عرض/كامبريدج
الأسئلة التي تطرحها وتحاول معالجتها البحوث الواردة في هذا الكتاب في غاية الأهمية وتأتي في التوقيت المناسب, إذ تدور حول قضايا الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا.
 
ولئن كانت هذه القضايا تتزايد إلحاحا مع ازدياد حجم الوجود الإسلامي في الغرب, فإن اتساع نطاق التطرف الإسلامي في أوساط هذه الجاليات, والتفجيرات التي تعرضت لها القطارات في العاصمة البريطانية لندن مؤخراً, وتلك التي سبق أن تعرضت لها العاصمة الإسبانية قبل سنتين، لمما يضع هذه الجاليات تحت الضوء ويضاعف من إلحاح فهم أوضاعها ومشكلاتها.
 

- الكتاب: المهاجرون العرب والشرق أوسطيون في أوروبا
- المؤلفان: أحمد الشاهي وريتشارد لولس
- عدد الصفحات: 296 صفحة
- الناشر: راوتليدج - لندن
- الطبعة: 2005

المشاركون في الكتاب ذوو خلفيات وخبرات أكاديمية متنوعة, سياسية, اجتماعية, أنثربولوجية, ثقافية, ويناقش كل منهم حالة دراسية خاصة في أوروبا، في فرنسا وبريطانيا واليونان وألمانيا وهولندا وهكذا.
 
وتبعاً لتنوع خلفيات المشاركين واتساع عدد الدول التي يشملها البحث فإننا أمام كتاب يتضمن أفكارا ثرية تهتم بمسألة التنوع الثقافي في هذه البلدان وموقع المسلمين منه, ومشكلات الاغتراب السياسي والثقافي والاجتماعي التي تواجهها تلك الجاليات, وتعقد التواصل بين منظمات تلك الجاليات وحكومات البلدان المعنية, ومسائل الفهم المختلف والمتعدد للمواطنة وانعكاسه على النظرة إلى المهاجرين, والعلاقة بين الهوية أو الهويات المتعددة والدولة.
 
وأيضا كيف يتفاعل المهاجرون مع السياسة المحلية في كل دولة, وكذلك مشكلات الاعتراف بالإسلام ومؤسساته ومأسسته في الإطار الأوروبي, وما يرتبط بذلك من بروز ما صار يعرف بالإسلام الأوروبي المتولد من رحم الجاليات المهاجرة وتفاعلها مع الفضاء الأوروبي, ودور القيادات الدينية في تطوير علاقة صحية بين المهاجرين والمجتمعات التي يعيشون فيها, إضافة إلى قضايا وأزمات الهجرة غير القانونية والتهريب وغير ذلك. 
 
دور السوق والدولة في التعددية الثقافية
"
من الممكن أن ينجح المهاجرون موسيقياً و"طعامياً" في التواصل مع المجتمعات المضيفة, لكنهم عادة يفشلون في التواصل معها سياسيا وثقافياً ودينيا
"
يطرح ماركو مارتينيلو في فصل مثير في بداية الكتاب فكرة تقول إن اندماج المهاجرين في السوق يكفل لهم انخراطا لينا وعفويا في المجتمعات التي يعيشون فيها, عن طريق نشر موسيقاهم, أو الأكل التقليدي الذي يروجونه عن طريق مطاعم ناجحة وغير ذلك.
 
لكن المشكلة في هذا النوع من الاندماج أنه يبقى ناقصاً ومقصوراً على المجالات المحددة في الثقافة الشعبية التي تتواءم مع المجتمعات "خصوصاً الموسيقى والأكل", ولا يتسع ليشمل تطوير الاندماج السياسي والاجتماعي، إذ بالإمكان أن ينجح المهاجرون موسيقياً و"طعامياً" في التواصل مع المجتمعات المضيفة, لكنهم يفشلون في التواصل معها سياسيا وثقافياً ودينيا، وهنا يرى مارتينيلو أن على الدولة التدخل لاستكمال دور السوق, حيث تقوم بوظيفة الدمج السياسي أيضاً.
 
وتزداد أهمية الدور الرسمي في مساعدة المهاجرين في الاندماج مع إقرار الجميع بوجود الإسلام، وبأن الجاليات المسلمة في السنوات الأخيرة أصبحت مرئية أكثر في الفضاء العام الأوروبي, كما يقول ستيفانو أليفي عن الجالية المسلمة في إيطاليا.
 
