عرض/عاطف معتمد عبد الحميد
بعد ربع قرن من الصدامات الهندوسية الإسلامية التي أوقعت آلاف القتلى ومئات الآلاف من المشردين والجرحى وأتخمت المكتبات الهندية بأعمال تتابع تحليل المظاهر والدوافع، يبدو أن الوقت قد حان للبحث في المخزونات الثقافية لقيم التعايش بين الطرفين.

ويحاول هذا الكتاب الغوص في التقاليد المشتركة بين الديانتين استنادا إلى حقيقة أن الهند كانت الوطن الذي اخترع حكمة "عش ودع غيرك يعيش" و"تحمل الآخر كي يقبلك".
 
هكذا تبدو قضية الكتاب الأولى؛ نقد حالة الانفصال التي يعيشها كل من المسلمين والهندوس عن بعضهم بعضا، فالمشتركات الثقافية عميقة ومتنوعة، وهي تحتاج فقط لمن يفتش عنها.
 
بذور الفرقة ومكامن النزاع

- الكتاب: نحيا معا منفصلين: الهند الثقافية في التاريخ والسياسة
- المؤلف: مشيرول حسن وعاصم روي
- عدد الصفحات: 432
- الطبعة: الأولى أغسطس/آب 2005
- الناشر: أوكسفورد ينفيرستي برس

يستهل الكتاب أطروحته بالبحث عن الروافد التي غذت الخلافات الهندوسية-الإسلامية ويرجعها إلى أربعة عوامل:
 
الأول: الاحتلال البريطاني الذي هز استقرار التعايش بين الديانتين وحوّل التنافس المقبول بينهما إلى صدام وتناحر انتفع منه واستفاد من فرقة المتخاصمين.
 
الثاني: تنامي المطالب الثورية ذات الغطاء الديني، التي تطورت خلال النصف الأول من القرن العشرين وترجمت في انفصال المسلمين عن الهند في دولة باكستان، التي انقسمت فيما بعد إلى باكستان وبنغلاديش، وفى سبيل ذلك الانفصال أريقت دماء الأبرياء، وانتشرت مشاهد الدمار التي مازال يحكيها الآباء للأبناء إلى اليوم.
 
الثالث: صعود الحركة القومية الهندوسية ومطالبها بأحادية الوجود والسيطرة، وقد تبدلت سريعا لتصبح منذ ستينيات القرن العشرين ذات مشروع سياسي عدواني يهضم حقوق الأقليات.
 
الرابع: تفشي المفاهيم الطائفية في سبعينيات القرن العشرين أمام بزوغ متواضع للمفاهيم العلمانية التي تسعى لحماية حقوق الأقليات وسلام الأغلبية، ثم تحولت المفاهيم والشعارات إلى ممارسات، فخرجت الجماعات المسلحة الطائفية بصورة أسلمت معركة الأفكار لطلقات الرصاص.
 
وكانت هذه العوامل كما يؤكد الكتاب هي التي أوصلت الهند في مطلع التسعينيات إلى حالة "العار القومي" حينما وقع الهجوم العربيد للهندوس على المسجد البابري في أيودهيا، وتدميره في وقت اكتفت فيه الأمة الهندوسية بمتابعة ما يجرى في خزي وذهول.
 
إن ما جرى ليس أقل من صفعة لمفهوم التحمل والتسامح الذي افتخرت به الهند عبر التاريخ، والبطل هنا كان حزب الشعب الهندوسي بأفكاره القومية المتطرفة.
 
حزب الشعب الهندوسي
"
الاحتلال البريطاني الذي هز استقرار التعايش بين المسلمين والهندوس في الهند حوّل التنافس المقبول بينهما إلى صدام وتناحر انتفع منه واستفاد   
"
عبر عقود متتالية منذ الاستقلال وتقسيم الهند وانفصال المسلمين في دولتي باكستان وبنغلاديش، وضع قادة حزب الشعب الهندوسي أعينهم على أدمغة وقلوب الناشئة، وتمكن الحزب من إنشاء 20.000 مدرسة غذى فيها أدمغة الطلاب بأحادية الرؤية والتعصب للقومية الهندوسية وتمجيد الذات وتحقير الآخر المختلف عقديا.
 
وأصر الحزب على اعتبار كل شيء هندي بمثابة معلم هندوسي الأصل والديانة، وروج لتابعيه أن الأقليات الدينية الدخيلة على لحمة الأمة الهندية "المسلمين والمسيحيين" غرباء متطفلون استغلاليون دفعتهم الأطماع السياسية ومغريات الهند الاقتصادية.
 
