عرض/نزار رمضان
يشكل الاهتمام الإسرائيلي بظاهرة الصحوة الإسلامية واشتقاقاتها وما نجم عنها من حركات جهادية حالة أمنية وسياسية وبحثية دائمة, حيث تسابقت مراكز الأبحاث الإسرائيلية في متابعة ودراسة هذه الظاهرة التي باتت تؤرق إسرائيل.

من هنا تبرز أهمية كتاب "القاعدة وعالمية إرهاب المنتحرين" الذي صدر عن مركز يافا للدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب، أهم وأبرز المراكز الإستراتيجية في إسرائيل، حيث يستعرض المؤلفان يورام شفيمتار وشيري غولدشتاين رؤيتهما بالتحليل المركز والمتأني ظاهرة العمليات الانتحارية التي باتت عالمية في عمقها وإستراتيجيتها كما يرى الرجلان.

ويشير الكتاب إلى أن نظرة أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة وأداءه قد تطور وتحول, فبعد أن كان أداة سياسية في يد طالبان تعمل في الإطار المحلي كوسيلة ناجعة لحل النزاعات, تحول تنظيم القاعدة إلى ظاهرة عالمية تؤرق العالم والدول الكبرى, حيث بات هذا التنظيم أشد فتكا وخطرا حسب المؤلفين, بل أصبح الموجه العالمي لهذه الظاهرة المرعبة التي يصعب التغلب عليها بسبب امتداداتها المعقدة في أكثر من بلد عالمي.

- الكتاب: القاعدة وعالمية إرهاب المنتحرين
- تأليف: يورام شفيمتار وشيري غولدشتاين.
- عدد الصفحات: 179
- الناشر: مركز يافا للدراسات الإستراتيجية، جامعة تل أبيب
- تاريخ النشر: 2005

الاستشهاد في سبيل الله
يرى الكتاب أن فكرة التضحية في سبيل الله كما يعرضها بنصها الحرفي, شكلت محورا أساسيا يلتف حوله أعضاء تنظيم القاعدة, هذا المحور الذي يعتبر ذا قيمة تنظيمية هامة يدفع نحو تماسك التنظيم وانتشاره داخل أوساط نشطاء القاعدة كمصدر جرثومي يستطيع أن يتناسخ بسرعة لامتناهية, مشيرين إلى أن هذه الظاهرة بدأت تأخذ عمقها المؤثر داخل صفوف الشباب العرب والمسلمين المأزومين سياسيا واجتماعيا, وتحويلهم إلى جنود أوفياء يربطهم رابط الدين والعقيدة والتجرد عن الدنيا.

وقد تمكن تنظيم القاعدة كما يعرض الكتاب من استغلال هذه الطبقة المعدمة وخاصة المتحمسين منهم ممن عملوا في إطار حركة الأفغان العرب إبان مواجهة الأفغانيين للاحتلال الروسي لأفغانستان.

"
غالبية "المنتحرين" حققوا أهدافهم بصورة فاعلة وزرعوا الرعب والخوف في العشرات من العواصم العالمية، مما أعطى لتنظيم القاعدة الثقة العالية بالنفس
"
جذور الإرهاب العالمي
يرى المؤلفان أن أسامة بن لادن بدأ عمله عام 1998م، في الوقت الذي سبقه في ذلك بسنوات حزب الله الشيعي الذي قام بعمليات مميزة ضد قوات المارينز والقوات الفرنسية في بيروت.

ورغم ذلك استطاع ابن لادن أن يجذر تنظيما دوليا وخلايا لوجستية في أكثر من دولة تعمل بسرية متناهية, حيث طالت العمليات الإرهابية -كما يسميها صاحبا الكتاب- 29 دولة موزعة على خمس قارات نفذت من قبل أكثر من 30 منظمة وشبكة عالمية متدينة وعلمانية على حد سواء.

وقد شارك في هذه العمليات منذ عام 1983م وحتى نهاية شهر مايو 2005 م نحو 1200 منفذ رجالا ونساء, القليل من هؤلاء لم ينجح في مهمته بسبب تعقبه من رجال الأمن أو وقوع أخطاء تقنية في اللحظات الأخيرة, لكن غالبية المنتحرين حققوا أهدافهم بصورة فاعلة وزرعوا الرعب والخوف في العشرات من العواصم العالمية.

