عرض/إبراهيم غرايبة
يحوي هذا الكتاب ثماني محاضرات ألقيت في كلية ولفنستون حول "البحر والتاريخ" وتتناول العلاقة بين الإنسان والبحر في الماضي والحاضر، وأركيولوجيا البحار، والتاريخ، والأدب والفن والاقتصاد، والقانون البحري في العلوم الاجتماعية، وجيولوجيا السواحل وعلوم المحيطات، وبناء السفن، وتشييد الموانئ، وأعمال البحار وتقنياتها.
 
البحر المتوسط
- الكتاب: البحر والتاريخ: تحديات الطبيعة واستجابات البشر
- المؤلف: مجموعة من المؤلفين
- تحرير: إ.إ. رايس
- ترجمة: عاطف أحمد
- عدد الصفحات: 243
- الطبعة: الأولى، 2005
- الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت
يمثل البحر المتوسط قلب الحضارة القديمة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبرغم ذلك فإن الدراسات حوله قليلة، وهو أكبر بحر داخل اليابسة، حيث تبلغ مساحته 2.96 مليون كلم2، ويبلغ حجمه 2.24 مليون كلم3، وأحواضه الرئيسة تساوي في عمقها أعماق المحيطات، فيصل عمقه إلى 2700 م.
 
ويتبخر من سطح البحر حوالي 2500 مليون م3 سنويا، يعوض منها المحيط الأطلسي 71%، وتعوض الأنهار 25%، والباقي يأتي من البحر الأسود، وتوازن نسبة الملوحة فيه بتيارات تحت السطح تدفع بالمياه المالحة في قاعه إلى المحيط وتجتذب تيارات سطحية المياه الأقل ملوحة، وهذا يحميه من التحول إلى بحر فائق الملوحة.
 
وقد شهد البحر المتوسط حركة ملاحة مكثفة منذ فجر التاريخ، وكانت تجوبه السفن التي تصل حمولتها إلى 400 طن محملة بالسلع المختلفة من المصادر المختلفة وعلى نحو يؤشر على حركة تجارة مزدهرة.
 
وكان البحر المتوسط أيضا ميدانا للحروب والنقل العسكري بين أجزاء الإمبراطوريات والدول على ضفافه، ومن أهمها عبر التاريخ، الفينيقيون والرومان والعرب، فنشأت الأساطيل والقواعد البحرية، وعلى هامش هذا الحراك التجاري والإستراتيجي نشأت حركات القراصنة والتمرد، التي كانت تمتد وتنحسر حسب قوة الدول وهيمنتها البحرية والبرية.
 
رهبة البحر لدى البشر
"
يتحدث التراث المصري عن البحر ومن ذلك ما نجده في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد عن قدوم الآلهة الكنعانية عشتروت إلى مصر ودورها كوسيط بين الإله تاسوع والبحر
"
يقول الشاعر اليوناني أركيبوس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، "كم هو رائع أن ترقبي البحر من البر، ولكن إياك والإبحار في السفن".
 
وتقل السجلات القديمة في مصر عن الكتابات الأسطورية المتعلقة على نحو واضح بالبحر، ولا يبدو ذلك باعثا على الاستغراب، فعلى الرغم من أن صعيد مصر -حيث أرسيت أسس الدين- لم يكن منعزلا تماما عن العالم الخارجي، فقد كانت المناطق الآهلة بالسكان تقع على ضفاف النيل وتحيط بها الصحراء من الجانبين، وكان البحر متواريا عن الأنظار.
 
ومن التراث المصري عن البحر ما نجده في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد عن قدوم الآلهة الكنعانية عشتروت إلى مصر ودورها كوسيط بين الإله تاسوع والبحر، وقد أغرم البحر بعشتروت، وهناك قصة أخرى عن بحار نجا وحده بعد أن تحطمت سفينة في البحر الأحمر وهلك جميع بحارتها المائة والعشرين.
 
