عرض/ إبراهيم غرايبة
يطرح هذا الكتاب ثلاثة أنواع من المشكلات متعقلة بالوعي التاريخي والواقع والعصر، وذلك من خلال دراسة الكتابة التاريخية السياسية عن العرب وكتابة العرب عن أنفسهم وتاريخهم مما أنتح في العقود الثلاثة الأخيرة.

ويقدم قراءة نقدية لأهم هذه البحوث بهدف فحص الوعي الذي يحكم رؤية الجماعة العربية لدى المثقفين والمستشرقين والاستراتيجيين وكتاب السياسة في الغرب، ثم يناقش الأصول النظرية لبعض القضايا المطروحة على الساحة أو السائدة لدى المثقفين والسياسيين العرب، والوقائع والظواهر ذاتها، وعلى رأسها غزو العراق وتداعياته والعوامل الخارجية التي تتحكم بالوقائع والظواهر.

وعي التاريخ ووعي المستقبل

- الكتاب: الوعي والمأزق، تجليات الفكر في مشكلات العرب
- المؤلف: الفضل علي شلق
- عدد الصفحات: 296
- الطبعة: الأولى، 2005
- الناشر: المؤسسة العربية للعلوم, بيروت
يطرح المؤلف عدة تساؤلات حول احتمالات المصير العربي وحقيقة التوجه القومي؛ إذ يرى أن القومية لم تكن في أي وقت وفي أي مجتمع باعتبارها تاريخا ووعيا اندماجيا إلا وهما، ولكن هذا الوهم يعكس إرادة سياسية ويشكل مشروعا لفئة أو نخبة تحمل لواءه وتقيم علاقة مع مجتمعها، وينجح المشروع في مواجهة خصومه في الداخل وفي الخارج لا لأنه يشكل أمة، بل لأن حامليه يريدون أن يشكلوا أمة.

وينظر إلى الدولة على أنها كيان مصطنع حيث أن الحدود نفسها مصطنعة، وأن على الناس الذين يعيشون ضمن هذه الحدود تحقيق التعايش بين فئاتهم وعند تحقيق ذلك فإن الحوار يكون منتصرا، وتكون السياسة هي قاعدة النظام والدولة، أما في حال الفشل فإنها الحرب الأهلية، فيما يشكل المضمون النظام والمؤسسات التي يتم من خلالها ترتيب الأمور بين الناس، وإذا كان الترتيب غير متكافئ فإن الدولة والنظام يخضعان لنظام رأسمالي استغلالي.

ويمثل قيام دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي، وتراجع النمو الاقتصادي وفشل البرامج والمشروعات التنموية مؤشرين أساسيين على فشل التجربة القومية، ولكن ما هو المشروع الذي يمكن أن تجتمع عليه الكتلة البشرية العربية ذات الربع مليار نسمة والمستوطنة في أقاليم شاسعة متباعدة شديدة ومعقدة التنوع؟

وما الذي يجمع هذه الكتلة البشرية غير اللغة التي يتدفق منها شعور مشترك؟ وهل نستطيع البرهان على شيء لمجرد أننا نمتلك هذه اللغة؟ أو هذا الشعور المعتبر أمرا غير ملموس؟

وعلى المستوى الفردي في التطبيق العملي هناك ولاءات متناقضة تتنازع كل عربي، من الانتماء القطري إلى الانتماء القومي، مرورا بالانتماء الإسلامي ونهاية بالانتماءات الطائفية والإثنية والعشائرية في كل قطر.

أما على الصعيد التاريخي فلا يبدو في الحقيقة وجود أمة عربية يمكن تتبع تاريخها وتطورها وماضيها، ولكن هناك تاريخ ما قبل الفتوحات ثم حكم الخلافة العربية، تلاها حكم الدولة التركية لفترة طويلة، ليأتي أخيرا الحكم الغربي، ثم استقلال الدول العربية ضمن إعادة لتشكيل الأمة في دول وأقطار، وهذا يشير إلى وجود ثقافة عربية في إطار الأمة، أو الثقافة الإسلامية الأوسع مدى.

