيع والنادر, ويحوي بين دفتيه ما تحويه مكتبات متخصصة في القضية الفلسطينية. بل هو أيضاً مرافعة حقوقية وقانونية مدعمة بالحجج التاريخية والأدلة الموثقة على فلسطينية فلسطين وهشاشة الأساس الأخلاقي أو القانوني للمشروع الصهيوني.

الثلث الأول يقدم خلفية تاريخية للصراع ولتصاعد واستقواء المشروع الصهيوني, ثم رصد وتسجيل للأرض الفلسطينية قبيل قيام دولة إسرائيل, يليه متابعة تفصيلية للنكبة وآثارها واللجوء الفلسطيني وما آل إليه. ليس هنا تكرار ممل لما صار معروفاً, أو قراءة عاطفية رومانسية متحسرة, بل معالجة معمقة تستهدف القارئ الأجنبي وغير العربي لكنها صارمة في لغتها الحقوقية والإحصائية.

يبدأ أبو ستة بتحديد حدود فلسطين مع مصر كما أقرت منذ سنة 1841 بين السلطنة العثمانية ومحمد علي باشا إثر انسحاب قواته من بلاد الشام. ثم تحديد حدود فلسطين مع لبنان وسوريا في اتفاقية 1906 بين السلطنة والانتداب الفرنسي, ولاحقاً مع البريطاني حول الحدود مع شرق الأردن. في كل من هذه الاتفاقيات نقرأ تفاصيل التفاصيل مرفقة بصور مسحية قديمة حول كل شريط من الشرائط الحدودية يبين القرى والمناطق التي مرت منها الحدود.

بعد انحسار الحكم التركي عن فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقيام الانتداب البريطاني, بدأت أمواج الهجرة اليهودية. ويرصدها أبو ستة في أطلسه بكل دقة بحسب السنوات والشهور, ونرى كيف تصاعد المنحى المدمر لتلك الهجرة. فما بين سنة 1920 و1946 دخل فلسطين أكثر من 376000 مهاجر يهودي.

وبالطبع كان لا بد من الصراع الحتمي مع أهل الأرض الأصليين, وهو الصراع الذي غضت الطرف عنه بريطانيا العظمى ولم تفعل شيئاً سوى إحالة الموضوع للأمم المتحدة التي بادرت سنة 1947 بإصدار قرار التقسيم. ينص القرار على منح اليهود ما نسبته 55,5% من أرض فلسطين لإقامة دولة يهودية عليها مقابل 43.7% للفلسطينيين, مع إبقاء القدس تحت السيادة الدولية.

"
أعداد الفلسطينيين عشية قرار التقسيم وتوزيعاتهم الجغرافية موضحة في الأطلس بشكل مدهش, ففي كل مدينة وقضاء فلسطيني وكل قرية مهما صغرت نجد جداول توضح نسبة الملكية بين العرب واليهود
"
أبو ستة يوضح بالأرقام والخرائط التفصيلية أن نسبة الأرض الممنوحة لليهود بحسب قرار التقسيم كانت خمسة أضعاف ما كانوا يمتلكونه على أرض الواقع. وأن عدد اليهود آنذاك كان لا يتجاوز نصف مليون. وفي المقابل فإن الأرض الممنوحة للعرب كانت أقل مما كانوا يمتلكونه على الأرض, وكان عددهم يتجاوز 1.36 مليون نسمة.

أعداد السكان عشية قرار التقسيم وتوزيعاتهم الجغرافية موضحة في الأطلس بشكل مدهش: ففي كل مدينة وقضاء فلسطيني, وكل قرية مهما صغرت نجد جداول توضح نسبة الملكية بين العرب واليهود.

وأحد الأشياء المهمة واللافتة المرتبطة بقرار التقسيم هو أن عدد السكان الفلسطينيين القاطنين في الأرض التي منحت لإقامة الدولة اليهودية عليها يكاد يبلغ نصف مليون, بما يعني أمرين: الأول هو مصادقة غير مباشرة على الأطروحة الفلسطينية والعربية بأن الوجود اليهودي في فلسطين طارئ لدرجة فشل القوى التي صاغت قرار التقسيم في العثور على مساحات أراض متصلة كي تمنح للدولة اليهودية يكون فيها اليهود أغلبية واضحة, ومن دون وجود عربي ملموس. والأمر الثاني هو شبه استحالة تطبيق قرار التقسيم من ناحية عملية مع وجود هذا العدد الكبير من الفلسطينيين داخل نطاق الأراضي التي قرر أن تكون للدولة اليهودية.