وتتحدث الأساطير البابلية العراقية عن صراع بين عناصر الطبيعة، الماء والريح، والتي يدير كل واحد منهما إله، فيحركان العواصف والرعود والأمواج والسحب، وفي التوراة أحاديث عن صراع إله البحر "يام" وإله كنعان "إيل وبعل".
 
وتظهر الثقافات القديمة خوفا ورهبة من البحر وعدم الثقة به، والقلق من قوته التدميرية المجهولة والتي يصعب التنبؤ بها أو تقديرها، وبالطبع فإن تقنيات بناء السفن والملاحة البحرية والصيد والاستكشاف تعبر عن الخوف الإيجابي من البحر.
 
"
تتحدث الأساطير البابلية العراقية عن صراع بين عناصر الطبيعة، الماء والريح، والتي يدير كل واحد منهما إله يحرك العواصف والرعود والأمواج والسحب
"
وقد استطاعت مصر بسط سيطرتها على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط واقتباس التقنيات الكنعانية والفينيقية في المجال البحري بل ومعتقداتهم أيضا، وامتد تأثير البحر إلى حضارة ما بين النهرين مع امتداد التجارة الدولية إلى الغرب والشرق، فخرجت السفن العراقية من الخليج العربي إلى المحيط الهندي، ووصلت أيضا إلى البحر المتوسط.
 
وعندما بدأ العبرانيون يتعاملون مع البحر امتدت إليه أيضا المعتقدات الفينيقية والكنعانية، وحدث صراع بين إلههم "يهوه" وبين "يا"م الإله الفينيقي وعصبته من وحوش البحر.
 
لقد شكل البحر عاملا قاهرا وطاغيا في إدراك الإنسان القديم وخبرته، وظلت تحيط به مخاوف أساسية لا يمكن فهمها أو السيطرة عليها، وكانت هذه المخاوف أساس المعتقدات والمغامرات البحرية، والواقع أنه كلما كان هناك ارتباط مباشر وملموس لشعب ما بالبحر زاد الإدراك السلبي لقوته.
 
ففي الجانب الإيجابي المقابل للسلبية نجد الخبرة العملية لأولئك الذين عاشوا بجوار البحر وقريبا منه، وهم يعيشون في ظل منافعه، الغذاء الوفير والمواد الخام والصناعات والأمن والتجارة، وتقنيات بناء السفن والتعدين، وكثير من التقنيات التي كان البحر وراءها، وتظهر السجلات القديمة قدرات ومغامرات للإنسان في البحر لمسافات بعيدة تجسد أنبل صفاته.
 
التحدي والاستجابة
"
ثمة شروط عديدة تحدد استجابة الإنسان للارتفاع والانخفاض في مستوى البحر منها رغبته في أن يقيم قريبا من الموارد القابلة للاستغلال
"
كيف استجابت البشرية على مدى التاريخ للضغوط والكوارث وأيضا للمزايا التي ترتبت على التغيرات في مستوى سطح البحر؟ تشير الدلائل الميدانية إلى أن ثمة مواقع أثرية تنتمي إلى عصور مختلفة تمتد بين 2000 و50.000 سنة ما زالت موجودة على الرصيف القاري تحت المياه مما يعني أنها قد شهدت عمليات غمر وانحسار، فمستوى اليابسة والبحر يشهد تغيرا بطيئا أحيانا وسريعا أحيانا أخرى.
 
وقد وجد البشر أنه من المفيد استغلال الموارد البحرية من أجل الطعام، وأن يعبروا في البحر إلى مسافات قريبة أو بعيدة لأغراض الاستيطان والتجارة والصيد، وقامت على ذلك دول وحضارات ومدن وصناعات.
 
لماذا يبقى الناس بجوار الساحل برغم اعتداءات البحر على اليابسة؟ وما هي القيمة المتأصلة لديهم الناشئة عن بقائهم على الساحل في كل العصور؟
 
ثمة شروط عديدة تحدد استجابة الإنسان للارتفاع والانخفاض في مستوى البحر منها: رغبته في أن يقيم قريبا من الموارد القابلة للاستغلال، والرخاء الاقتصادي، والقدرة التكنولوجية، والخوف من القرصنة، ففي ظل أوضاع معينة يمكن للجماعة الساحلية أن تبذل أقصى ما في وسعها لمقاومة أي دمار قد يحدثه ارتفاع مستوى البحر، وفي أوضاع أخرى قد نجد أن الموانئ والمدن الكبرى يمكن أن تهجر ويتشتت السكان.
 