"
يعتمد وجود الدولة والأمة على العلاقات بين الأفراد والجماعات التي يتشكل منها المجتمع، فيما تشكل كل علاقة حوارا، والحوار هو السياسة التي تدار بها شؤون المجتمع، فهي إما أن تكون مفروضة على المجتمع، أو تعبر عن إرادة أبنائه
"
فالبحث في مستقبل الأمة العربية ينطوي على غموض في الرؤية، وتعتمد إجابة الأسئلة المتعلقة بالمستقبل على السياسي الذي سيعبر عن إرادة المجتمعات، التي تميل إلى هذا الاتجاه أو ذاك، فمن وجهة نظر أن الأمة احتمال يتوقف على وجود الدولة، وإلا فإنه يبقي وجودا ثقافيا رمزيا، فالأمة وجود يصنعه المجتمع بأفراده وإثنياته، فالتعددية موجودة في كل جماعة كما في كل فرد، وبذلك يعتمد وجود الدولة والأمة على العلاقات بين الأفراد والجماعات التي يتشكل منها المجتمع، فيما تشكل كل علاقة حوارا، والحوار هو السياسة التي تدار بها شؤون المجتمع، فهي إما أن تكون مفروضة على المجتمع، أو تعبر عن إرادة أبنائه، والتي يعبر غيابها عن وجود حالة من الاستبداد في حين أن حالة الإنسان الطبيعية هي الحرية، أي نقيض الاستبداد والقبول به.

لقد نشأت في نهاية الدولة العثمانية جمعيات وأحزاب تؤمن بوجود الأمة العربية، وتعمل على تحريرها من الظلم العثماني، وفي عهد الاستعمار نشأت أحزاب حددت أهدافها القومية العربية، وتشكلت أيضا أحزاب دينية تهدف إلى إحياء الأمة الإسلامية، وتشكلت أحزاب ماركسية أخذت بمقولة الطبقة لا مقولة الأمة.

عملت هذه التيارات الثلاثة معا، ولم تلغ بعضها بعضا، فالصراع بين أحزابها في عهود الاستقلال عبر عن استجابة المنطقة العربية للتحديات الداخلية والخارجية، وفي إطار هذا الصراع تحدد وعي النخب الثقافية والسياسية.

وكانت المشكلة تكمن في أن هذه النخب قليلة العدد وشديدة التماسك، ولكنها ذات رسالة تعتقد أنها تمثل الأمة العربية أو الإسلامية، فانفصلت عن الجمهور ولم تعد تعبر عنه ولا تتعامل معه، الأمر الذي قلص شعبيتها؛ فقد رأت في ذاتها ممثلا للحقيقة العليا، فلم تعد تأبه بالآخرين، وفقدت صبرها على الحوار والنقاش مع الجمهور، فلم يبق للسياسة مكان، فالإشكالية الوحيدة في نظرها هي تنفيذ ما يملى عليها أو ما تمليه على الآخرين، وهذا بداية التأسيس للاستبداد.

فإذا ما اعتبرت الأمة معطى جاهزا فإنه يسهل مصادرتها لمصلحة من يعتبرون أنهم يمثلونها، فيصبح العمل بالنيابة عن الأمة لا بالتعبير عن إرادة الجمهور، وهي بطبيعة الحال إرادات متعددة.

وهكذا فقد أجهضت الفكرة السامية الاعتراف بالتعددية، ولم تعط الأقليات حقوقها، وفقدت الأكثرية أيضا حقوقها لصالح مقولة الأمة المتسامية، وتحول المجتمع إلى مجموعة من الواجبات دون حقوق، وفقدت الدولة معناها، وتحول النظام السياسي إلى الاستبداد والقمع.

