عرض/إبراهيم غرايبة
كيف يمكننا أفرادا ومجتمعات ودولا أن نفهم أنفسنا وحياتنا وفعالياتنا وعلاقاتنا؟ وما المحددات للرؤية والفهم في ضوء معتقداتنا السائدة؟

يقدم هذا صاحب الكتاب ريتشارد إي نيسيت
قواعد جديدة لرؤية نقدية بناءة لثقافة الغرب والشرق على حد سواء وصولا إلى تفاهم مشترك وفهم جديد، ويكشف عن تمايز أنماط التفكير وتباين قواعده وقوانينه، بفعل ثقافات هي حصاد تفاعل أيكولوجي بين الإنسان والمجتمع والبيئة، ويحاول الإجابة عن ملاحظات عديدة ذات دلالة، مثل تميز طلاب آسيا بالجبر والحساب دون الهندسة والتي تميز بها اليونانيون.

- الكتاب: جغرافية الفكر
- المؤلف: ريتشارد إي نيسيت
- المترجم: شوقي جلال
- عدد الصفحات: 245
- الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت
- تاريخ النشر: 2005

القياس المنطقي والطاوية
عاش الإغريق القدامى قدرا من الحرية والثقافة في حين عاش معاصروهم في ظل حكم فردي مطلق، حيث كانت إرادة الملك هي القانون، فكان الإغريق يتمتعون بالفعالية الشخصية، الإحساس بأنهم مسؤولون عن حياتهم، واقترن ذلك بالنزعة الفردية، أي أنهم أفراد متميزون لهم صفاتهم وأهدافهم كما في الأوديسة والإلياذة، مما أدى إلى إذكاء تراث الجدل.

فكانت القضايا الكبرى والمسائل العامة موضوع مناقشة دون سلطة علوية، وكان الفضول المعرفي هو الخاصية الفريدة التي تخدم البشر عندهم، وكانوا يقضون وقتهم في رواية الجديد أو الاستماع إليه.

التناغم هو المقابل الصيني عند الإغريق، فكل صيني هو عضو في جمع أو عدد من الجمعيات، العشيرة والقرية ثم الأسرة خاصة، ولم يكن الفرد وحدة لها كيانها وذاتيتها المتفردة وسط أوضاع اجتماعية، وهذا لا يعني أنهم كانوا لا حول لهم ولا قوة، وإنما كان لديهم حس بالفعالية الجمعية، والمنظومة الأخلاقية الكونفوشيوسية، التي تعبر عن الالتزامات المتبادلة بين الإمبراطور والرعية، وبين الآباء والأبناء والزوج والزوجة.

وتفوقت الحضارة الصينية على حضارة الإغريق ثقافيا، فهم أصحاب الاختراع الأول، وإنجازاتهم تعكس عبقرية الممارسة العملية، وليس الولع بالنظريات العلمية والبحث العلمي.

يعتبر المخطط في الفلسفة اليونانية (الإغريقية) أهم ما فيها، ويتمثل في النظر إلى الموضوع باستقلال باعتباره المحور الصحيح للانتباه والتحليل، وتعتبر الصفات قاعدة لتصنيف الموضوع، وتصبح الفئات التي يصنف إليها الموضوع قاعدة أو قانونا، وهم يفهمون الأحداث باعتبارها نتائج لسلوك الموضوعات وفقا للقواعد والقوانين.

وقد عني الإغريق بالعلاقات الإنسانية ولكن دون أن تكون لها الصدارة لديهم كما هي عند الصينيين، وكان الاعتقاد في الفلسفة اليونانية أن العالم سكوني غير متغير، وقد رأى أرسطو أن الأجرام السماوية لا تتحرك، وبالرغم من أن الأحداث تجري والحركة تقع إلا أن جوهر الأشياء عديم التغير.

أما التوجه الصيني إزاء الحياة فتشكل بفضل مزيج من ثلاث فلسفات مختلفة هي الطاوية والكونفوشيوسية، وبعد فترة طويلة البوذية، وأكدت كل من هذه الفلسفات على التناغم وأعاقت التأمل الفكري المجرد.