فهناك أصبحت المظاهر الإسلامية سواء في اللباس أو اللون أو المؤسسات بادية بوضوح, وتطرح نقاشاً مستمراً بين الإيطاليين حول كيفية التعامل مع المسلمين ومع هذه الجالية.
 
وينطبق الأمر ذاته على اليونان -كما يشير ديميتريس أنتونيو- حيث زيادة قادت الحضور المسلم الدولة إلى محاولة استيعابه بل وإنشاء مسجد مركزي مع مركز ثقافي بهدف أن يشكل نقطة التجمع الأساسي للمسلمين في فضاء معتدل.
 
ويذكر أن الجالية المسلمة في اليونان قليلة العدد مقارنة بالمهاجرين من جنسيات مختلفة, إذ لم تتجاوز نسبة طلبات الهجرة من قبل مسلمين 4% في السنوات الأخيرة من مجموع الطلبات.
 
جاليات مهمشة وتحرك معدوم
"
الجالية المسلمة في هولندا ما زالت غير منخرطة في المجتمع وثمة انعزال وتهميش مزدوج، ذاتي من داخل الجالية, وخارجي من قبل المجتمع المضيف
"
في هولندا قضية الوجود الإسلامي مطروحة بقوة في السنوات الأخيرة وبشكل ملتهب، فهناك ما يقارب مليون مسلم أغلبهم مغاربة وأتراك وصلوا البلد في عقدي الستينيات والسبعينيات, ثم هناك عراقيون وإيرانيون جاؤوا في عقد الثمانينيات وكذلك غيرهم.
 
ويقول هانس فان آمرسفورت ويورين دوميرنيك في الفصل الخاص بهولندا, إن الجالية المسلمة هناك ما زالت غير منخرطة في المجتمع الهولندي وثمة انعزال وتهميش مزدوج، ذاتي من داخل الجالية, وخارجي من قبل المجتمع المضيف. فمع أن نسبة قليلة من الجالية المسلمة تعبر عن رفضها الكلي للمجتمع الأوروبي, فإن نسبة الحراك العمودي حتى عند الجيل الجديد ليست مشجعة.
 
أما في النمسا فهناك حوالي ربع مليون مسلم غالبيتهم من الأتراك قدموا إلى البلد في عقد الستينيات, وتسيطر عليهم وعلى مساجدهم مؤسسات تركية شبه رسمية تعين لهم الأئمة والعلماء وتراقب الجالية بشكل عام.
 
ويحظى الإسلام باعتراف قانوني مبكر في هذا البلد يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر والذي كان نتيجة سيطرة النمسا على مناطق البوسنة المسلمة مما دفعها إلى الاعتراف بالدين الإسلامي، ولا يبدو أن وضع الأتراك في النمسا يتميز عن وضع الجاليات المسلمة في أوروبا بشكل عام من ناحية الانخراط الإيجابي في المجتمع أو الحراك العمودي.
 
الأتراك في ألمانيا
"
رغم الإقامة الطويلة لمئات الألوف من الأتراك في ألمانيا فإن ثلثهم فقط حصل على المواطنة, وما زال كثيرون منهم يشعرون بأنهم على هامش المجتمع فعلياً وقانونيا
"
في ألمانيا ازدادت حدة الوجود التركي المسلم في السنوات الأخيرة, وهو الوجود الذي فتحت له أبواب العمل في الستينيات لسد النقص في الأيدي العاملة إبان إعمار ألمانيا ما بعد الحرب والنهضة التي شهدتها.
 
بيد أن من كان مرحبا بهم في وقت سابق أصبحوا في نظر كثير من الألمان عبئاً على المجتمع الألماني ليس من ناحية اقتصادية فقط, بل من ناحية اختلافهم الإثني والديني والثقافي.
 
فاروق جن يناقش موقع الجالية التركية في ألمانيا ويلاحظ وجود فروقات بين الجيل الأول الذي ظل مرتبطا بالوطن الأم تركيا, ولم يشعر بضرورة الاندماج في المجتمع الألماني, وبين الجيل الثاني الذي ولد في ألمانيا ويشعر بولاء مزدوج لتركيا وألمانيا في نفس الوقت.
 