والاستبداد هنا يكون بنيويا متعلقا بطبيعة الأيدولوجية التي تنظم الحكم والفكر، فالوعي الشائع المستمد من الاعتقاد بوجود الأمة خارج المكان والزمان والفئات الاجتماعية والأفراد، هكذا أمة مكتملة ليس لها رسالة لأنها هي الرسالة، فالأمة هي ما يجب التخلي عن جميع الحاجات من أجلها، إذ يتم رفع الأمة من مستوى الحياة اليومية (الدنيوية) إلى المستوى المتسامي، وتتموضع فوق المجتمع كي تسهل مصادرتها لتتجلى بعد ذلك عبر من صادروها، فتصير رغباتهم أوامر للناس، بل تصير مقولة الشعب وسيلة للقمع، ويصير الولاء للذات الإلهية أو لمصلحة الشعب خضوعا لمن يدعي تمثيلها.

التعبير عن الشعب يحتاج إلى الحوار والنقاش مع الناس والقدرة على التسويات، أما تمثيل الشعب فإنه لا يحتاج إلى أكثر من تعليبه في بضعة مفاهيم ومقولات يقاس الناس على أساسها.

وبين تمثيل الأمة والشعب أو التعبير عن إرادتهما يكمن الخيار بين أن يكون المجتمع هو الأصل والهدف أو أن يكون مجرد أداة لتطبيق ولتنفيذ ما يطلب منه، فالسعي للتعبير عن إرادة المجتمع إنما يقود إلى نتائج غير متوقعة، إذ يمكن افتراض نتيجة بعينها عندما تتعدد الاحتمالات.

الحرية والشرعية والانتماء

"
تشكل الأمة الإسلامية كيانا ثقافيا لا ينتظر منه أن يتحول إلى كيان سياسي، حتى في نظر الإسلاميين المتشددين، وأثبتت حرب العراق أن الحضارات متمايزة لكنها لا تتصارع، وأننا لا نستطيع المواجهة بالإسلام
"
ينتمي العربي إلى أكثر من أمة، فهو طورا يتحدث عن الأمة العربية، وطورا عن الأمة الإسلامية، وأحيانا تزعم الدولة القطرية أنها أمة، وإن بشكل ملتو وغير مباشر، فقليلا ما يجرؤ القطريون على الزعم بأن دولتهم تشكل أمة، لكنهم يتصرفون في العادة على هذا الأساس، ويعاني كل من هذه الكيانات مشكلة تتعلق بالتحول إلى كيان سياسي يتمتع بالشرعية.

تشكل الأمة الإسلامية كيانا ثقافيا لا ينتظر منه أن يتحول إلى كيان سياسي، حتى في نظر الإسلاميين المتشددين، وأثبتت حرب العراق أن الحضارات متمايزة، لكنها لا تتصارع، وأننا لا نستطيع المواجهة بالإسلام، وأن تحويل الأمر إلى نزاع ديني لا يحل أي مشكلة.

وأما الأمة العربية فهي كيان ثقافي واحتمال سياسي في آن معا، وهو أمر محتمل عندما يتوافر المشروع السياسي، الذي يتوقف نجاحه على المعرفة الجدية بالأمة والعالم وحاضره.

في حين الدولة القطرية هي كيان سياسي لا يستند إلى خلفية ثقافية مشتركة، والأرجح أن الكيان القطري معرض للاختلافات والحروب الأهلية أكثر من الأمة لو كانت متحدة، وقد عاشت الدولة القطرية ما يقارب نصف القرن على القمع، وصار القمع جزءا من طبيعتها، بل هو طبيعتها الوحيدة.

إن إشكالية الانتماء لا الديمقراطية هي المدخل إلى مسألة الحرية، والانتماء ليس التبعية لهوية ما، بل هو صنع الهوية كمشروع سياسي بالدرجة الأولى، والحرية الحقيقية هي إمكانية الخيار بين الهويات، فتعدد الهويات حقيقة ضمن الفرد، والاختيار هو الحرية.