فالموقف الأساسي لدى الشرقيين إزاء الحياة هو أن العالم دائم التغير وزاخر بالمتناقضات، ولكي يفهموا وصفا يتطلب ذلك وجود النقيض، وما يبدو حقا ربما يكون نقيضا لما بدا في ظاهره أول الأمر، وعلامة الطاوية التي تعني الطريق أو السبيل للوجود مع الطبيعة والبشر، تتألف من قوتين متعارضتين (بيضاء وسوداء) فالتعاسة تناقضها السعادة.

وكان كونفوشيوس فيلسوفا أخلاقيا اهتم بالعلاقات الصحيحة بين الناس، مثل مبدأ الوسط الذهبي (عدم الإفراط في الشيء) وامتزجت الطاوية بالكونفوشيوسية التي تبنت التقدير العميق للتناقضات والتحولات في الحياة البشرية، والنظر إلى الأشياء باعتبارها كلا واحدا، ثم استوعب الصينيون الجوانب الملائمة من البوذية، واتفقت التوجهات الثلاثة بالاهتمام بالتناغم الهرموني والنظرة الكلية للأمور والتأثير المتبادل بين كل الأشياء في الوجود.

"
الغربي يتحدث عن الشخص باعتبار أن له صفات مستقلة عن الملابسات والظروف، ولكن أبناء شرق آسيا يرون الشخص ملزما بارتباطات ومحكوما بشروط وأوضاع وغير معزول بحدود
"
العيش معا أم الحياة فرادى
من المعقول لدى الغربي أن يتحدث عن شخص باعتبار أن له صفات مستقلة عن الملابسات والظروف، أو عن علاقات شخصية محدودة، أي أن هذه الذات هي عنصر فاعل حر ذو حدود ملزمة يمكن أن تنتقل من جماعة إلى أخرى ومن موقع إلى آخر، دون أن يطرأ عليها تغير مهم.

ولكن أبناء شرق آسيا يرون الشخص ملزما بارتباطات ومحكوما بشروط وأوضاع وغير معزول بحدود، فالشرقي يفهم نفسه في ضوء علاقته بالكل من مثل الأسرة أو المجتمع أو الطاوية، فيشارك المرء في مجموعة من العلاقات التي تيسر عليه العمل، والسلوك المستقل تماما غير ممكن.

وتوضح الحقائق الهوة النفسية الاجتماعية بين الشرق والغرب، فلا نجد في اللغة الصينية كلمة تدل على النزعة الفردية، وأقرب كلمة للدلالة عليها كلمة تعني الأنانية، فمثلا لا يستخدمون كلمة أنا التي تعني الذات المتعدية للموقف.

الاستقلال مقابل الاعتمادية المتبادلة 
يشجع الغربيون أبناءهم على الاستقلال منذ الصغر، ويطلبون منهم أعمالا ليعتمدوا على أنفسهم، كما يسألونهم دائما دون أن يحددوا اختياراتهم، بينما يتخذ الآسيويون القرارات عن أبنائهم معتقدين أن الأب يعرف أفضل من الابن ما هو خير له، ويؤكدون دائما على العلاقات مما يشجع الاهتمام بمشاعر الآخرين، ويبقى الغربيون مهيأين للمعايير الاستقلالية،
مع الاهتمام والتركيز على الموضوعات وتقديم معلومات عنها.

وقد يحيا الشخص في مجتمع مستقل فيسلك سلوكا مستقلا، وقد يحيا في مجتمع متكافل فيسلك سلوكا متكافلا. واليابانيون الذين عاشوا لفترة في الغرب يبدون زيادة ملحوظة في احترام الذات، وكلما كان البلد أبعد في الاتجاه غربا ازداد دعمه بعامة للقيم الاستقلالية.

والفوارق بين الثقافات الأوروبية منعكسة فيما خلفته من ثقافات فرعية لها في الولايات المتحدة، وتتضمن الثقافات الشرقية فوارق كبيرة تشتمل على جميع أنواع السلوكيات والقيم الاجتماعية المهمة، بعضها مرتبط بالاستقلالية والآخر بالتكافلية، ولكن يبقى شرق آسيا والغرب مختلفين في قيم محورية وصفات نفسية اجتماعية لها أهمية عظيمة.

"
لدى الغربيين نظرة تحليلية تركز على المواضيع البارزة وصفاتها، بينما لدى أبناء شرق آسيا نظرة كلية تركز على مظاهر الاتصال في الجوهر والعلاقات في البيئة
"
النظرة الكلية مقابل التحليل
تشير الشواهد الطبيعية والتاريخية والقصصية العلمية والمنهجية أن لدى الغربيين نظرة تحليلية تركز على المواضيع البارزة وصفاتها، بينما لدى أبناء شرق آسيا نظرة كلية تركز على مظاهر الاتصال في الجوهر والعلاقات في البيئة.