الموارد البحرية
"
تشكل البحار والمحيطات ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، بالإضافة إلى أنها تحوي من الموارد والمنتجات الصالحة ما يفوق كل ما فوق سطح القارات جميعا وما تحته أيضا
"
يهتم البشر بالطبيعة كمصدر للطعام والدواء والمأوى ومواد البناء والمعادن لكي يوفروا احتياجات مجتمعاتهم التي تطمح إلى تحسين مستوى المعيشة فيها، وحينما لا تستطيع اليابسة أن توفر تلك الاحتياجات فإنهم يتوجهون إلى البحار.
 
وتتعدد الموارد لتشمل الموارد الحية وغير الحية، والمعادن التي تستخرج من الرقائق الصخرية البحرية وما تحتها بالإضافة إلى الموارد غير الملموسة، فحيثما توجد منتجات في البحر فإنه يمكن أن تكون مفيدة.
 
وتشكل البحار والمحيطات ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، بالإضافة إلى أنها في عمقها الذي يصل إلى 11 كلم وإمكانية الحفر في قاعها إلى عمق كيلومترين تشكل مصدرا للموارد والمنتجات الصالحة يفوق سطح القارات جميعا وما تحته أيضا.
 
ومن أهم الموارد بالطبع السمك والحيتان واستخدامها في الغذاء وفي بعض الصناعات وعلى نطاق واسع منذ قديم الزمان، وفي الصين استخدمت الطحالب والأعشاب البحرية للغذاء والدواء.
وكان الإسفنج يستخرج من قاع البحر منذ القدم، وازدهرت تجارته كثيرا كما يشير الأدب اليوناني قبل العصر المسيحي وبعده بالطبع، وكان يستخدم للتنظيف وتبطين خوذات الجنود، ولتنقية المياه.
 
واستخرج اللؤلؤ لأغراض الزينة في الخليج العربي منذ أكثر من ألفي سنة، وكان معروفا في سيريلانكا منذ العام 550 ق.م على الأقل لأن هذا التاريخ يشير إلى قدرتنا على المعرفة، وقد تكون معرفتنا لا تحيط بالبداية، ففي كتاب الفيدا الهندي ما يشير إلى اللؤلؤ منذ العام 1500 ق.م.
 
"
يشكل البحر مصدرا هائلا للموارد غير الملموسة أو المتوقعة، فالأمواج والمد والجزر يمكن أن تكون مصدرا مهما للطاقة، كما يمكن الاستفادة من التدرج الحراري لمياه البحار
"
لقد تطورت صناعة صيد السمك والحيتان مع اختراع الآلة البخارية، واستخدام الرصد الصوتي لتحديد مواقع الأسماك وأسرابها وأنواعها، وتطوير نوعية الشباك وأجهزة نقل الحركة، فالشبكة اليوم تنشر مع تقنيات الطفو والنقل والحركة على مسافة تصل إلى 100 كلم، وساهمت الثلاجات في تطوير تخزين السمك وبقائه في البحر بعد صيده لمدة طويلة، لكن هذه التقنيات أدت إلى كوارث بالثروة البحرية وبالحياة التقليدية لمجتمعات الصيد.
 
والبحر مصدر مهم لموارد أخرى غير حية مثل الملح والمعادن، فقد كانت مناجم الملح البحرية واحدة من أهم مصادر العالم الضرورية للتزود بهذه المادة التي لا يمكن الاستغناء عنها، ويستخدم البحر أيضا مصدرا للماء العذب بعد تحليته، وتحتوي الأرصفة القارية الممتدة تجاه البحر على كثير من الرواسب المعدنية، ومعادن كثيرة كالقصدير والفضة والذهب، وهي تستخرج اليوم لأغراض تجارية بطرق عدة.
 