وهذا الجيل الجديد لا يفكر في العودة إلى تركيا, التي لا يعرفها أصلا ولم يولد فيها, لكنه في نفس الوقت يعاني من تأزمات الهوية, فمن ناحية هناك الانشداد الديني التقليدي الذي يميز هذا الجيل عن أقرانه الألمان مع الأخذ في الاعتبار نشوء بعض التيارات المتطرفة, وهناك من ناحية أخرى ضرورات الاندماج والشعور بالانتماء إلى المجتمع العريض.
 
إلا أن هناك مسؤولية من نوع خاص تقع على المؤسسة الرسمية الألمانية التي لم تولي مسألة المهاجرين الأتراك ودمجهم في الحياة العامة الأهمية اللازمة. فأولاً كان ثمة شبه إنكار رسمي لاعتبار ألمانيا بلد هجرة رغم أن عدد المهاجرين فيها كان الأكبر في لحظة ما في كل أوروبا، وثانياً انعكس هذا الإنكار الرسمي على الوضع القانوني للأتراك من نواح عدة أهمها التوظيف والعمالة والإقامة ثم لاحقاً منح الجنسية.
 
وكما يشير بحث سايمون غرين فإنه رغم الإقامة الطويلة لمئات الألوف من الأتراك فإن ثلثهم فقط حصل على المواطنة, وما زال كثيرون يشعرون بأنهم على هامش المجتمع فعلياً وقانونيا.
 
غير أن إحدى القنوات التي يرى بعض الباحثين أنها تفيد في الدمج المباشر وغير المباشر للجالية التركية في المجتمع الألماني تتمثل في الأعمال الحرة الصغيرة التي ينشئها الأتراك أنفسهم في نطاق جاليتهم أولاً لتأخذ في الاتساع تالياً.
 
فهذه الاقتصادات البسيطة توسع من دائرة الاعتماد المالي على النفس, ثم تأخذ في التوسع والانخراط التدريجي في المجتمع المضيف، هذا مع أن بعض الباحثين يرون أن الأعمال الحرة التركية, أي الموجهة أساساً لزبائن أتراك, هي في نهاية الأمر تشجع على عقلية الغيتو ولا تفيد في تحقيق الانخراط المطلوب مع المجتمع المضيف.
 
الجاليات المغاربية في فرنسا
"
يواجه المسلمون في فرنسا مجموعة من المعضلات الكبرى من أهمها الوضع القانوني والاعتراف السياسي بهم وبموقعهم في المجتمع وخاصة فيما يتعلق بمسألة المواطنة والإقامة والعمل
"
في فرنسا يربو عدد المسلمين على خمسة ملايين وأغلبهم من البلدان المغاربية, وقد جاء الجيل الأول منهم إلى فرنسا في عقد الستينيات بعد إغراءات كثيرة كان الفرنسيون يقدمونها للمهاجرين بحياة أفضل ودخولات أعلى, وذلك لسد النقص في الأيدي العاملة, كما هو حال الأتراك عندما قدموا إلى ألمانيا.
 
ويواجه هؤلاء المسلمون في الوقت الحالي مجموعة من المعضلات الكبرى من أهمها الوضع القانوني والاعتراف السياسي بهم وبموقعهم في المجتمع وخاصة فيما يتعلق بمسألة المواطنة والإقامة والعمل.
 
فبخلاف جيل الآباء الذي جاء بناء على رغبة وطلب من السوق الفرنسي, فإن جيل الأبناء يُنظر إليه نظرة عدائية فإن كان عاملا يعتبر مغتصب موقع عمل من فرنسي "أصلي", وإن كان عاطلا فإنه عالة على المجتمع ويعتاش على الإعانة الحكومية.
 
غير أن تلك العوائق القانونية والحقوقية ليست هي نهاية المعضلات, بل هناك مجال آخر واسع من المعاناة, كما تقول سوفي ديتشزن في مقاربتها عن المسلمين في فرنسا, يتمثل في النظرة إليهم، حيث تقول الباحثة إن تعدد النظرة لمفهوم المواطنة ومفهوم الهوية ينعكس على نظرة الفرنسيين لأفراد الجالية المسلمة.
 
في فرنسا كما في ألمانيا أيضاً هناك معضلة أخرى تتجسد في تمثيل المسلمين ومأسسة اهتماماتهم ومصالحهم والدفاع عنها, وكذا التحدث باسمهم مع الدولة الفرنسية نفسها.
 