ويرى الكتاب أن نجاح غالبية هذه العمليات في أكثر من موقع أعطى لتنظيم القاعدة الثقة العالية بالنفس, إضافة إلى الزيادة في الإقبال على الانتساب إلى صفوف التنظيم وخاصة داخل العالم العربي.

ويعرض الكاتبان رسما بيانيا يصوران فيه نسبة الإقبال على العمليات الانتحارية وعدد المنتحرين المنفذين في العالم ما بين سنوات 1983 وحتى 22 مايو من عام 2005م، فجاء على النحو الآتي:
* لبنان  50
* سريلانكا  247
* فلسطين 394
* تركيا 24
* القاعدة وشركاه 94
* الشيشان 103
* العراق 199

هذه الأعداد من المنفذين ليس جميعهم من تنظيم القاعدة، وإنما هم من تنظيمات مختلفة ساهمت في تفعيل النشاط الانتحاري العالمي.

ويرى المؤلفان أن هناك أبعادا سياسية لهذه العمليات, تظهر من خلال قراءة المنفذ لوصيته التي تصور بالفيديو أو تنشر عبر مواقع الإنترنت أو الصحف والمجلات, وكذلك من خلال إجراء مقابلات حية معه قبل تنفيذ العملية وذلك من أجل التأكيد على هدف العملية المبتغاة.

تضاف إلى هذا فلسفة التبجيل وضرورة الاهتمام بالمنفذ, وكأن آلية عرض وداع المنتحر هي بحد ذاتها دعوة لكل المعجبين من المراقبين أن يقدسوا هذا العمل، وأن يلتحقوا به من خلال البحث عن الخلايا المنظمة لهذا العمل كل في موقعه وبلده.

"
بن لادن كان يهدف من تجميع المجاهدين العرب إلى تأسيس قوة رادعة للغرب الذي يكره الإسلام ويحاربه, ولهذا كان يحرص على إعداد هؤلاء المجاهدين عقائديا وفكريا وتربويا وعسكريا
"
آلية عمل القاعدة
يعرض الكتاب جذور نشأة تنظيم القاعدة وآليات عمله محليا في أفغانستان حيث الوجود والنشأة، وعالميا من خلال تنفيذ العديد من العمليات التي توجت بتدمير برجي التجارة العالمي يوم 11 سبتمبر/أيلول عام 2001م.

ويشير إلى أن تنظيم القاعدة تأسس عام 1988 على يد أسامة بن لادن عقب الحرب الأفغانية، ومن خلال مكتب خدمات المجاهدين الذي أسس عام 1979 واستمر حتى عام 1989م وكان يتخذ من مدينة بيشاور الباكستانية مقرا له, حيث كان يتم استقبال المجاهدين العرب والمسلمين من جميع أنحاء العالم واستيعابهم من أجل المشاركة في قتال القوات الروسية في أفغانستان ودعم المجاهدين الأفغان.

وبعد انهيار الاحتلال الروسي وسيطرة الفصائل الأفغانية على كابول انتقل ابن لادن إلى داخل الأراضي الأفغانية وانتقل معه مكتب خدمات المجاهدين الذي كان يهدف من خلاله -كما يقول المؤلفان- إلى جمع شتات المجاهدين العرب والمسلمين من كافة الجنسيات وخاصة الذين شاركوا في الحرب الأفغانية، ليعاد ضمهم إلى معسكرات تدريب جديدة داخل الأراضي الأفغانية وخارجها.

ويذكر مؤلفا الكتاب أن بن لادن افتتح معسكرات تدريب في السودان عقب انقلاب عمر البشير، وسيطرة الجبهة القومية على السودان.

ويركزان على أن بن لادن كان يهدف من تجميع المجاهدين العرب إلى تأسيس قوة رادعة للغرب الذي يكره الإسلام ويحاربه, ولهذا كان يحرص على إعداد هؤلاء المجاهدين عقائديا وفكريا وتربويا وعسكريا لكي يكونوا نواة لدولة إسلامية عالمية تحكم بشريعة الإسلام.

واستغل هذا الجمع من المجاهدين ليشكل منهم نواة لتنظيم جديد أطلق عليه تنظيم القاعدة, ساعده في ذلك -كما يقول المؤلفان- الدكتور الطبيب أيمن الظواهري الذي كان يعيب على المسلمين سكوتهم وكان يعيب على الإسلاميين المعاصرين نهجهم التقليدي.. ولهذا أصبح ساعد بن لادن الأيمن.

