عرض/شيرين يونس
يلقي هذا الكتاب الضوء على مستقبل العالم من خلال تصور شكل الحياة في ظل تكهنات تؤكد أن إنتاج العالم من النفط سيأخذ في التراجع خلال السنوات القليلة القادمة، خاصة أن بدائل الطاقة لن تكفي لضمان البقاء.

-الكتاب: انتهت الحفلة.. سراب النفط.. النفط ومصير المجتمعات الصناعية
- المؤلف: ريتشارد هاينبرغ
- المترجم: أنطوان عبد الله
-عدد الصفحات: 382 
- الناشر: الدار العربية للنشر
-الطبعة: 2005

يتحدث الكاتب في الفصل الأول عن العلاقة ما بين الطاقة والمجتمع والطبيعة، قائلا "إنه على الرغم من أن كمية الطاقة المتوفرة لاستخدامنا محدودة، فإنها ساعدت في نشوء المجتمعات الصناعية الحديثة".

ورغم أن الطاقة تعتبر من أكثر العوامل التي تحدد سعة استيعاب أي مجتمع، إلا أن الإنسان من خلال تطوير خمس طرق هي "السيطرة، واستخدام الأدوات، والتخصص، وتوسيع المجال، وأخيرا الاستنزاف" سعى للحصول على الطاقة التي وسعت من استيعاب البشر.

لكنه في سبيل ذلك حرم العديد من الكائنات الحية الأخرى من قدرة البيئة على استيعابها، ومارس سيطرته على بشر آخرين، بالإضافة إلى استنزاف مصادر الطاقة الطبيعية التي لا يمكن تجديدها مثل الفحم و النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم.

وأرجع الكاتب قصة النجاح الأميركي، إلى ثروات أميركا من موارد الطاقة، وقدرة شعبها على استغلال هذه الموارد، مما جعلها في نهاية الحرب العالمية الثانية الدولة الأقوى في العالم، ولكن بحلول منتصف القرن العشرين بدأ إنتاجها من النفط يقل، فبدأت في البحث عن موارد طاقة أكبر في مناطق أخرى.

في نفس الوقت استمرت في تطوير قدرتها العسكرية لإحكام سيطرتها على العالم، ووضعت كذلك قوانين التجارة الحرة العالمية التي تحولت إلى قواعد في الهيئات الدولية، والتي أكدت أن من يملك المال لشراء هذه الموارد له حق الدفاع عنها قانونيا.

"
ارتكز اقتصاد الطاقة في العصور الوسطى بالمجمل على الخشب والماء والهواء إضافة إلى قوة الإنسان والحيوان العضلية
"

وقت الاحتفال
في الفصل الثاني، يتعقب الكاتب قصة الوقود الأحفورى، وكيف أنه أمن للجنس البشري مصدرا وفيرا ورخيصا للطاقة، وساعد المجتمعات في تحقيق نقلة نوعية كبيرة.

فقد ارتكز اقتصاد الطاقة في العصور الوسطي في المجمل على الخشب والماء والهواء إضافة إلى قوة الإنسان والحيوان العضلية، في الحصول على الطاقة، ولكن مع استنزاف مصدر الوقود الأساسي لهم وهو الغابات نتيجة لكثرة قطع الأشجار، بدأت عمليات الاستكشاف والاستعمار لمناطق أخرى، مما أتاح استخدام أنواع جديدة من الوقود.

كانت البداية للفحم، الذي ظل الوقود الرئيسي حتى بداية القرن العشرين، حيث دخل في العديد من الصناعات، مثل صناعة الحديد، والفولاذ، والزجاج والآجر والقرميد والملح، وكذلك الصناعات الكيميائية كالغاز الصناعي، وساهم في سلسلة من الاختراعات الميكانيكية غيرت الحياة الاقتصادية في أوروبا.

كما ظهر البترول ولكنه ظل حتى بداية القرن العشرين يستخدم كمصدر للوقود وخاصة الكيروسين، كما استخدم الغاز الطبيعي كبديل أنظف وأرخص سعرا، وكذلك الكهرباء التي شغلت الترمات الكهربائية، واستخدمت في الإنارة، وتشغيل المصانع ثم وصلت إلى المنازل.

