عرض/ شفيق شقير

يرصد تقرير"الخليج في عام 2004" الصادر عن مركز الخليج للأبحاث ومقره في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة الأوضاع العامة في دول الخليج العربي من سياسة واقتصاد وتعليم وأمن وسواها، وجاء في تسعة فصول مذيلة بأبرز الأحداث التي وقعت خلال العام في كل دولة خليجية على حده.

تطورات مجلس التعاون الداخلية

- الكتاب: الخليج في عام 2004
- المؤلف: مجموعة من الباحثين
- عدد الصفحات: 337
- الناشر:مركز الخليج للأبحاث, الإمارات العربية المتحدة
- الطبعة: الأولى 2005
يرى التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي قد شهدت خلال عام 2004 تطورات ملحوظة بفعل التأثر بالمعطيات والإجراءات الدولية التي أعقبت هجمات سبتمبر/أيلول 2001، إضافة إلى التداعيات التي نتجت عن الغزو الأميركي للعراق.

ومن هذه التداعيات الضغوط الخارجية المستمرة من أجل الإصلاح السياسي في المنطقة، والتي يرى فيها التقرير مجرد عنصر من عدة عناصر مؤثرة، ويخطئ التحليلات الأكاديمية والإعلامية الغربية التي تتعامل مع دول الخليج وكأنها ذات نمط سياسي واحد، وبالتالي فإنها تتصور أن آليات التغيير تسير وفق نمط واحد.

فدول الخليج لا تحمل نفس السمات والمعالم وإن كانت تتماثل في كونها أنظمة وراثية، وستتعامل مع الضغوط بناء على معطياتها ومكوناتها الداخلية، وبهذا تختلف أوجه واحتمالات التغيير فيها من دولة إلى أخرى، وهذا ما تبدى خلال العام المنصرم 2004.

قطر
فدولة قطر جعلت من نفسها منبرا لأهم المنتديات والأحداث الدولية بسبب حالة الاستقرار السياسي فيها، حيث تم عقد مؤتمر للحوار الإسلامي المسيحي في شهر يونيو/حزيران، ومن المتوقع أن يشارك اليهود في المؤتمر القادم (وهو ما حدث بالفعل).

وعقد فيها أيضا مؤتمر حول الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة، خاصة وأن قطر قد نشرت دستورها الجديد خلال العام نفسه وذلك بعد أن أقر بأغلبية كبيرة في الاستفتاء الذي نظم عام 2003، فضلا عن إعلانها النية السماح بتكوين نقابات عمالية يسمح لها بممارسة نشاطها في العام 2005.

البحرين
أما البحرين فما زالت تتجاذبها النزاعات الداخلية ومن ذلك النزاع بين السلطة التنفيذية والتشريعية حول صندوقي التقاعد والتأمينات، والتي أعاد مجلس الوزراء تشكيل مجلسي إدارتيهما، كما ظل الصراع محتدما حول ملفي الانتخابات البلدية والتجنيس.

"
جعلت قطر من نفسها في عام 2004 منبرا لأهم المنتديات والأحداث الدولية بسبب حالة الاستقرار السياسي فيها، حيث تم عقد مؤتمر للحوار الإسلامي المسيحي  ومؤتمر الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة
"
وشهد العام 2004 جدلا بين السلطة وبعض الجمعيات المعارضة حول دستور البحرين الذي كان قد أقر في عام 2002، حيث ترى هذه الجمعيات أوجه قصور في الدستور وأنه يسلب مجلس النواب صلاحياته المفترضة.

وفي فبراير/شباط أعلنت أربع جمعيات نيتها عقد مؤتمر لمناقشة الخلل الموجود في دستور البحرين وإصلاحه مما أدى إلى نشوب أزمة بين الجهات المنظمة والحكومة، حيث منعت الحكومة بعض الشخصيات المدعوة من الخارج الدخول إلى البحرين كما أغلقت نادي العروبة الذي كان قد عقد فيه المؤتمر الآنف الذكر، وأغلقت مركز البحرين لحقوق الإنسان، وطرحت مشروع قانون يحد من حركة الجمعيات السياسية ماليا وسياسيا ويمنعها من إقامة علاقة مع منظمات أجنبية، وقد أقر الملك حمد بن عيسى آل خليفة هذا القانون يوم السبت 23 يوليو/تموز 2005 (بعد كتابة التقرير).

السعودية
ظل الوضع الداخلي السعودي وعلاقاتها الخارجية محكومة إلى حد بعيد بما يسمى "الحرب على الإرهاب"، حيث ذهب ما يزيد على 100 ضحية نتيجة المصادمات بين أجهزة الأمن السعودية والمسلحين الذين يعتقد أنهم ينتمون إلى منظمة القاعدة.

ولم تتوقف ضغوط الإدارة الأميركية والكونغرس على السعودية مطالبة إياها بالتعاون في "الحرب على الإرهاب" والمبادرة إلى إجراء إصلاحات سياسية، وهو ما تجاوبت معه المملكة فقامت في مارس/آذار بإنشاء هيئة حكومية لمراقبة تبرعات الجمعيات الخيرية العاملة في الخارج، وقيدت وأغلقت بعض الجمعيات الأخرى.