وهكذا أنجبت تلك المدارس اليوم ملايين الأطفال واليافعين المملوئين كراهية تجاه الأقليات غير الهندوسية.
 
ويقر الكتاب بأن جهودا موازية لكتاب هنود لاتزال تكافح لتفند أكاذيب الأحادية الثقافية وتقف في طريق المتطرفين والغلاة، معتبرا أن 4000 مجموعة أنثروبولجية غير هندوسية لها من الثقافة والتاريخ ما جعلها تتعايش في هذا الوطن وتنتمي إليه دون مزايدة.
 
وبعد أن وقعت مذابح "غوجارات" بين الهندوس والمسلمين في عام 2002 بدا أن القومية الهندوسية في أشد عافيتها، وأن البناء العلماني الذي يحكم الهند يتعرض لضربة قاصمة.
 
هكذا تدخل الهند الألفية الثالثة في حالة من الاضطراب والقلق، تخضع لاختبار صعب يقيس درجة تعايش ثقافاتها المختلفة، بل ويقرر مدى بقائها كبناء ديمقراطي فدرالي.
 
الإسلام الشعبي في الهند
"
عبر عقود متتالية  وضع قادة حزب الشعب الهندوسي أعينهم على أدمغة  الناشئة، وتمكنوا من تغذيتهم بأحادية الرؤية والتعصب للقومية الهندوسية وتحقير الآخر المختلف عقديا
"
في محاولة للبحث في الجذور الثقافية لفكر التعايش بين الديانتين، ينقب الكتاب عن مظاهر التواصل بين الطقوس العبادية للإسلام والهندوسية، فيستعين الكتاب بأحدث مسح أنثروبولوجي في الهند تقول نتائجه إن الهندوس والمسلمين يشتركون معا في 95% من الملامح الثقافية، وهو ما لا يجعل هناك من دليل لمن يحاول التمييز بينهما باعتبار هذا أصيل وذاك دخيل.
 
ويتفق الكتاب مع ذلك التمييز الذي يجريه الباحثون العلمانيون في الشؤون الإسلامية فيفرقون بين إسلام النخبة وإسلام الجماهير، ليس فقط للتمييز بين تفاصيل المعتقدات، وإنما من حيث تباين الممارسات والطقوس، وهو تمييز يمضي على خط موازٍ لتفرقة الكتاب بين ما يقرأه المسلمون في "النص المقدس" وما يمارسونه في حياتهم بالفعل.
 
هكذا يحاول الكتاب أن يتلمس طريقا يصل به إلى أن هناك مساحة واسعة من المشترك الثقافي بين الهندوسية والإسلام، وهو لا يرى في الديانتين طقوسا براغماتية فحسب، بل يعتبر أن الإسلام الشعبي محاولة حوّر بها ذلك الدين نفسه ليتعايش ويقبل الآخر الذي وفد إليه، بعد أن اضطر لأن يتحرر من الأفكار الرصينة التي تركها خلفه في شبه الجزيرة العربية.
 
لم يكن ينقص الإسلام الشعبي في الهند ليصبح مشابها للهندوسية الشعبية سوى قلة الأعياد والاحتفالات الدينية، بل إن الأعياد الإسلامية مقارنة بنظيرتها الهندوسية تبدو وقورة أكثر مما ينبغي إن لم تكن كئيبة بالفعل!
 
ومرة ثانية يعود الكتاب ليقرر أن هناك من الطقوس الوثنية التي تسللت إلى الإسلام نتيجة عملية التحول غير الناضجة من الهندوسية إلى الإسلام لدى عديد من الهنود الذين اعتنقوا الإسلام إبان الحكم الإسلامي للهند وخاصة في العصور الوسطى.
 
فعندما قبل الهندوس الإسلام لم يقبلوه وهم يحملون أوعية عقدية فارغة، بل قبلوا من الإسلام بعضا وأبقوا على بعض من الهندوسية، وكانت النتيجة إسلام نصف هندوسي!
 
وقد لعب هؤلاء "أنصاف المسلمين" دور المبشرين في المجتمع الإسلامي بالهند على مدى القرون الثلاثة الماضية وأثروا على المسلمين "كاملي الديانة" وساهموا في تحوير سلوكياتهم لتصل إلى مرحلة "مهجنة" تسمى بالإسلام الشعبي.
 