وسرعان ما أصبح البترول هو المصدر الرئيسي للطاقة خلال القرن العشرين، حيث أثر في كل قطاعات الحياة، بدءا من الزراعة التي زاد إنتاجها بعد استخدام الجرارات والمعدات الزراعية الآلية الأخرى، واختراع المبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب الضارة.

"
سرعان ما أصبح البترول هو المصدر الرئيسي للطاقة خلال القرن العشرين، حيث أثر في كل قطاعات الحياة، بدءا من الزراعة التي زاد إنتاجها
"
كما حدثت العديد من التبعات الاقتصادية والاجتماعية، كتنامي صناعة الإعلان، ودين المستهلك، وأنظمة التمويل، وأسواق البورصة وأنظمة البنوك ومنظمات العمل الوطنية، وتنمية قطاع السياحة نتيجة لظهور السيارة والطائرة.

وتقررت حصيلة الحرب العالمية الأولى بسبب النفط، وأصبحت الحروب أكثر فتكا خلال هذا القرن، كما خاضت كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي حربا بالوكالة للسيطرة على مصادر الطاقة ومناطق التأثير، خاصة بعد انخفاض إنتاج الولايات المتحدة من النفط بدءا من عام 1970.

لكن تلا ذلك العديد من التغييرات العالمية، مثل أزمة 1973، و حظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، ثم حرب الخليج الأولى 1979، مما رفع أسعار النفط أضعافا، ولكنها بدأت في الهبوط بدءا من 1982.

ثم جاءت حرب الخليج الثانية، وانهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، فقامت الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية عام 1993 بإحكام سيطرتها على أسعار النفط العالمية، كما استخدمت البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات التابعة لتأمين مصادر النفط في البلدان غير المنضمة لمنظمة أوبك.

وكان لهذا الطمع والتأثير السياسي من جانب شركات النفط والإستراتيجيين الجيوسياسيين الأميركيين، تبعاته الجسيمة على شكل أحداث 11 سبتمبر.

"
 التناقص في إنتاج البترول سيبدأ قبل عام 2010، وعدم إقرار عشرات الحكومات بتناقص احتياطيها من النفط ربما يأتي لتحسين مكانتها السياسية وفرصها في الحصول على قروض
"

انطفاء الأنوار
هل سيصل إنتاج النفط بالفعل خلال السنوات القليلة القادمة لذروة إنتاجه نظرا لطبيعته غير المتجددة؟

في هذا الفصل يجيب الكاتب على هذا السؤال من خلال عرضه لاتجاهين من الآراء:

الأول يتبناه الجيولوجيون وعلماء البيئة، والذين أطلق عليهم الكاتب "المتشائمين" وعلى رأسهم كينغ هوبيرت، وكولين جي كامبيل، ويرون أن الموارد محدودة، وأن حقبة الوقود المستخرج من الأرض ستكون قصيرة جدا.

وقد أكد هوبيرت حاجة المجتمع إلى التغيير ليتأقلم مع فترة ما بعد سيطرة البترول، ورأى أنه من الضروري التخلي عن النظام المالي المرتكز على الفائدة والديون، كما تبنى نظاما للمحاسبة، يرتكز على المادة والطاقة، بالإضافة إلى ضرورة العمل على تطوير تقنيات الحصول على الطاقة الشمسية.

ورأى كامبيل، أن التناقص في الإنتاج سيبدأ قبل عام 2010، مشيرا إلى أن عدم إقرار عشرات الحكومات بتناقص احتياطيها من النفط ربما يأتي لتحسين مكانتها السياسية وفرصها في الحصول على قروض.

بينما على جانب آخر كان الفريق الثاني من نقاد هوبيرت الذين جاؤوا من الاقتصاديين يؤكدون أن هناك نفطا بكميات وفيرة، وعلى رأسهم بيتر هوبر، وجورن لومبورغ، ومايكل سي، ولينتش.

فبيتر هوبر يرى أنه بقدر ما نستخرج من وقود ونحرق، ما تزداد قدرتنا على الاستخراج. بينما اعتبر جورن لومبورغ أن قدرتنا على الاكتشاف واستثمار الموارد في تحسن مستمر، وبالتالي فهناك آبار لم نكتشفها بعد.