ملكية العرب وملكية اليهود من أرض فلسطين

"
إحصاءات القرى ظلت سرية سنوات عدة لأنها كانت تقدم الدليل تلو الدليل على فلسطينية الأرض وندرة التملك اليهودي في أرض فلسطين
"
في القسم الخاص بـ"أرض فلسطين" في الثلث الأول من الأطلس نجد مسحاً مدهشاً لأراضي المدن والقرى الفلسطينية دونما بدونم, وعلى طول وعرض أقضية البلاد. يعتمد أبو ستة على مجموعة هائلة من الوثائق والإحصاءات من عهد الانتداب البريطاني, وخاصة جداول "إحصاءات القرى" Village Statistics والتي كانت أعدها البريطانيون لأول مرة سنة 1936 لتقديهما للجنة بيل الملكية التي ابتعثت لتدرس إمكانية وجود حل للصراع بين العرب واليهود في أعقاب مغادرة البريطانيين.

"إحصاءات القرى" تلك ظلت سرية سنوات عدة لأنها كانت تقدم الدليل تلو الدليل على فلسطينية الأرض وندرة التملك اليهودي في أرض فلسطين.

لكن في عام 1943 رفعت السرية عن تلك الإحصاءات وجعلت في متناول الجميع, كما تم تحديثها سنة بسنة. أبو ستة يورد تلك الإحصاءات وهي جداول طويلة وثرية بالمعلومات التفصيلية عن كل قرية ومدينة من القرى والمدن الفلسطينية, وفيها مسح للأراضي من ناحية الملكية وفيما إن كانت ملكية للعرب أم لليهود أم ملكية عامة.

فإزاء كل قرية من القرى نقرأ مساحة الأراضي التابعة لها, ثم في عمود آخر نقرأ نسبة الأراضي المملوكة من قبل العرب, والنسبة المملوكة من قبل اليهود. ويظهر من الجدول المهم تدني نسبة الملكية اليهودية إلى درجة لا يمكن مقارنتها بالتملك والوجود الفلسطيني المنتشر على طول وعرض القرى والمدن الفلسطينية.

والمجموع التراكمي للملكية العربية هو 23 مليون دونم, بينما لم يزد المجموع التراكمي للملكية اليهودية عن 1.5 مليون دونم, كما أن هناك 1.5 مليون دونم صنفت على أنها ملكية عامة, ويرى أبو ستة أن هذه الملكية العامة كانت في الواقع ملكية عربية لكنها اعتبرت كذلك لأن تصنيف الأراضي كان يعتمد على نظام الجباية الضرائبية, وكان جزءا كبيرا من الأراضي العربية خارج ذلك النظام لسبب أو لآخر.

أطلس النكبة!

"
يتابع أبو ستة في أطلسه مراحل التوسع والاعتداءات الصهيونية على القرى الفلسطينية التي امتدت لسنوات قبل قيام حرب 1948, وتوضح الخرائط التفصيلية تلك الامتدادات واستيلاءها التدريجي على الأرض
"
في القسم الخاص بـ"النكبة" يطور أبو ستة ما كان أصدره من قبل بشأن آثار النكبة على فلسطين والفلسطينيين وخاصة لجهة القرى المدمرة, وعدد اللاجئين الفلسطينيين, والجهات التي لجؤوا إليها, إضافة إلى بروز قضية عودتهم وصدور القرارات الأممية التي تنص على ذلك.

وفي هذا القسم يتابع أبو ستة مراحل التوسع والاعتداءات الصهيونية على القرى الفلسطينية التي امتدت لسنوات قبل قيام حرب 1948, ونلحظ بالخرائط التفصيلية تلك الامتدادات واستيلاءها التدريجي على الأرض. ووصولا إلى الحرب وما تلاها, تتحول تلك الخرائط إلى سجلات تدون اتجاهات التهجير التي أجبر الفلسطينيون على التحرك وفقها بعيد الحرب: شمالا إلى لبنان وسوريا, وشرقاً إلى الضفة الغربية والأردن, وجنوباً إلى مصر.