المشكلة في قراءة المعلومات السابقة أنها لا تصلح سوى لقارئ يتابع أخبار الهند الثقافية عبر المحيط، فحينما نختبر المعلومات التي يقدمها هذا الكتاب خلال زيارتنا للمساجد والمزارات والمعابد في الهند "على الأقل في كل من مومباي ودلهي وأغرا كمعاينة شخصية" نكتشف أن ما يقوله الكتاب ينطبق على حالة بعينها وهي مزارات الصوفية.
 
فهنا عند أضرحة "الأولياء" لا نكاد نشعر بفرق ملموس في الطقوس والممارسات عما نجده على سبيل المثال في معابد الهندوسية. غير أن ذلك لا ينسحب على باقي الممارسات الإسلامية وبصفة خاصة لدى تيارها السني.
 
الخبرة المباشرة بالحياة في الهند تضع ما يطرحه الكتاب عن مفهوم الإسلام "الشعبي أو الجماهيري" موضع نقد وتحفظ، خاصة حينما يختزل الكتاب مساحات واسعة من التيارات الإسلامية ويضمها معا إلى الإسلام الشعبي، وهي تيارات لا تتشابه طقوس ممارستها التعبدية مع أطروحات الكتاب حول مشتركات الطقوس بين الهندوسية والإسلام، وفي ظني أنها موجهة لقارئ يعيش خارج الهند وليس لذلك الذي يعيش بين زحمة مدنها وأزقة قراها.
 
الصدام المسلح 
"
الخبرة المباشرة بالحياة في الهند تضع ما يطرحه الكتاب عن مفهوم الإسلام "الشعبي" موضع نقد وتحفظ، خاصة حينما يختزل مساحات واسعة من التيارات الإسلامية ويضمها معا إلى الإسلام الشعبي
"
في تنويع درامي، ينتقل بنا الكتاب من تعايش الهندوسية الشعبية والإسلام الجماهيري إلى جذور العداء بين المسلمين والهندوس، ويرى الكتاب أن القضاء على ذلك العداء رهن بالقضاء على الموروثات التالية:
 
- ترويج المتشددين الهندوس لمزاعم انتشار الإسلام تاريخيا في الهند بالسيف وإحلال المساجد محل المعابد وإغراء الهندوس بمطامع مالية وإدارية إذا ما اعتنقوا الإسلام.
 
- العامل الخارجي الذي يهمه انشغال الهند والممثل في التدخل الباكستاني ليس فقط في كشمير على المناطق الحدودية بل وفى قلب المدن الهندية.
 
- الحوادث المتكررة لتعاطف الشرطة الهندية مع الهندوس في صداماتهم مع المسلمين، مما يعطى قوة دفع وعامل تأمين للهندوس ويفتت في ذات الوقت الوحدة الوطنية للشعب الهندي.
 
- اللعبة السياسية القذرة التي تجعل بعض الأحزاب الهندوسية تستغل الاحتكاك الهندوسي-الإسلامي لصالحها، هذا إذا لم تكن بعض الأطراف السياسية تشعل الفتيل لتحقيق الشهرة والانتشار، بل إن الكتاب يقرر أن بعضا من هذه الأحزاب لديه مجوعات إجرامية منظمة "تحت الطلب" جاهزة لإشعال الاضطرابات.
 
- مزايدة بعض الأحزاب السياسية على قيم العلمانية واتهام النظام الحاكم بتدليل الأقلية الإسلامية.
 
- النفاق الإعلامي، بتغطية أحداث العنف بين المسلمين والهندوس بتعاطف واضح مع الأغلبية الهندوسية التي تشتري الصحف وتشاهد التلفاز وتوجه إليها إعلانات التسوق والاستهلاك.
 
"أجمر" مدينة كل الأديان
"
من الموروثات القديمة التي تذكي العداء بين المسلمين والهندوس ترويج مزاعم انتشار الإسلام تاريخيا في الهند بالسيف وإحلال المساجد محل المعابد 
"
مرة أخرى يصعد بنا الكتاب إلى قمة التل، فيصور لنا الفردوس المفقود في التعايش بين الديانتين في قبور الأولياء وأضرحة الصوفية.
 
صحيح أنه يعطي بعض الأسطر التي يثبت فيها رفض التيار السني لطقوس الأضرحة المشتبهة مع الطقوس الهندوسية، بل ورفض بعض فرق الصوفية لما يجري في الأضرحة وعلى عتباتها، لكنه يغمرنا بقصص ونماذج يستجدي منها منابع التوافق بين الديانتين.
 