واتفق الكاتب مع فريق المتشائمين، حيث يرى أن عدم سماع هذه الآراء من قبل قادتنا راجع إلى أن الإقرار بهذه الحقيقة، سيجعلهم مكرهين على بذل مساع نظامية لتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتشجيع التطور السريع لتقنيات الطاقة البديلة، وعدم التشجيع على استهلاك مصادر الطاقة غير المتجددة وإيجاد طرق لتحديد النسل.

"
من المتوقع أن تنفد احتياطات الغاز الطبيعي قبل النفط، بينما تعاني الطاقة النووية من المواد شديدة السمية التي تنتجها، بالإضافة إلى التكلفة الباهظة لإنشاء المفاعلات النووية
"

أيمكن للحفلة أن تستمر؟
يناقش الكاتب في الفصل الرابع مجموعة من المصادر المتجددة وغير المتجددة، ليوضح مدى قدرة هذه المصادر على تمكين المدنية الصناعية من الاستمرار إذا ما انتهى النفط، ولكن هذه المصادر سواء أكانت غير متجددة أو متجددة تعاني من العديد من السلبيات.

فمن المتوقع أن تنفد احتياطات الغاز الطبيعي قبل النفط، بينما تعانى الطاقة النووية من المواد شديدة السمية التي تنتجها، بالإضافة إلى التكلفة الباهظة لإنشاء المفاعلات النووية، وكذلك الفحم الذي يدمر البيئة نتيجة لأعمال التنجيم والانبعاثات الناتجة عن حرقه.

أما على نطاق المصادر المتجددة، فيتطلب تخزين الطاقة الشمسية استخدام بطاريات مكلفة اقتصاديا، وكذلك الهيدروجين الذي لا توجود له خزانات أرضية، ويعتبر مجرد حامل للطاقة.

بينما يحتاج إنشاء سدود الكهرباء المائية إلى قروض ضخمة وفي نفس الوقت عادة ما تدمر وتخرب الينابيع وتجف الشلالات وتتداخل بالحياة المائية.

كما أن طاقة الحرارة الجوفية تحتاج إلى أن تكون قريبة من الينابيع الحارة أو فوهات البراكين، بينما تقتصر طاقة المد والجزر والأمواج على أماكن محدودة في العالم.

ويعتبر استخدام الكتلة الإحيائية كالأخشاب والروث الحيواني ملوثا للبيئة، كما لا يوجد إلا عدد قليل من معامل الوقود الإحيائي.

هذا بالإضافة إلى أن استخدام إحدى هذه الوسائل المولدة للكهرباء واستبدالها بالطاقة الكهربائية المولدة حاليا من النفط، يحتاج إلى بنية تحتية مكلفة اقتصاديا وماليا.

وهو ما جعل الكاتب يختتم هذا الفصل بالقول بأنه لا شيء من البدائل الطاقية المتوفرة الآن لديه الإمكانية لتدعيم المستويات العليا للبني والعمليات في مدينتنا الحالية.

"
من المتوقع أن يعاد استخدام القوة العضلية البشرية، كما سيشهد الاقتصاد انخفاضا حادا في الطلب على البضائع والخدمات، ومن ثم على المال، لهذا ستزداد البطالة والإفلاسات
"

مأدبة التبعات
في هذا الفصل، يضع الكاتب مجموعة من التأملات حول آثار تناقص الطاقة الصافية خلال العقود القليلة القادمة على كل أشكال الحياة.

فعلى مستوى الاقتصاد، من المتوقع أن يعاد استخدام القوة العضلية البشرية، كما سيشهد الاقتصاد انخفاضا حادا في الطلب على البضائع والخدمات، ومن ثم على المال، لهذا ستزداد البطالة والإفلاسات وفشل البنوك واحتباس الرهونات، كما سيصيب الغلاء كل شيء مفيد.

ويؤكد الكاتب أن أول من سيشعر بذلك هم الفقراء، نظرا لسعي الدول الغنية لامتلاك مصادر الطاقة من الدول الفقيرة إما بالخداع المالي أو بالاحتلال العسكري.