أما من حيث إدراك العالم فأبناء شرق آسيا والغربيون يدركون العالم على نحو مختلف، فالغربيون هم أبطال رواياتهم التي تحكي سيرتهم الذاتية بينما أبناء شرق آسيا هم مجرد ممثلين في أفلام تلمح إلى أساليب حياتهم، ويتصفون بأن لديهم نظرة أكثر كلية وشمولية للأحداث تضع في الاعتبار توجه الآخرين من الناس.

فقد رفض أحد الطلاب اليابانيين الالتحاق بفريق كرة قدم بعد وصوله إلى بلدة أميركية رغم أنه عاشق للعبة، خوفا من زملائه الذين يظلون واقفين ويحجبون عنه الرؤية، ففي اليابان يجب أن تتأكد أن ما تفعله لا يؤثر سلبا على راحة الآخرين، ولكن الطلاب الأميركيين غير مبالين بمن خلفهم من الناس على نحو يبدو نوعا من الغلظة.

وتكشف البحوث الاستقصائية أن أبناء شرق آسيا يشعرون بأنهم أقل من نظرائهم الغربيين في السيطرة والتحكم، وأنهم بدلا من محاولة التحكم في المواقف يلجؤون إلى محاولة توفيقها وملاءمتها، وشعور المرء بالتحكم ليس مهما عند الآسيويين بالقدر نفسه كما هو عند الأميركيين الذين يرون التحكم مرتبطا بالصحة العقلية.

بيان الأسباب شرقا وغربا
في عام 1991 وقعت جريمتان جماعيتان، إحداهما في الصين والأخرى في أميركا، الأولى قام بها طالب فيزياء صيني خسر جائزة تنافسية، وفشل على إثر ذلك في الحصول على وظيفة أكاديمية، فأطلق الرصاص على المشرف عليه وعلى عدد من زملائه وبعض من صادف وجودهم، أما الجريمة الأميركية فقد أقدم عامل بريد على إطلاق النار على رئيسه في العمل وعلى زملائه وعدد ممن صادف وجودهم ثم انتحر.

فسر الأميركيون الجريمتين بوجود الاستعدادات المفترضة لدى الجاني، وهي استعدادات راسخة لدى القاتل، ورأوا أن جرائم القتل ستقع دون اعتبار لاختلاف الظروف. أما الشعب الصيني فهو أميل إلى أن يعزو سبب السلوك إلى السياق الذي يراعي العوامل الموقفية لدى كل من الجريمتين، واعتقد الصينيون أن الجريمتين ما كان لهما أن تقعا في حالات كثيرة.

ويعزى سبب اختلاف الناس في أسباب السلوك إلى عوامل منها: شخصيتهم التي تهيئ الاستعداد المسبق للمرء لهذا السلوك وتوجهه بغض النظر عن الظروف، والموقف الذي يوجد فيه الناس، ثم الكيفية التي يسلكونها، ويحددها دائما اشتراكهما معا.

"
ثبت أن الأطفال يتعلمون الأسماء أسرع من الأفعال، يتعلم الطفل بمعدل اسمين في اليوم، إلا أن أطفال آسيا يتعلمون الأفعال بسرعة أكبر من الأسماء وهذا راجع إلى أن الأفعال أكثر وضوحا في لغات شرق آسيا
"
الفئات مقابل العلاقات
يصنف الغربيون المواضيع إلى فئات، ويجري أحيانا تعلم المقولات-الفئات عن طريق تطبيق القواعد على القسمات المميزة، ويميل أبناء شرق آسيا إلى الاهتمام بالعلاقات والفوارق بين المقولات والفئات وبين العلاقات، أي أن الفئات يشار إليها عادة بالأسماء.

وتعلم الأسماء بالنسبة للأطفال أيسر من الأفعال، فكل ما على الطفل أن يفعله ليعرف أن الحيوان الذي أمامه هو دب، ملاحظة قسماته (حجم ضخم مخالب كبيرة فرو كث...) ويمكن اختزان هذا الموضوع في ذاكرته تحت هذا الاسم وهذا الوصف، وبعد هذا يصبح ميسورا عليه تطبيقه على أي موضوع آخر.