ويجد الكتاب ضالته في مدينة أجمر Ajmer في قلب ولاية راجستان في غربي الهند، ففي هذه المدينة مساجد ومعابد ومزارات لكافة الملل: إسلامية وهندوسية، مسيحية وسيخية، زرادشتية وبوذية.
 
ورغم كل هذا التنوع فإن المدينة لم تشهد عبر الألف سنة الماضية أي صدامات بين الأديان، ويبدو أن ذلك التنوع هو سر التعايش، فالمدينة تعرف مزيجا من الأديان أكثر مما تعرف ثنائية هندوسية-إسلامية.
 
مدينة أجمر هي موطن لأشهر قبر لشيخ مسلم في كل آسيا الجنوبية، وفيها يرقد منذ أواخر القرن السادس عشر رفات الخواجة معين الدين الششتي الفارسي الأصل الذي يأتي لزيارته مئات الألوف من كافة أنحاء العالم ومن كافة الأديان طمعا في كراماته، حاملين معهم مؤونة الأسابيع الطويلة من الخبز الجاف، أملا في الخلاص من شقاء الدنيا عند قبره المقدس، بل إن نسبة الهندوس تفوق 60% من إجمالي الزائرين أو "الحجاج" حسب التعبير المحلي.
 
وفي أجمر يصدمنا الكتاب بمعلومات ميدانية، ربما دعما لفكرة التزاوج بين الأديان، عن مزارات نصف إسلامية ونصف هندوسية تمارس فيها طقوس شاذة ليس آخرها الجنس الجماعي!
 
ومرة أخرى يعود ليضرب لنا أمثلة على تشابه التقاليد والمعتقدات بين الهندوس والمسلمين في هذه المدينة التي يكاد يسميها "مدينة الأديان" من خلال تشابه الأساطير والأغنيات التي تجمع بين الفلاحين والفقراء في ريف المدينة، وكذلك عديد من مشتركات طقوس الزواج والميلاد وبناء البيوت الجديدة، أو الاشتراك في حرف وصناعات مشتركة لا تميز بين دين وآخر.
 
"
رغم احتواء مدينة "أجمر" على مساجد ومعابد ومزارات لكافة الملل، إسلامية وهندوسية، مسيحية وسيخية، زرادشتية وبوذية، فإنها لم تشهد خلال الألف سنة الماضية أي صدامات بين الأديان
"
مثال آخر للتعايش يضربه الكتاب بقبر الشيخ مسعود في مدينة أوده في ولاية أوتار براديش.
 
وحكاية الشيخ مسعود الأسطورية تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي. البطل فيها شاب مسلم يقتل يوم زفافه بعد أن قاد معركة للدفاع عن أبقار القرية التي حاول الحاكم المسلم أن ينتزعها ليذبحها.
 
يصور الكتاب مقتل مسعود -الذي أنقذ الأبقار المقدسة من الذبح- بمقتل الحسين الذي يبقى في ذاكرة الناس قرنا بعد قرن رمزا للفداء والتضحية، وإلهاما لروح المقاومة، ومنبعا هذه المرة، لضرورة التلاحم الهندوسي-الإسلامي في مواجهة الظلم.
 
عشرات الأمثلة التي يمكن أن نجدها بين دفتي الكتاب عن قادة ورموز التعايش سواء في الوعي المبكر للمشروع الفكري لأبي الكلام آزاد وضرورة استحضاره في الهند اليوم، أو في الثقافة الإسلامية المستنيرة لمحمد إقبال التي تعوز الشعب الهندي اليوم مسلما كان أو هندوسيا.
 
لكن تلك الأمثلة على روعتها قد لا تكون بالضرورة كفيلة لمواجهة ثقافة التشدد التي تغذيها عوامل اقتصادية وعقائدية واجتماعية، وهى عوامل أقوى من أن تصمد أمامها أساطير وحكايات، أو حتى نفحات قبور الأولياء.
 
إن كتاب "نحيا معا منفصلين" محاولة لرسم مسار جديد في الثقافة المطبوعة في الهند اليوم، ثقافة ترجع إلى القرون الماضية فتأتي بنماذج التعايش والإخاء أملا في حقن الدماء وطمعا في أن تقف أمام طوفان التشدد والغلو أيا كان مصدره، وهو كتاب قد لا توافق على حججه، أو تعجبك نظرته المتفائلة لواقع قلق متوتر، لكنه في كل حال جدير بالتأمل والمراجعة.

المصدر : الجزيرة