وقد أخطأت الولايات المتحدة الأميركية بسبب العمى السياسي الناتج عن القوة العسكرية الفائقة عندما جاءت إلى العراق لفرض الديمقراطية، وتوهمت -متجاهلة التاريخ- أن العراق يتشكل من إثنيات وأديان ومذاهب تشكل كل واحدة منها جماعة موحدة تدور حول جوهرها المتشكل من بعض الملامح والسمات، واعتبرت أن التعددية هي أن تعيش هذه التشكيلات متجاورة، وأن كل فرد عراقي سيتصرف على أساس الهوية الوحيدة المفترضة له، وأنكرت الإدارة الأميركية أو رفضت الاعتراف بأن كل عراقي (مسلم أو مسيحي، شيعي أو سني، عربي أو كردي أو تركماني) هو عراقي، وعربي ومسلم أيضا في إطار ثقافي.

وغرق العراق بفعل التصور الأميركي الأحادي في بحر من الفوضى بسبب رفض اعتبار الهوية كيانا سائلا متحولا، وتطورا تاريخيا، كما تشير التجربة الأميركية نفسها.

النخبة والمجتمع والدولة

"
مشكلة المجتمع أنه يخضع لرغبة نخبوية على تعدد واختلاف اتجاهات النخب في أن يكون رعية، والمسألة لا تتعلق بالديمقراطية وحسب، ولكنها متصلة بالعلاقة الشمولية السوية بين المجتمع وبين الدولة والنخبة
"
المجتمع ينتظم فقط في إطار الدولة، التي تعمل بموجب الأفكار السائدة، والأفكار التي تصوغها النخبة الثقافية بالدرجة الأولى، ومشكلة المجتمع أنه يخضع لرغبة نخبوية على تعدد واختلاف اتجاهات النخب في أن يكون رعية، والمسألة لا تتعلق بالديمقراطية وحسب، ولكنها متصلة بالعلاقة الشمولية السوية بين المجتمع وبين الدولة والنخبة، وشرط العلاقة السوية هو الإيمان بالناس بوعيهم وعقلهم وقدرتهم على التمييز وبعدم حاجتهم إلى الرعاية، والسعي لتحرير الناس، ليس بالمطالب الديمقراطية وحدها، بل عن طريق سعي النخبة والدولة للتعبير عن احتياجات الناس ووجدانهم وأفكارهم لا إعادة تشكيلها من جديد.

منذ عشرات السنين والمثقفون يطرحون الأفكار انطلاقا من بديهيات أو مسلمات، حتى أصبحت ادعاءات الوضوح والرؤى الثابتة والآراء الأكيدة هي القاعدة، فغابت الالتباسات والشكوك والظنون، وتراجع التواضع وتورم انتفاخ الذات، وصار لدينا لكل سؤال جواب معروف سلفا، والمعرفة تبدأ برأس الهرم، بالحاكم أو من يمثله من سلطات معرفية في وزارات الثقافة والتوجيه والإرشاد والإعلام التي تديرها أجهزة مراقبة لا تظهر إلى العلن.

إن ما نحتاجه هو الإيمان بالناس وقدراتهم، وتسخير الأفكار لخدمة قضاياهم ومعاشهم وحاجاتهم ورغباتهم، وكما يقول الدوس هاكسلي إن الفن هو التعبير عما يشعر به الناس ويفكرون به دون أن يستطيعوا قوله، فالعقل حين يتحول إلى هدف يتحول أيضا إلى آلة للكذب والتعمية.

ويختم المؤلف بقصة حدثت معه عندما كان مديرا لمؤسسة الحريري التي قدمت منحا دراسية لحوالي ثلاثين ألف طالب يدرسون في جامعات العالم، دعاه مفتي لبنان السابق حسن خالد للبحث في توجيه الطلاب المبتعثين إلى الخارج ببعثات مرافقة لهم، فأجاب شلق مدير مؤسسة الحريري: إننا أمة مهزومة، وأحد أهم أسباب الهزيمة هو الوعي البائس، ومن ثم فإني لست متأكدا من أفكاري أو أي أفكار مطروحة على الناس، وقد أرسلنا الطلاب إلى الخارج كي يأتوا بأفكار جديدة، فكيف نلحقهم بأفكارنا البائسة.

المصدر : الجزيرة