عرض/ عاطف عبد الحميد
في صيف عام 1984 كان الهندوس في إقليم البنجاب على الحدود الباكستانية يوزعون الحلوى ابتهاجا بقيام الجيش الحكومي بتدمير المعبد الذهبي للسيخ والقضاء على الحركة الانفصالية التي سعت إلى سلخ دولة سيخية عن الجسد الهندي.
 
انقلبت الآية بعد أشهر قليلة وصار السيخ يوزعون الحلوى في الإقليم بعد أن تمكن اثنان من السيخ من الحرس الشخصي لرئيسة الوزراء أنديرا غاندي من تمزيق جسدها بالرصاص انتقاما لأحداث المعبد المقدس.
 
- الكتاب: قصة البنجاب
- المؤلف: مجموعة من المؤلفين
- عدد الصفحات: 231
- الطبعة: الثالثة 2005
- الناشر : رولي بوكسة، البنجاب
اشتعلت الهند، وانتقم الهندوس من السيخ، وفي العاصمة نيودلهي حيث تعيش الأقلية السيخية الثرية نهبت المتاجر وقتل الأطفال والنساء، أما الرجال فكانوا يساقون زمرا إلى محارق جماعية، وتم توقيف القطارات وانتزع السيخ منها للقتل والتنكيل.
 
هذه هي الخلفيات التراجيدية التي ينطلق منها الكتاب الذي بين أيدينا، ورغم صدوره الأول في أعقاب تلك الأحداث الدامية عام 1984، أعيدت طباعته في ذكرى مرور عقدين من الزمان على الفاجعة، ليعيد قراءة الأحداث ويجعل من البنجاب، ذلك المكان الإستراتيجي الذي تقطعت أوصاله بين الهند وباكستان، وطنا للاضطراب ومكانا يجوس الخوف بين جنباته.
 
سيخ وهندوس ومسلمون
"
تميز السيخ عن الهندوس بترك عبادة أصنام الآلهة الهندوسية إلى إله واحد لا شبيه له، وبجلسات الطعام الواسعة التي يجلس فيها الوضيع إلى جانب الشريف في ثورة على نظام الطبقات الهندوسي
"
من رحم الهندوسية خرجت العقيدة السيخية كحركة إصلاحية في مطلع القرن السادس عشر. وتعود كلمة السيخ إلى اسم الفلاحين الشيش Shishyas "وتعني الأتباع" الذين آمنوا بالمعلم "ناناك" ومن تلاه من المعلمين العشرة الذين تنتسب إليهم الديانة.
 
تمايز السيخ عن الهندوس بتراتيل جديدة بلغة بنجابية محلية، وبترك عبادة أصنام الآلهة الهندوسية إلى إله واحد لا شبيه له، وبجلسات الطعام الواسعة التي يجلس فيها الوضيع إلى جانب الشريف في ثورة على نظام الطبقات الهندوسي.
 
ومنذ أن بدأت تلك الطقوس وإلى الآن ينكر السيخ أن ديانتهم إصلاحا للهندوسية، كما ينكرون أنها استعارت أهم مبادئ الإسلام خاصة التوحيد وعدم تمييز الناس على أساس عرق أو لون.
 
مع المعلم السادس (1595-1644) أرسيت مبادئ الجندية والتسليح ووضعت قاعدة الاستشهاد في سبيل الدين، وبني عرش الإله الخالد في قلب المعبد الكبير في مدينة أمريتسار.
 
ويؤكد الكتاب أن التمايز الذي اتخذته الطائفة السيخية جاء بسبب النزاع مع المسلمين قبل أن يكون نزاعا مع الهندوس، فقد أعدم المعلم التاسع تيغ بهادور Tegh Bahadur لمقاومته نشر الحكام المسلمين دينهم في الإقليم.
 
أما المعلم العاشر والأخير غوبيند سينغ (1666-1708) فقد أضاف اللمسات النهائية على صياغة الطائفة السيخية بتنظيم حركة خالصا Khalsa التي تهدف إلى إقامة كيان مستقل يعيش فيه السيخ وحدهم وبسيادتهم وقوانينهم الدينية مستقلين عن الحكم الإسلامي للهند.
 