وعلى الصعيد الإصلاحي عقدت الدورة الثانية للحوار الوطني في مكة المكرمة واختتمت أعمالها مع بداية العام 2004، وعقدت الجولة الثالثة أعمالها في المدينة المنورة في 15 يونيو/ حزيران واستمرت ثلاثة أيام وشارك في الدورتين رجال ونساء.

وفي يونيو/حزيران انتخب الصحافيون مجلسا لإدارة جمعية الصحافيين مكونا من تسعة أعضاء كان من بين الفائزين امرأتان، إلا أن اللافت أن أحد مواد النظام الأساسي للجمعية ينص على حق وزارة الإعلام رفض أي قرار تتخذه الجمعية العامة في حال تعارضه مع المصلحة العامة.

وتقرر في العام 2004 إجراء الانتخابات البلدية التي ينتخب نصف أعضاؤها في 178 مجلسا بلديا، وتمت بالفعل خلال العام الجاري 2005، إلا أن هذا التطور النسبي الذي تشهده المملكة لم يخل من بعض القرارات المعاكسة للتوجه الإصلاحي من ذلك قرار الحكومة البدء بتفعيل الأنظمة التي تمنع الموظفين العموميين من "تحدي سياسات الحكومة" عن طريق إعداد وثيقة أو عريضة أو الدخول في حوار مع الإعلام.

الكويت
استمر النواب الكويتيون في مطالبتهم بتقليص الدوائر الانتخابية والتي كانت الحكومة قد زادت عددها في العام 1981 من 10 دوائر إلى 25 دائرة، ومن جهة أخرى حظيت قضية تزويد الجيش الأميركي بالوقود وبأسعار مبالغ فيها باهتمام الساحة السياسية الكويتية باعتبار أن شركة هاليبرتون المتهمة قد تعاملت مع شركة كويتية وسيطة للتعاقد مع مؤسسة البترول الكويتية، فيما أن اللوائح تمنع بيع النفط الحكومي عبر وسطاء.

وفي الجانب الحقوقي أعلنت الحكومة في أغسطس/آب إشهار الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، ولكن لم يمر الأمر بسلام حيث تحفظت بعض القوى الإسلامية على الجمعية لأنها "تمثل الاتجاه الليبرالي" في البلاد.

الإمارات

"
اتخذ حكام مجلس الإمارات السبع التي تكون الإمارات العربية المتحدة قرارا بالإجماع باختيار الشيخ خليفة بن زايد الابن الأكبر للشيخ زايد بن سلطان الذي  وافته المنية العام الماضي
"
اتخذ حكام مجلس الإمارات السبع التي تكون الإمارات العربية المتحدة قرارا بالإجماع باختيار الشيخ خليفة بن زايد الابن الأكبر للشيخ زايد بن سلطان الذي وافته المنية.

وللمرة الأولى يأتي تعديل وزاري بامرأة إلى مجلس الوزراء حيث عينت الشيخة لبنى القاسمي وزيرة للتخطيط والاقتصاد، ومن جهة أخرى تقدمت مجموعة من الحقوقيين والأكاديميين والإعلاميين في يونيو/حزيران بطلب لتأسيس أول جمعية لحقوق الإنسان في البلاد، ومن بين المتقدمين بالطلب 6 نساء من أصل 21 شخصا.

عمان
اتخذت سلطنة عمان موقفا متحفظا تجاه عملية الإصلاح، وهذا لم يمنع أن تشهد بعض التحولات لمصلحة المرأة، حيث عينت في مارس/آذار السيدة راوية ألبو سعيدي وزيرة للتعليم العالي، وهي أول وزيرة في السلطنة، وفي يونيو/حزيران تم تعيين راجحة بنت عبد الأمير كأول وزيرة للسياحة، ثم تم تعيين الدكتورة شريفة بنت خلفان وزيرة للتنمية الاجتماعية كثالث امرأة وزيرة.

التطورات في العراق وإيران واليمن
حاول التقرير أن يقدم المجال السياسي الخليجي كبقعة واحدة تتأثر ببعضها البعض، ولكنه فصل في المعالجة بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية دول الجوار الخليجية، بما يؤكد على تمايز هذه الدول عن جاراتها.

العراق
بحسب المخططين الأميركيين كان من المفترض أن يكون عام 2004 عام "العراق الجديد" الذي سيتبنى القيم السياسية والاقتصادية الأميركية ليكون واحة إشعاع للحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط.

إلا أن الواقع اختلف تماما حيث تزايدت العمليات المسلحة وتحديدا منذ شهر أبريل/نيسان والذي كان من أكثرها دموية حيث قتل ما لا يقل عن 130 جنديا أميركيا وقتل بالمقابل ما لا يقل عن 700 عراقي.

وتزايدت أعداد العناصر العاملة في القوات العراقية المسلحة، حيث وصلت إلى ما يقارب 109 آلاف عنصر، وكذلك تزايدت أعداد الجيش الأميركي من 122 ألفا في يونيو/حزيران إلى 138 ألفا خلال شهر ديسمبر/كانون الأول.