ولهذه المعضلة عدة أوجه، أولها هو التنافس داخل الجالية بين عدة مؤسسات إسلامية تريد تمثيل المسلمين, وهي عموماً تنقسم إلى جهة مقربة من الحكومة وتريد أن تعمل على إدماج المسلمين في المجتمع الفرنسي وفق نظرة قريبة من تخليق "إسلام فرنسي", فالوجهة الأولى ترفض هذا النمط من الإدماج ولا تتبنى نفس السياسة المعتدلة إزاء مفاهيم الانخراط والتعاون مع الدولة.
 
والوجهة الثانية لمعضلة مأسسة المسلمين وتمثيلهم عبر مؤسسات تدافع عن مصالحهم إزاء الحكومة هو أن الدولة نفسها لا تعرف على وجه الدقة كيف تتعامل مع مؤسسات قائمة على أساس ديني تمثل جاليات إثنية, وفي نفس الوقت لا تستطيع غض النظر عن قوة هذه المؤسسات وتنامي موقع الدين في أوساط الجاليات المسلمة نفسها.
 
وهذا يعكس السؤال الملح الأعرض, والذي تصوغه ريفا كاسوريانو, كالتالي: "كيف يمكن للإسلام بأيديولوجيته, وإثنياته, وتقسيماته الوطنية أن يندرج وينخرط في الإطار المؤسسي للدولة، في فرنسا وألمانيا وفي المجتمعات والذهنيات السائدة؟"، يرافق ذلك بالطبع سؤال الهوية المركزي الذي يقلق الجالية, وسؤال الاعتراف بها.
 
أما الوجهة الثالثة لمعضلة المؤسسات الإسلامية فهي كونها, كما تشير الأبحاث التي أجرتها كاميلي حامدي, غير ديمقراطية من الداخل ولا تشجع ثقافة التعددية أو التسيس, ولهذا يعتبرها كثيرون تساعد في ترسيخ الانعزال وليس الانخراط في المجتمع.
 
بريطانيا والتعددية الثقافية
"
السؤال الذي تواجهه سياسة التعددية الثقافية هذه الأيام هو عن سبب فشلها في منع التطرف من النشوء في أوساط الجاليات المسلمة
"
التجربة البريطانية في التعامل مع الجاليات العربية والمسلمة مختلفة عن بقية التجارب الأوروبية إلى حد كبير، والباحث رومين غارباي عاد في دراسته إلى بروز ردود الأفعال البريطانية الأولية في عقد 1940 لتعقب تطور السياسات البريطانية إزاء المهاجرين.
 
وأول جوانب الاختلاف تكمن في أن "قوننة" الهجرة كانت على أساس اعتبار مواطني الدول الخاضعة للتاج البريطاني من رعايا ذلك التاج ويحق لهم بالتالي دخول بريطانيا والإقامة فيها من دون شروط, وهو ما أقره قانون الهجرة عام 1948, ونتج عنه تدفق هجرات في عقد الخمسينيات، أي أسبق بعقد كامل من الهجرات التي استهدفت فرنسا وألمانيا.
 
واستمر التدفق في العقد الذي يليه وكانت تلك الهجرات قادمة من شبه الجزيرة الهندية, ومن منطقة المحيط الكاريبي بالدرجة الأولى, ولم يمثل المهاجرون العرب والشرق أوسطيون حتى الآن إلا نسبة ضئيلة لا تتجاوز 6% من المجموع العام.
 
لكن الاختلاف المميز للتجربة البريطانية يكمن في سياسة التعددية الثقافية التي تبنتها وبها تركت الجاليات الإثنية على حالها الثقافي من دون تدخل أو محاولة لإلغاء خصوصياتها الدينية أو الثقافية.
 
ولم يكن هاجس الدمج وجعل المهاجرين بريطانيين هاجساً أرق السياسة البريطانية إزاء المهاجرين, بل صيغت العلاقة معهم في إطار الحقوق القانونية والواجبات ومنحوا حق المواطنة حسب القانون.
 
غير أن السؤال الذي تواجهه سياسة التعددية الثقافية هذه الأيام هو في فشلها في منع التطرف من النشوء في أوساط الجاليات المسلمة عندما تركت كما هي وهو السؤال الذي يثير الجدل الأكبر في الدوائر السياسية والأكاديمية والإعلامية المتابعة لأوضاع وموقع المهاجرين في البلاد.

المصدر : الجزيرة