لكن العلاقات تشتمل صراحة أو ضمنا على فعل، مثلا أن تعلم معنى فعل متعد يتضمن ملاحظة موضوعين ونوعا من النشاط، فالفعل (ترمي) تستخدم ذراعيك وقبضة يدك لنقل شيء في الهواء إلى موقع آخر، ومجرد الإشارة إلى الفعل لا يضمن لامرئ ما أن يعرف ما الذي يشار إليه.

وثبت أن الأطفال يتعلمون الأسماء أسرع من الأفعال، أي يتعلم الطفل بمعدل اسمين في اليوم، إلا أن أطفال آسيا يتعلمون الأفعال بسرعة أكبر من الأسماء، وهذا راجع إلى أن الأفعال أكثر وضوحا في لغات شرق آسيا، خصوصا أنها تأتي في أولى الجمل أو أواخرها، وكلاهما موقعان واضحان، كما أن سلوك الآباء الغربيين في تعليم أبنائهم يختلف عن الآسيويين، فالغربيون يركزون على الأسماء: مثلا (هذه سيارة) بينما الشرقيون يركزون على معايير الأدب (التعمق الوجداني والتحيات).

وتوجد مجالات كثيرة في الحياة يفكر فيها الشرق آسيويين والغربيون على نحو مختلف، فمثلا الطب في الغرب يلتزم نهجا تحليليا وموجها نحو الموضوع، وتدخليا مثل الكشف عن الجزء المسبب للمرض، ويعمل على إزالته وتغييره. ولكن الطب في شرق آسيا مغرق في النظرة الكلية، ولم يتجه إلى الجراحة لأن الصحة هي نتاج توازن بين قوى حميدة داخل الجسم، والمرض سببه تفاعل معقد بين القوى، وهو ما يتعين التصدي له بأدوية وتدخلات متساوية من حيث تعقده، وغالبية الأدوية من الأعشاب.

وهناك فوارق في مجالات كثيرة مثل القانون والجدل والعلم والخطابة والعقود والعلاقات الدولية وحقوق الإنسان والدين، وغيرها من المجالات.

"
عدم التعبير عن الرأي مؤشر على الفشل بالنسبة للغربيين، بينما الآسيويون يلجؤون إلى الكلام أو اللغة في حل مشكلاتهم، ويعتبرون أن إجبار الطلاب على التعبير بصوت عال قد يعطي نتيجة عكسية فيضر بالأداء
"
كيف يفكر الناس؟
في مطلع القرن العشرين اقتسم علماء النفس والفلاسفة العمل، فأخذ علماء النفس مهمة وصفية لاكتشاف كيف يفكر ويسلك الناس، وتولى الفلاسفة مهمة إرشادية ليقولوا للناس كيف يفكرون ويسلكون، ولو حرص الفلاسفة على الاهتمام بجهود علماء النفس لما وجدوا غير النزر اليسير الذي يحررهم من وهم قناعاتهم بشأن النزعة الكلية الشاملة.
   
يعني العنوان السابق الميل إلى افتراض أن سلوك شخص ما نتج عن سمات أو قدرات شخصية مع إهمال العوامل الموقفية أو التهوين منها، والآسيويون أقل عرضة من الأميركيين للوقوع في هذا الخطأ, ويصححون الخطأ حينما يتضح لهم الموقف.

وليس بوسع الناقد الأخذ بالأمرين معا، فإما أن يكون الغربيون على خطأ لأنهم يهملون تأثيرات الموقف، وإما أن يكون الشرق آسيويين على خطإ في تلك الحالات التي يضعون تأثيرات الموقف فيها بالاعتبار، والموقف المقبول في ضوء أن الأميركيين أميل للموضوعات فقط وإغفال السياق، فهم المخطئون والآسيويون هم المصيبون.

ويرى المعلمون الأميركيون أن على الطلاب في قاعة الدرس التعبير عن رأيهم بصوت عال، مما يساعدهم في فهم الدرس، وعدم التعبير عن الرأي يعتبر مؤشرا على الفشل، بينما الآسيويون يلجأون إلى الكلام أو اللغة في حل مشكلاتهم؛ وإجبار الطلاب على التعبير بصوت عال قد يعطي نتيجة عكسية فيضر بالأداء.

المصدر : الجزيرة