أهمية هذه الخرائط أنها تصف بدقة حركة اللجوء الفلسطيني وأعداده وإلى أين اتجه, وما هي المخيمات التي تطورت وأقيمت بناء عليه. يحتوي هذا القسم أيضاً على ثلاثة جداول مطولة وتضيف معلومات جديدة إلى ما هو معروف في هذا السياق, وبالتالي تستحق التوقف عندها.

الجدولان الأولان هما "عمليات التوسع الإسرائيلي" و"جرائم الحرب, الانتهاكات, التدمير, السرقة". في هذين الجدولين وبالاعتماد على مصادر معلومات إسرائيلية وبريطانية وأممية وفلسطينية, يسجل أبو ستة في الجدول الأول 38 عملية عسكرية إستراتيجية توسيعة, مضمنا المكان, والزمان, والكتائب العسكرية التي شاركت في كل عملية, والجهة العربية التي دافعت ووقفت في وجه تلك العملية.

أما الجدول الثاني فيتضمن 205 جرائم حرب شملت المراحل قبل وخلال وبعد حرب 1948, وكما في الجدول الأول يتضمن هذا الجدول الأمكنة والتواريخ التي حصلت فيها تلك الجرائم, وعدد الضحايا وسوى ذلك من تفاصيل مدهشة. أما الجدول الثالث فعنوانه "سجل النكبة" وهنا نقرأ قائمة بأسماء 530 مدينة وقرية ومحلة فلسطينية تعرضت للتدمير أو التهجير.

"
الخرائط التي تضمنها الأطلس هي كشاف دقيق لكل فلسطين عشية 1948, حيث تظهر المدن, والقرى, والهضاب, والأنهر, والجبال, والسواحل, والخرب الفلسطينية بتفصيل مذهل
"
وإلى وقت قريب كانت هذه القائمة لا تتجاوز بحسب المؤرخين 418 قرية وهو الرقم الذي رصده المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي, وكان قد وافق على قائمة سابقة كان أعدها المؤرخ الإسرائيلي بني موريس وضمت 369 قرية, لكنه أضاف إليها مجموعة أخرى.

أما الآن فإن القائمة الأكثر شمولية ودقة هي قائمة أبو ستة. فإضافة إلى ما تحتويه من قرى جديدة, فإنها تتضمن تاريخ التهجير, وعلى يد أي من العصابات الصهيونية تم, وفي ظل أي عملية عسكرية, ومستوى التدمير الذي حل بالمكان, إضافة إلى أعداد المهجرين.

ابحث عن قريتك في الأطلس
الجزء الثاني من الأطلس هو الخرائط نفسها والتي تمتد لتشمل أكثر من ثلثي حجم الأطلس. وهذه الخرائط هي كشاف دقيق لكل فلسطين عشية 1948, حيث تظهر المدن, والقرى, والهضاب, والأنهر, والجبال, والسواحل, والخرب الفلسطينية بتفصيل مذهل.

فما على القارئ سوى الاستعانة بفهرست مطول يحتوي على آلاف المدخلات المرتبة بشكل هجائي ثم يختار اسم القرية أو حتى الأثر أو الخربة ثم يقرأ رقم الصفحة التي توجد فيها تلك القرية, ويعود إليها ليرى عمق التفصيل ودقته المدهشة. ولعل التحدي الكبير الذي يواجهه مثل هذا العمل "الأطلسي" يكمن في أن الدقة الشديدة سوف تكون محل اختبار كل قارئ فلسطيني حيث سيعمد فوراً إلى البحث عن قريته وأسماء المناطق فيها والأراضي التابعة لها, وفيما إن كنات دقيقة أم لا.

وهو الاختبار الذي نجح فيه الأطلس بامتياز عندما وجد كاتب هذه المراجعة في الأراضي التابعة لقريته الصغيرة أسماء مناطق مهجورة ومنسية كان يسمعها من أجداده فقط ولم يدر بخلده أنها سوف لن تنسى أبدا مع وجود أطلس فلسطين, أطلس سلمان أبو ستة.



المصدر : الجزيرة