بدأ تنظيم القاعدة ينشط في العديد من الدول العربية والإسلامية وخاصة شرق آسيا, وكان لتنقلات بن لادن خارج أفغانستان عقب نهاية الحرب الأثر الكبير في تكوين امتدادات لتنظيم القاعدة في أكثر من بلد إسلامي وعربي, ولعب ثراؤه المادي الدور الكبير في دعم مشاريع التنظيم الميدانية, حيث ولد أسامة في أحضان أسرة سعودية ثرية جدا، الأمر الذي مكنه من دعم مشاريعه السياسية والعسكرية إضافة إلى دعمه للعديد من المشاريع التنموية لعدد من الدول الإسلامية النامية كما يصف صاحبا الكتاب.

"
الإقبال على تنظيم القاعدة في تنام مستمر
من قبل الحركات والجماعات الإسلامية العسكرية الصغيرة التي تشعر أنها تزداد قوة بانضمامها للقاعدة
"
القاعدة والإعداد التنظيمي
يقول المؤلفان إن بن لادن بدأ في النصف الأول من سنوات التسعينيات في إعداد أعضاء التنظيم إعدادا لوجستيا عسكريا على الصعيد النظري, واستغل خبرات المقاتلين القدامى إضافة إلى إدخال طاقات وخبرات جديدة, تتقن فن تدريس وإعداد أعضاء التنظيم على استخدام أساليب وأدوات الحرب الخاطفة وحرب الاستنزاف, وابتكار طرق جديدة في الانتحار وضرب مصالح العدو بطريقة خاطفة وسريعة.

كما بدأ بن لادن في دعم الجماعات الإسلامية العسكرية المنتشرة في مصر وشمال أفريقيا وكذلك شرق آسيا, وبدأ تنظيم القاعدة يتبنى هذه الجماعات ماديا ولوجستيا, حتى تحولت وأصبحت سندا فاعلا لتنظيم القاعدة كل في موقعه ومكانه.

وقام تنظيم القاعدة بدعم وتنفيذ عدد من العمليات بالاشتراك مع جماعات إسلامية عسكرية أخرى, مثل عملية إطلاق النار على السياح الأميركيين في عدن سنة 1992م, والعمليات الهجومية ضد الجيش الأميركي في الصومال عام 1993 م، وعملية تفجير شاحنة أسفل برج التجارة العالمي عام 1993 م التي اعتقل على أثرها الشيخ عمر عبد الرحمن, كما قام بدعم عملية محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أثيوبيا عام 1995.

ويؤكد الكتاب أن تنظيم القاعدة بدأ عملياته المستقلة في شهر أغسطس من عام 1998م، بعد أن قرر أسامة بن لادن أن تنظيمه قد وصل إلى مرحلة النضوج التنفيذي مستندا إلى قاعدة تنظيمية إقليمية وعالمية تمكنه من التخطيط والتنفيذ بعيدا عن الأعداء.

ويتعرض لمراحل عمل تنظيم بن لادن، والذي مر بعدة مسميات ابتداء من مكتب خدمات المجاهدين عام 1988 م، ومرورا بالقاعدة عام 1998 م، والجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين عام 1998 م، وقاعدة الجهاد المكونة من تنظيمي القاعدة والجهاد الإسلامي المصري عام 2001 م, حيث نفذ خلال هذه الفترة سبع عمليات انتحارية.

ويرى صاحبا الكتاب أن عودة بن لادن إلى كابل عقب سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، شكلت المنطلق الأساس لتنظيمه الذي بدأ يجري اتصالاته بكل أريحية مع أنصار التنظيم من الحركات الأخرى وخاصة الجهاد المصري الذي كان يتصدره أيمن الظواهري, حيث بدأت أول علاقة بينهما في يونيو 2001 م، وانتهت باندماج التنظيمين بصورة رسمية تحت اسم قاعدة الجهاد, وبذلك أصبح الظواهري الرجل الثاني في قيادة التنظيم.