وتمكنت حركة خالصا من تكوين جيش شرس أوقع الهزيمة بجيش حكام دلهي المسلمين في مطلع القرن الثامن عشر، لكن ذلك لم يكن سوى معركة في حرب، سرعان ما سقطت حركة خالصا أمام جيش المسلمين وأعدم قادتها.
 
لم تزد الهزيمة المتحمسين السيخ إلا إصرارا على مقاومة الحكم الإسلامي وانضم إليهم مشايعون من الهندوس فانتظموا في تعاليم خالصا العسكرية، وأطلقوا لحاهم وشعورهم على الطريقة السيخية.
 
وتمكن السيخ في النهاية من إقامة مملكة لأول مرة، لكنها لم تعمر أكثر من خمسين سنة حين سقطت عام 1849، هذه المرة أمام الغزو البريطاني للهند.
 
ألاعيب الاستعمار
"
وجد البريطانيون السيخَ والهندوس وقد توحدوا في مقاومة المسلمين، وكانت الوحدة قادرة على تهديد سيطرتهم في غربي الهند، لذا عمد الإنجليز إلى التفرقة بينهم 
"
وجد البريطانيون السيخَ والهندوس وقد توحدوا في مقاومة المسلمين، كانت الوحدة قادرة على تهديد سيطرتهم في غربي الهند، لذا عمد الإنجليز إلى التفرقة بين الهندوس والسيخ.
 
وكانت الوسيلة الناجحة تمييز السيخ اقتصاديا عن الهندوس ومنحهم فرصا أكبر في الوظائف ومراتب في الجيش والإدارة، ومن ثم عادت بذور الحسد والغيرة تدب في نفوس الهندوس، ومعها عادت آمال الانفصال عن الهند تجري في دماء السيخ، وفي المقابل شجع الإنجليز الحركات الدينية الهندوسية التي جاءت إلى البنجاب لإعادة المرتدين الهندوس من السيخية.
 
استمرت أوضاع البنجاب في تأرجح بين طموحات السيخ وتوجس الهندوس وتلاعب الإنجليز حتى اكتسبت النزعة الانفصالية دفعة كبيرة عام 1920 حينما تشكلت حركة أكالي (أتباع الإله الخالد) السياسية، ثم قدم الإنجليز هدية جديدة للسيخ بتمييزهم عن المسلمين والهندوس بتخصيص مقاعد حجزت لهم في البرلمان والوظائف والجيش منذ العام 1925.
 
لم تدم الأوضاع طويلا، ففي العام 1947 تحقق استقلال الهند عن بريطانيا ولم يفقد السيخ مزاياهم التفضيلية فحسب، بل وتسبب انفصال باكستان عن الهند إلى شطر البنجاب بين الدولتين.
 
وكان السيخ قد تركوا في البنجاب الغربية الأرض الأكثر خصوبة والثروات التي أنفقوا العمر في تكوينها، بينما كان مسلمو البنجاب المعدمون الذين هاجروا من الشطر الهندي إلى الشطر الباكستاني قد تلقوا ثروة سقطت عليهم من السماء حينما حصلوا على أراضي السيخ الغنية.
 
"
استمرت أوضاع البنجاب في تأرجح بين طموحات السيخ وتوجس الهندوس وتلاعب الإنجليز حتى اكتسبت النزعة الانفصالية دفعة كبيرة عام 1920 حينما تشكلت حركة أكالي
"
مع تقسيم البنجاب تعرضت الوحدة الظاهرية التي جمعت الهندوس والسيخ أمام المسلمين قبل التقسيم لشرخ جديد، سببه هذه المرة الاختلال الديموغرافي، فنسبة السيخ في البنجاب الموحد قبل قيام باكستان لم تكن تزيد عن 13% من إجمالي سكان الإقليم وها هي نسبتهم ترتفع بعد أن هاجر المسلمون من البنجاب الشرقية إلى الغربية وأتى السيخ من الغربية إلى الشرقية لتصل إلى 60%.
 
