عرض/إبراهيم غرايبة
يعد هارون الرشيد إحدى المحطات الرئيسة الكبرى في تاريخ الدول والحضارات الإسلامية، وقد اختاره المؤرخ الفرنسي أندريه كلو موضوعا للدراسة بعد تأليف كتابه عن السلطان العثماني سليمان القانوني الذي يعبر عن ذروة مجد الدولة العثمانية، وقد عرف عن هارون الرشيد كثير من القصص، ولكنه كان أيضا قائدا عسكريا ثبت أركان الدولة، وواجه الإمبراطورية البيزنطية وحركات التمرد السياسية والدينية الداخلية، وشجع الحركة الفكرية والثقافية التي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم.
 
الشاب المتألق
- الكتاب: هارون الرشيد ولعبة الأمم
- المؤلف: أندريه كلو
- ترجمة: صادق عبد المطلب الموسوي
- عدد الصفحات: 266
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005
تولى هارون الرشيد الخلافة وهو في العشرين من عمره بعد وفاة أخيه الهادي، وفي الليلة التي تولى فيها السلطة ولد ابنه المأمون، الخليفة العباسي العالم والمثقف المشهور، وكان محاطا بحاشية واسعة من الفرس "البرامكة" الذين قربتهم والدته "الخيزران" وهي في الأصل جارية أهداها لوالده المهدي والده أبو جعفر المنصور، ولكنها ترقت في التأثير والهيمنة على الدولة والقصر، فقد كانت أهم شخص يحيط بالخليفة المهدي، وأحاطت نفسها بمجموعة من المستشارين والموظفين البرامكة العلماء والحكماء.
 
وانحازت الخيزران إلى ابنها هارون المثقف الحكيم ضد ابنها الهادي المتهور والمستبد، فمات هذا مسموما على الأرجح أو مريضا بما يشبه السم بعدما فشل في قتل والدته، وإن سجن أهم رجل يساعدها "يحيى البرمكي".
 
وبوفاة والدته أخذ نفوذ البرامكة يتراجع، إذ أصدر الرشيد بعد فترة وجيزة من رحيل الخيزران أمرا يقضي بإعفاء جعفر البرمكي من حمل خاتم السلطة، وكلف الفضل بن الربيع أحد المقربين من تسلم الخاتم بالرغم من أن الخيزران كانت على خلاف دائم معه، وكان الرشيد يريد بذلك توجيه أول ضربة إلى عائلة البرامكة للحد من نفوذها.
 
"
انحازت الخيزران إلى ابنها هارون المثقف الحكيم ضد ابنها الهادي المتهور والمستبد الذي مات   مسموما على الأرجح أو مريضا بما يشبه السم بعدما فشل في قتل والدته
"
ويقال إن هارون كان لديه مائتا امرأة، عشرون منهم فقط أنجبن له الأولاد، وكانت الجواري من أصول مختلفة، فمنهمن العربيات، والشركسيات، الفارسيات، واليونانيات، وكان مصدرهن في الغالب هو الغنائم والحروب والغزوات، ولم يكن اختياره للنساء يعتمد على الجمال فقط بل على الذكاء أيضا.
 
وأقرب النساء إليه كانت زبيدة ابنة عمه التي عرفت كيف تحافظ على مكانتها عنده لما كانت تتميز به من ذوق وسحر وخيال وأنوثة، وهي والدة الخليفة الأمين الذي قتله أخوه المأمون.
 
لقد قامت زبيدة بالعديد من الأعمال العظيمة ومؤسسات خيرية لخدمة الناس، فقد أنفقت ملايين الدنانير على بناء الخانات وحفر الآبار على طول امتداد طريق الحج خاصة إلى الحجاز، كما ساعدت الكثير من المحتاجين في كل أرجاء الإمبراطورية.
 