ويشيران إلى أنه عقب عودة المجاهدين العرب الذين أطلق عليهم "الأفغان العرب" إلى بلدانهم شكلوا من خلال صلاتهم المستمرة مع تنظيم القاعدة خلايا عسكرية في بلادهم, إضافة إلى الذين غادروا بلادهم واستقروا في بلدان غربية, حيث كون هؤلاء مجموعات تحت مسميات محلية, لكنها كانت على صلة بالقاعدة, مثل جماعة أبو سياف في الفلبين, وجماعة طيبة وجيش محمد وحركة الأنصار في الهند, والاتحاد الإسلامي في الصومال، وعصبة الأنصار في لبنان, وتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي.

وكان لهذه التنظيمات غير الهرمية صلة عامة ومباشرة مع التنظيم الرئيس في أفغانستان, وقد شكلت الشبكة الدولية للإنترنت أداة اتصال وبث لبيانات هذه التنظيمات ولغة اتصال مشفرة أحيانا, إضافة إلى حاضنة علنية للمعلومات وخاصة العسكرية المتعلقة ببث ونقل الخبرات والتقنيات اللوجستية المتعلقة بتصنيع المتفجرات والتوجيهات الأمنية, حيث باتت هذه التوجيهات محط أنظار كل المتحمسين للعمل الجهادي.

"
فلسفة الاستشهاد المبنية على التضحية بالنفس في سبيل الله تشكل قاعدة لشمولية تنظيمية يسهل الالتقاء عليها ومن أجلها
"
القاعدة والتنفيذات العسكرية
يرى المؤلفان أن النجاح في تفجير برجي التجارة العالمية يوم 11 سبتمبر/أيلول من قبل تنظيم القاعدة, دفع إلى تنمية الثقة المبنية على قناعة بالنجاح بين الجماهير الإسلامية العاطفية التي تكره أميركا وبين تنظيم القاعدة المنفذ.

وكان لهذه العملية المميزة الأثر الكبير في دعم العديد من تنظيمات القاعدة المنتشرة في العالم, وسبق أن نفذ التنظيم نفسه أو من خلال مجموعاته المنتشرة في العالم العديد من العمليات قبل وبعد عملية برجي التجارة.

فقد كان الهجوم على السفارة الأميركية في كينيا وتنزانيا، والهجوم على المدمرة الأميركية كول في اليمن، ومحاولة تنفيذ عملية في طائرة شركة أميركان إيرلاينس، والهجوم على فندق "برادايس" في مومباسا في كينيا، وكذلك عملية أبو سياف في جزر بالي عام 2002 م, وكذلك الهجوم على الكنيس اليهودي في جربا بتونس، والهجوم على أهداف يهودية وغربية في المغرب، والعمليات المتواصلة في السعودية, إضافة إلى عمليات متناثرة في تركيا, أضف إلى ذلك الهجوم على سكة حديد مدريد في إسبانيا وغيرها.

ويشير الكتاب إلى تنامي الإقبال على تنظيم القاعدة، من قبل الحركات والجماعات الإسلامية العسكرية الصغيرة التي تشعر أنها تزداد قوة بانضمامها للقاعدة، حيث أصبح بمقدورها تنفيذ العديد من العمليات في أي قارة كانت.

دوافع النجاح
يشعر الكاتبان من خلال تحليلهما الوصفي لتنظيم القاعدة أن فلسفة الاستشهاد المبنية على التضحية بالنفس في سبيل الله، تشكل قاعدة لشمولية تنظيمية يسهل الالتقاء عليها ومن أجلها.

كما يشيران إلى الانتشار التنظيمي العالمي للقاعدة, المرفق بالتوجيهات والدراسة والتدريب اللوجستي العالي والدعم المادي غير المنقطع, إضافة إلى التجنيد المستمر والنجاح في التعيينات القيادية, إضافة إلى القيادة الأم أسامة بن لادن الذي خطف بنجوميته عقول المعجبين, كل ذلك أدى إلى النجاح المميز.

ولا يرى المؤلفان غرابة عندما يؤكدان أن الهدف المطلوب في المعركة والذي شكل أداة نجاح للقاعدة هو إعلان الحرب على أميركا وحلفائها, فعنوان المعركة يستهوي الجيل الجديد المتحمس والمقبل على الدين, ولهذا يشعر الكاتبان أن هذه الأدوات والمتناقضات مجتمعة دفعت بنجاح تنظيم القاعدة والاستمرار في امتداد تنظيمي عبر العالم.

المصدر : الجزيرة