تمكن السيخ بعد العام 1965 "حين رسمت ولاية البنجاب على أسس لغوية لتصبح ولاية ناطقة بالبنجابية وبأغلبية سيخية" من أن يرفعوا من تساؤلهم: لقد حصل الهندوس على هندوستان واقتنص المسلمون باكستان، لماذا نحرم من تشكيل سيخستان؟
 
الطريق إلى سيخستان
في الستينيات تمكن السيخ من تحويل البنجاب إلى نموذج فريد في الهند، فالإنتاج الزراعي تضاعف إلى ثلاث مرات، الفلاحون تدربوا على إدخال الميكنة الزراعية، الصناعات الغذائية في أوجها، شبكات الري والصرف في كل شبر من أرض الولاية، أما التحويلات المالية للسيخ المهاجرين إلى أوربا وأميركا الشمالية فقد تدفقت على الولاية لتزيد من انتعاشها.
 
هكذا حول السيخ ولايتهم إلى مكان من العالم المتقدم لا علاقة له بالتأخر الذي تعيشه باقي الولايات الهندية.
 
كان منطقيا أن تظهر البنجاب كأهم منطقة زراعية في الهند، فاقت إنتاجية هكتار القمح بها نظيرتها في الولايات المتحدة وروسيا وكندا وباكستان، وتخطت إنتاجية حقول الأرز فيها مثيلتها في الصين واليابان.
 
"
 ظهرت البنجاب كأهم منطقة زراعية في الهند، فقد فاقت إنتاجية هكتار القمح بها نظيرتها في الولايات المتحدة وروسيا وكندا وباكستان، وتخطت إنتاجية حقول الأرز فيها مثيلتها في الصين واليابان
"
وعلى المستوي القومي كانت تلك الولاية الصغيرة تقدم 56% من إجمالي إنتاج الهند من الأرز و63% من إجمالي إنتاجها من القمح، وفي مجمل صورتها كادت البنجاب –لولا قلة نظافتها– أن تحاكي ألمانيا الغربية.
 
أتت نتائج هذا الازدهار الاقتصادي متوقعة: مزيد من تدعيم الرغبة في الفكاك من سيطرة المركز، وتنامي الجهود لفصل النظام البنكي والمالي عن رقابة الدولة وربطه بالاستثمارات الغربية، والأهم تدشين مشاعر الانفصال.
 
هكذا كانت الصورة مهيأة للمطالبة باعتبار السيخ أمة مستقلة داخل الكيان الهندي، ورفعت مطالبات للحكومة المركزية بضم أراضي جديدة للبنجاب من ولايات مجاورة لوجود أقليات سيخية بها.
 
لم يتوقف الاستقواء السيخي عند هذا الحد، فحينما تعرضت البلاد لأزمة سياسية وأعلنت معها رئيسة الوزراء أنديرا غاندي حالة الطوارئ في يونيو/ حزيران 1975 لم تمتثل القوى السياسية البنجابية للوضع الأمني العام في البلاد واصطدمت بالحكومة بآلاف المتظاهرين الذين أودعوا السجون.
 
لم يكن ينقص هذا التميز السيخي سوى برميل من البارود، وهو ما فعلته الهند من دون قصد حين قامت عام 1960 بتسليح سكان المناطق الحدودية مع باكستان ومن بينها البنجاب، وهكذا صارت البنجاب مركزا للسلاح وصارت تجارته غير القانونية تدر أرباحا خيالية، فأصبح المناخ مناسبا للغاية لصعود جماعات مسلحة متطرفة في ولاية البنجاب –يتزعمها السيخي المتعصب بهندرانوال- للمطالبة بإقامة خالستان (سيخستان).
 
تمكن بهندرانوال من تجييش الشباب السيخي العاطل عن العمل، والمتحمسين من طلاب المدارس والجامعات، وقام هؤلاء باغتيال عديد من الشخصيات الهندوسية في البنجاب من سياسيين وموظفين حكوميين ومثقفين وصحفيين ومواطنين، كما قاموا بتدنيس عدة معابد هندوسية.
 
ولا ينسى الكتاب أن ينبه القارئ إلى أن هذه الجماعات المتطرفة كانت على صلة بباكستان وأن عناصر من المخابرات الباكستانية ولصوصا مأجورين وقتلة محترفين اندسوا بين الصفوف، كما لم ينس أن يؤكد أن بعضا من الأسلحة التي امتلكها هؤلاء جاءت من وراء الحدود مع باكستان.
 