كان الرشيد يدير قصره وحاشيته وفق تقاليد إمبراطورية تقضي بأن يكون هناك حاجز بين الخليفة وبين الآخرين، فلا يحق لهم التحدث إليه أو التكلم معه وعند الضرورة القصوى حيث يوجه السؤال والسائل في حالة سجود، إلا أن هناك عددا محددا من الأشخاص يحق لهم وحدهم التحدث إليه أو التكلم معه بل حتى مناقشته وهم من يطلق عليهم الندماء، أقربهم إلى الخليفة كان: إسحاق ابن إبراهيم الموصلي، وهو أعزهم وكان موسيقيا مشهورا، إضافة إلى جعفر البرمكي.
 
كانت الأموال كثيرة متدفقة على القصر والمؤسسات والجيوش والولايات من الضرائب والخراج الكثير المنتشر في دولة واسعة وغنية وقوية ومزدهرة، ويظهر التاريخ إسرافا واسعا في مظاهر الحياة والإنفاق يقترب من الخيال.
 
الاضطرابات
"
استطاع الرشيد أن يخرج من الأزمات التي ظهرت في عصره أكثر قوة ونفوذا وتأثيرا، وأضافت قوة شخصيته وثقافته وحكمته قدرة فائقة في إدارة الدولة وتصريف شؤونها 
"
ظهرت في عهد هارون الرشيد مجموعة من حركات التمرد الاجتماعية والسياسية والدينية، مثل ثورات مصر وشمال أفريقيا عام 793م التي امتدت إلى المدن والمراكز المهمة للدولة، مثل الفسطاط، وقامت ثورات في خراسان وفارس احتجاجا على القمع والشدة وانتقاما لمقتل عدد من القادة العباسيين مثل أبي مسلم الخراساني.
 
وظهرت أيضا حركات ومذاهب دينية تمزج بين الأديان والاحتجاج والدوافع والمصالح العرقية والإثنية، وكان الخوارج مشكلة مزمنة للدولة العباسية ومن قبلها الأموية.
 
واستطاع الرشيد أن يخرج من هذه الأزمات أكثر قوة ونفوذا وتأثيرا، وأضافت قوة شخصيته وثقافته وحكمته قدرة فائقة في إدارة الدولة وتصريف شؤونها ومعرفة الرجال، ولم يشغله اللهو إن كانت الروايات في ذلك صحيحة عن الغزو والإدارة والسهر والتعلم المتواصل.
 
الخلافة والمعضلة الكبرى
ولد للرشيد عدد كبير من الأبناء، اشتهر منهم الأمين ابن زبيدة، والمأمون، والمعتصم، وكانت الخلافة تشغل الدولة والقادة كثيرا، ويصحب انتقال السلطة ويعقبه كثير من النزاعات والمؤامرات والقتل غيلة أو بالسم.
 
وكان التنافس بين الأمين والمأمون على خلافة الرشيد حالة معقدة تتداخل فيها المزايا الشخصية لكليهما والعائلة الحاكمة والقادة المحيطون بها، ويبدو أن هارون الرشيد كان يميل إلى المأمون، ولكنه لم يقدر على الحسم لأن الأمين ابن زبيدة بنت عمه، والمأمون ابن جارية، وكانت العائلة الحاكمة أكثر ميلا إلى الأمين بالإضافة إلى نفوذ زبيدة الهائل على القصر والخليفة والدولة أيضا.
 
"
التنافس بين الأمين والمأمون على خلافة الرشيد كان حالة معقدة تتداخل فيها المزايا الشخصية لكليهما والعائلة الحاكمة والقادة المحيطون بها
"
ولحسم الخلاف والحيرة، فقد سافر هارون الرشيد إلى مكة عام 802هـ، وبرفقته الأمراء وعدد كبير من الشخصيات المهمة ورجال البلاط إضافة إلى يحيى البرمكي وولديه، والحاجب الكبير الفضل بن الربيع، وأعد المستشارون والقضاة وثيقة اعتلاء عرش الخلافة والالتزامات المترتبة على الأخوين الأميرين، وأقسم الأخوان بالله على وثيقة تنص على عقوبات شديدة وقاسية ضد كل من ينتهك هذه الوثيقة، من بينها تطليق النساء وعتق العبيد وإنفاق الأموال على الفقراء.
 