وتمد الحمم البركانية في قاع البحار والمحيطات العالمَ بالزنك والكوبالت والنحاس والحديد والفضة والذهب والمعادن الأخرى، ويجري اليوم بالفعل في بريطانيا والبرازيل والخليج العربي استخراج النفط والغاز من اليابسة تحت سطح البحر وفي أعماقه البعيدة.
 
ويشكل البحر مصدرا هائلا للموارد غير الملموسة أو المتوقعة، فالأمواج والمد والجزر يمكن أن تكون مصدرا مهما للطاقة، ويمكن الاستفادة من التدرج الحراري لمياه البحار، وأن تكون المياه المستخرجة من الأعماق مصدرا للمواد الغذائية والسماد لمزارع الطحالب.
 
السفينة: حاملة البضائع والناس والأفكار
ربما يصبح دور البحر في نقل الأفكار في العصور الغابرة ملموسا من خلال الآثار والطقوس أو المبتكرات التكنولوجية، والأدلة المتوافرة تشير إلى استخدام القوارب في الألف الثامن قبل الميلاد، وقد تطورت عبر الزمان صناعة القوارب والسفن والأشرعة وتقنيات الملاحة للاستدلال على الأعماق والجهات وقياس وتحديد الزوايا.
 
"
تعد الحروب الصليبية مثالا على المغامرة لدرجة الوسواس، وهو ما مثله التطور الاستكشافي والتكنولوجي الذي قادته أوروبا الغربية في نهاية العصور الوسطى
"
وتعبر ملحمة الأوديسا المشهورة في التراث اليوناني والعالمي عن روح المغامرة والاكتشاف عبر البحر والسفن والنقل البحري والشعور الإنساني بأنه تاج الخليقة، وأن عليه أن يمتلك العالم وثرواته.
 
وتعد الحروب الصليبية مثالا على المغامرة لدرجة الوسواس بحثا عن جزيرة الأحلام، ثم كان التطور الاستكشافي والتكنولوجي الذي قادته أوروبا الغربية في نهاية العصور الوسطى والذي أنشأ أفقا جديدا من أجل مستقبل وعالم أفضل أو أسوأ، لا ندري.
 
ويمثل الإنجليز نموذجا للبحارة والدولة البحرية، وعلاقتهم بالبحر علاقة انفعالية واجتماعية؛ لكن الانفعالية والاجتماعية لم تدخلا الحياة الإنجليزية إلا مؤخرا، بعد أن ظلت الحقائق الجغرافية تعمل طويلا كي تجعل إنجلترا على ما هي عليه وتسمح بالتالي للانفعالية والاجتماعية بأن تلعبا دورهما، ذلك أن إنجلترا تتمتع بميزات جغرافية استتثنائية في علاقاتها بكل البلدان القريبة والبعيدة على سواء، حيث سعت إلى استثمار وضعها البحري الملائم كي تمد سلسلة قواعدها في المناطق القريبة والبعيدة.
 
وقد ظهر الأسطول البريطاني في البحر المتوسط أثناء فترة كومنولث كرومويل، ولعل أحد أهم العناصر المميزة لعلاقة الإنجليز بالبحر أن العمل في البحر قد نشأ لديهم بطريقة عضوية طبيعية وليس مصطنعة، وقد بنى هنري الثاني سفنا حربية، وكذلك فعلت إليزابيث الأولى وشارل الأول...
 
على أنه يمكن القول إن تعظم آثار السلام العالمي البريطاني كان ذلك الذي حدث داخل الوطن وليس خارجه، حيث اتخذ شكلا اجتماعيا وثقافيا بدلا من أن يكون عسكريا أو تجاريا، فبريطانيا القرن التاسع عشر قد أصيبت بجنون البحر، فبالإضافة إلى ملابس البحارة يمضي التأثير الثقافي إلى مدى أبعد في الأدب المكتوب وفنون الرسم والموسيقى إضافة إلى أدب الأطفال والشعر.

المصدر : الجزيرة