أما على نطاق النقل، فسيتم تصنيع سيارات تعمل بطاقة الغازولين والكهرباء الهجين، ولكن في النهاية سيتم إنتاج سيارات بعدد أقل، لذا ستتوقف أعمال بناء الطرقات.

كما سيتطلب استخدام الهيدروجين كوقود بديل للطائرات النفاثة إعادة تصميم محرك الطائرة، مما سيزيد من تكلفة الترحال جوا، ونتيجة لذلك ستضعف السياحة.

وستتعرض الزراعة للكثير من التبعات الناتجة عن ارتفاع الأسعار الكبير والسريع للغازولين والمازوت المستخدم لتشغيل الآلات الزراعية، أو لإنتاج الأسمدة ومبيدات الحشرات والقوارض.

فيما سترتفع أسعار الخدمات المعتمدة على الغاز الطبيعي كالطهي وتسخين المياه، كما ستحتاج أنظمة التغذية في المدن إلى تكييف أوضاعها نظرا للتكلفة العالية لأنظمة التبريد.

وستصبح البيئة عرضة للعديد من مصادر التلوث، مثل الغازات المنبعثة من الوقود الأحفوري كالفحم والأخشاب، وكذلك من استخدام الطاقة النووية.

وستتعرض صناعة الأدوية لصعوبات لاحتياجها إلى الطاقة بمعدلات كبيرة، كما يؤكد الكاتب أن الصراعات ستكون أكثر دموية في العقود القادمة نتيجة لندرة مصادر الطاقة، وستزيد فرص اندلاع الحروب الأهلية في البلدان الضعيفة اقتصاديا و التي تمتلك مصادر قيمة وكثيرة من النفط والغاز الطبيعي والماس.

"
يجب إنشاء وتنفيذ بدائل متجددة لموارد الطاقة، وتشجيع الحكومات على ذلك، وإجراء إصلاحات وتعديلات على النظام المالي الحالي
"

خطط وتوصيات
في هذا الفصل يحاول الكاتب أن يضع مجموعة من التوصيات لتقليل المعاناة الإنسانية فيما تتجه الحفلة نحو نهايتها.

فعلى مستوى الفرد، أوصى بضرورة البدء بتقليل الاستخدام غير الضروري للطاقة، عن طريق اختيار الأجهزة المقتصدة للطاقة، وإعادة استخدام المواد المصنعة، بالإضافة إلى التنازل عن السيارة أو استخدام سيارات تتطلب تكلفة من الطاقة أقل.

وعلى مستوى المجتمع، حث على ضرورة الاهتمام بالزراعة المحلية، لتعزيز الاقتصاد المحلى ولضمان الحصول على طعام صحي بسعر مناسب، وكذلك تشجيع ودعم المشاريع المحلية.

وأكد ضرورة تشكيل جماعات القدرة على البقاء، التي تقوم بدراسات تستخدم مؤشرات الأثر المتعلق بعلم البيئة، وخططا لتحسين الصحة البيئية للمجتمع ولتوزيع أكثر عدلا للموارد.

كذلك الاقتداء بالمجتمعات المتعمدة، وهى مجتمعات بناها مثاليون لتجريب وإثبات أساليب بديلة لأسلوب الحياة الذي نعيشه، مثل فايندهورن فاونديشن في أسكتلندا، و ميترانيكيتان في الهند.

وعلى نطاق الأمة، يجب إنشاء وتنفيذ بدائل متجددة لموارد الطاقة، وتشجيع الحكومات على ذلك، وضرورة إجراء إصلاحات وتعديلات على النظام المالي الحالي، المعتمد على الدين والفائد وإجراء إصلاح ضريبي يعتمد على التوزيع الأرضي لتصغير تفاوتات الثروة وتخفيف التلوث.

كذلك إيقاف الهجرة، من خلال توقف الدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية عن استنزاف موارد البلدان الفقيرة، ونشر الديمقراطية واستصلاح الأراضي في البلدان الأقل استهلاكا للطاقة.

وعقد اتفاقيات على مستوي عالمي على غرار اتفاق كيوتو، تعزز الجهود العالمية الساعية لتقليل انبعاثات الغازات الدافئة وتقدم العون المادي القابل للتجديد.

المصدر : الجزيرة