وعلقت الوثيقة بعد ذلك على جدار الكعبة، موضوعة في إطارات مذهبة ومطعمة بالعقيق والياقوت، وكانت تقضي بأن يلتزم الأمين باحترام حق الخلافة لأخيه المأمون من بعده، وفي الوقت نفسه يعترف بسلطته على خراسان أي كل الجزء الشرقي من الدولة، الأمر الذي يعني أن سلطات المأمون على هذه المناطق تتجاوز سلطات الوالي، وبذلك يتمتع المأمون بسلطات مطلقة على الجيش والمالية و الضرائب، والعشر وله الحق في التصرف بواردات الضرائب دون إرسالها إلى بغداد كما أن الإدارة والدفاع والبريد "المعلومات والاستخبارات والأمن والتنظيم الإداري والأمني للدولة" مرتبطة به مباشرة، والخليفة في بغداد ليس له الحق في محاسبته.
 
وبعد مرور ثلاث سنوات على إعلان الميثاق قرر الرشيد تعيين ولده الثالث القاسم ولي عهد ثالث، ومنحه السلطة على شمال وادي الرافدين و أقاليم جنوب الأناضول.
 
البرامكة
كانت عائلة البرامكة التي أحاطت بالمهدي والد هارون الرشيد تمثل حلقة واسعة من الوزراء والمستشارين والحاشية والأنصار، ويعتقد أنها تنتمي إلى مجموعة من كهنة البوذية وحكمائها، وقد اتسع نفوذها وتأثيرها في الدولة العباسية، وكانت الوزارة "المنصب الرئيس في الدولة بعد الخليفة" تنتقل وراثيا في عائلة البرامكة، ومن أهم وزرائهم: يحيى البرمكي، وجعفر بن يحيى، والفضل بن يحيى.
 
لكن هارون الرشيد بدأ يقلل من نفوذ البرامكة بعد وفاة والدته "الخيزران" وفي عام 802 هـ وبعد أدائه الحج، وكتابة وصيته المشهورة عاد إلى مدينته الأثيرة التي أحبها وهي "الرقة" ومعه أبناؤه وقادته وحاشيته ومنهم البرامكة، وبعد ليلة سمر رائقة في مخيمه في الرقة، وفي منتصف الليل تحرك رجال الأمن المحيطون بالرشيد، واعتقلوا كل رجال البرامكة وأنصارهم، وهم بالآلاف، وقتل جعفر البرمكي في تلك الليلة، وعلقت جثته على جسر في بغداد، وبقيت معلقة لمدة عامين، وبقي قادة البرامكة في السجن، وعذبوا وأهينوا، ومات كثير منهم في السجن، إلى أن آلت الخلافة إلى الأمين الذي أطلق سراح من بقي منهم، وهم نحو ألف شخص.
 
"
بدأ الرشيد يقلل من نفوذ البرامكة بعد وفاة والدته الخيزران، وفي عام 802 هـ وبعد أدائه الحج وكتابة وصيته المشهورة عاد إلى مدينة الرقة ومعه أبناؤه وقادته وحاشيته ليعتقل البرامكة ويقتل بعضهم 
"
وعاد أحفاد البرامكة مرة أخرى في عهد المأمون يترقون في الحياة السياسية والفكرية، ومنهم محمد بن يحيى والي البصرة، وعباس بن فهد والي خراسان، وموسى والي السند، وعمران ابنه والي السند من بعد أبيه، وكان منهم عبد الحسن من الشعراء والحكماء وكان مستشارا للخليفة المقتدر، ومن أحفادهم أيضا النسابة المشهور ابن خلكان، صاحب كتاب "وفيات الأعيان".
 
لقد خدمت عائلة البرامكة العباسيين على مدى ثلاثة أجيال، وما زالت قصتها موضع بحث وجدل وأساطير وحكايات.
 
الرشيد وملوك بيزنطة والفرنجة
التقت مصالح الفرنجة والعباسيين في مقاومة الأمويين في الأندلس الذين استطاعوا إقامة دولة مستقلة لم يستطع العباسيون الوصول إليها، وخاصة أن ملوك الفرنجة كانوا أيضا على عداء مع البيزنطيين خصوم العباسيين، وهكذا فقد نشأ تحالف عباسي – فرنسي في مواجهة البيزنطيين والأمويين.
 