"
لم يكن ينقص التميز السيخي سوى برميل من البارود، وهو ما فعلته الهند من دون قصد حين قامت عام 1960 بتسليح سكان المناطق الحدودية مع باكستان
"
وحينما بدا أن الحكومة الهندية تضيق الخناق على هذه المجموعة المتطرفة، تحصنت الأخيرة بأقدس معبد لدى السيخ وهو المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار عاصمة البنجاب، حيث تسلح المعتصمون بأحدث المعدات، ومن بينها الصواريخ المضادة للدبابات، وصار مؤكدا أن حربا حتمية ستشهدها الهند لأول مرة دون أن يكون المسلمون طرفا فيها.
 
ولا يفوت الكتاب أن يسرد آراء شعبية في البنجاب روجت أن الحكومة الهندية تركت هذه الجماعة المتطرفة تنمو وتقوى تحت أعينها "إن لم تكن قد ساهمت في استفحالها" حتى تجد الذريعة التي تقتحم بها البنجاب بجيش جرار ترعب به السيخ وتردعهم عن مطالب الانفصال.
 
كما لم يهمل تلك الآراء التي اعتبرت أن حزب "أكالي دال" السيخي المعارض لحكومة حزب المؤتمر الحاكم هو الذي دعم المتطرفين، وأن زعيم المتطرفين "بهندرانوال" ليس إلا فرانكشتين خلقته المعارضة السيخية لتخوف به الحزب الحاكم فانقلب عليها وحشا داميا زاحمها السيادة في الإقليم.
 
أيا كان العملاء والسادة، فقد اكتملت عملية بلوستار Bluestar العسكرية التي تمكنت بها دبابات الجيش الهندي المدعومة بالمروحيات من اقتحام المعبد الذهبي في يونيو/حزيران 1984 ليسقط أكثر من ألفي قتيل ومئات الجرحى من العسكريين والانفصاليين.
 
وحينما اختلطت الدماء بالحلوى المقدسة على الأرض المرمرية في المعبد الذهبي، تحولت أقدس بقعة لدى السيخ إلى ركام ورماد، وحرقت المكتبة التي تضم المخطوطات النادرة للمعلمين العشرة، ودمر أكال تحت "عرش الإله".
 
المستقبل المتوتر
"
التشاحن ما زال مستمرا بين الهندوس والسيخ، فالهندوس لا يرون في السيخ أكثر من "طائفة" بينما يصر السيخ على اعتبار أنفسهم "أمة"
"
لم تكد أحداث المعبد الذهبي تنتهي حتى شهدت الهند مزيدا من الاغتيالات وحمامات دماء بين الهندوس والسيخ حتى نهاية عام 1984.
 
وبعد أن هدأت الأمور، تجلى فصل جديد في تاريخ قصة البنجاب يكتب بحروف بارزة تقول إن الشرخ بين الهندوس والسيخ صار أكبر من أي وقت مضى، وإن الإصرار على التمايز والرغبة في الانفصال قد تخبو مع صفير الدبابات وهدير المروحيات، لكنها لن تموت.
 
لا مفر من أن نقر، يؤكد الكتاب، أن التشاحن ما زال مستمرا، فالهندوس لا يرون في السيخ أكثر من "طائفة" بينما يصر السيخ على اعتبار أنفسهم "أمة".
 
ومن ثم يصل الكتاب إلى مخرج وحيد حتى تندمل الجراح ويكتب الفصل الأخير في قصة البنجاب وهو الرضا بحلول الوسط.
 
على الهند إذن أن تمنح السيخ في البنجاب أقصى صلاحيات ممكنة في البناء الفدرالي، وبصفة خاصة عند المستويات الاقتصادية والإدارية.
 
وفي المقابل تبقى البنجاب ضمن بناء الدولة فتحفظ لمن يعيش فيها من الأقلية الهندوسية الدماء والمال، وسيساعد هذا في أن تعيش الأقلية السيخية الثرية خارج البنجاب في أمن وسكينة دون أطماع من الأغلبية الفقيرة.

المصدر : الجزيرة