وتطورت العلاقة بين هاورن الرشيد وشارلمان الملك الفرنسي حفيد شارل مارتل الذي انتصر على العرب في معركة بواتيه "بلاط الشهداء" ولكن شارلمان تلقى هزيمة كبيرة على يد العرب الأمويين في المنطقة إياها "جبال البرنس".
 
ومنح هارون الرشيد شارلمان لقب حامي قبر المسيح في القدس والولاية على المؤسسات الدينية المسيحية في الشرق الإسلامي التابع للدولة العباسية، كالتدريس والصيانة وتنظيم رحلات وقوافل الحج إليها.
 
وجرت بين الملكين مراسلات ودية، وأهدى الرشيد هدايا نادرة إلى شارلمان، ويقال إنه أرسل فيلا، وكان يبدو في نظر الفرنجة حيوانا أسطوريا لم يسبق لهم رؤيته، وقيل أيضا إنه أهدى إلى شارلمان ساعة جميلة ودقيقة الصنع، لدرجة أن حاشية شارلمان نصحوه بالتخلص منها لأنها نوع من السحر.
 
"
تطورت العلاقة بين هاورن الرشيد وشارلمان الملك الفرنسي حفيد شارل مارتل ليمنحه لقب حامي قبر المسيح في القدس، والولاية على المؤسسات الدينية المسيحية في الشرق الإسلامي التابع للدولة العباسية
"
وكانت العلاقة مع الإمبراطورية البيزنطية يغلب عليها الصراع والحروب، ولكن جرت مراسلات ومجاملات ومصالحات، ومنها المصالحة مع الإمبراطورة "إيرين" ولكن خليفتها نيغفور الذي كان وزيرا للمالية، وهو من أصل عربي، نقض المصالحة، وأرسل إلى هارون الرشيد رسالة شديدة اللهجة أدت إلى حرب ضروس هزم فيها الإمبراطور البيزنطي، فقد تحرك على الفور قاسم بن هارون الرشيد ووالي الشام في جيش لمحاربة الروم، ثم تبعه جيش بقيادة الرشيد نفسه، وفرضت على نيغفور معاهدة قاسية، وسقطت مدينة "هرقلة" بيد العرب.
 
الوفاة في خراسان
سافر هارون الرشيد إلى خراسان لمواجهة الاضطرابات والتمرد الذي قام فيها بقيادة الأموي رافع بن الليث، ولكنه كان في حالة صحية صعبة، حتى إن أبناء هارون الرشيد قد عينوا حول الرشيد من يراقب صحته استعدادا لما بعد الوفاة، وكان هارون مدركا لذلك، فكان يخفي أمر مرضه، وتوفي الرشيد في "مشهد" التي كانت تعرف بـ"طوس" في خراسان عام 809م.
 
وهكذا فقد أنشأ هارون الرشيد دولة غنية مزدهرة وقوية، لم يكن لها مثيل في ثرائها وقوتها وهيبتها، وأنشأت قاسما ثقافيا وتجاريا مشتركا بين شعوب العالم ودوله، وتقاليد في الدبلوماسية والحرب والثقافة والتعليم والإدارة وأنماط الحياة، وجعلت من الإسلام واللغة العربية وعاء عالميا تلتقي عليه الفنون والثقافة والتجارة والمهن والصناعات والعمارة والحرف.
 
وترك الرشيد في خزائنه أربعة آلاف رداء من الحرير المطرز بالذهب، ومثلها مطرزة بالفرو، وعشرات الآلاف من القمصان والعمامات والأردية والمناديل والأحزمة والأحذية، وما إلى ذلك من أردية الشرف والبروتوكول والصيد والمعيشة والسمر، وكان ذلك تقليدا ملوكيا يعبر عن هيبة الدولة وتقاليدها تتبعه الدول الكبيرة مثل فارس وبيزنطة.

المصدر : الجزيرة