ولكن بالمقابل زاد عدد الأفراد المنخرطين في عمليات "المقاومة"، حيث قدرت المؤسسات الأميركية في يناير/كانون الثاني 2004 أعدادهم بين 3000 إلى 5000 آلاف عنصر، ولكن في يوليو/تموز أصبح الحديث عن وجود ما يقرب من 20 ألف مقاتل.

وفي هذا العام انفجرت فضيحة سجن أبو غريب حيث نشرت الصحف الأميركية صورا من صنوف الإهانة والتعذيب الذي تعرض لها المعتقلون العراقيون في السجن المذكور، فضلا عن قتلهم. وفي هذا العام أيضا برزت ظاهرة الاختطاف السياسي حيث لم ينته إبريل/نيسان إلا وسجلت 43 عملية خطف، وفي مايو/أيار تم إعدام أول رهينة غربي بقطع الرأس، وهو الأميركي نيكولاس بيرغ.

وسياسيا شهد بداية عام 2004 اعترافا من بعض القيادات الأميركية والبريطانية بأن لا وجود لأسلحة دمار شامل في العراق وهي التي أعلنت بسببها الحرب على العراق. وفي شهر يونيو/حزيران صدر قرار مجلس الأمن 1546 ليخول سلطات الاحتلال تحويل السيادة الكاملة في 30 يونيو/حزيران إلى الحكومة العراقية المؤقتة مع استمرار مهمة إشراف قوات الاحتلال "المتعددة الجنسيات" على الوضع الأمني لحين إجراء انتخابات تشريعية وتولي حكومة دستورية السلطة.

إيران
ساهمت ولاية خاتمي الممتدة خلال الفترة 1997- 2005 في خلق انقسامات حادة في أوساط النخب الإيرانية والمجتمع الإيراني برمته. وحاول تطبيق العدالة دون ممارسة السلطة، بسبب إيمانه بالمثاليات، وليس هناك من نظام سياسي يصبو إلى تحقيق العدالة المثالية.

واستبعد مجلس صيانة الدستور من الانتخابات البرلمانية عام 2004 معظم النواب السابقين من المعسكر الإصلاحي بسبب تعبيرهم عن مواقف "تتنافى ونص الدستور". وفاز المحافظون بمعظم المقاعد النيابية وسيطرت الروح الثورية مرة أخرى على المشهد السياسي الإيراني.

وبالنسبة للبرنامج الإيراني النووي فقد استمر موضع تجاذب بين الحكومة الإيرانية والإدارة الأميركية منذ العام 2002، ولا زالت أوروبا تبذل جهدها لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم وإيقاف برنامجها النووي.

وتقف إيران أمام ثلاث سيناريوهات:

  1. القبول بمبدأ تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم على المدى البعيد.
  2. رفض مطالب الوكالة الدولية للطاقة والاستمرار في البرنامج النووي والدخول في مواجهة مع واشنطن.
  3. إيجاد حل مؤقت توافق طهران بموجبه على تعليق أنشطتها النووية مقابل مكاسب سياسية واقتصادية.

اليمن

"
التقرير سهل العبارة وممتع للقراءة بجهد علمي مميز، وهو ما قد يجعل منه أحد الروافد المهمة لعموم الناس المهتمين فضلا عن االباحثين لفهم منطقة الخليج وتطوراتها
"
اتخذ اليمن من التحول الديمقراطي محورا لأدائه السياسي واختيرت صنعاء في 6 ديسمبر/كانون الأول 2004 مقرا لمركز الحوار الديمقراطي الذي سيتولى دعم المسار الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وعلى الصعيد الأمني أصدرت المحكمة الجنائية بصنعاء في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2004 حكما بالإعدام بحق يمنيين اثنين ثبت انتماؤهما إلى تنظيم القاعدة، فيما صدر حكم بالسجن بحق أربعة آخرين بتهمة التورط في عملية تفجير المدمرة الأميركية يو إس إس كول.

وأعادت القوات الأميركية استخدام ميناء عدن كمحطة لتزويد القوات الأميركية بالوقود، وذلك بعد أن أوقفت استخدامه في أعقاب الهجوم الذي تعرضت له المدمرة كول.

واستطاعت قوات الأمن اليمنية القضاء على جماعة الشيخ حسين بدر الدين الحوثي المتحصنين في جبال مران بمحافظة صعدة، وأعلنت عن مقتل الحوثي و200 من أتباعه.

وفي 27 مايو/أيار أعلنت الحكومتان اليمنية والسعودية عن الانتهاء من ترسيم الحدود بين البلدين والتي كانت من أهم أسباب الخلاف بينهما.

خاتمة ورؤية
يمتاز التقرير بكثرة المعلومات التي يقدمها قياسا إلى نظرائه، وبذل فيه جهد واضح لمنع التكرار برغم التداخل الكبير أحيانا بين القضايا التي يبحثها، أما طريقة إعداده واستعراض المعلومات في بعض أقسامه فقد تناسب الإنترنت أكثر من طرق العرض الأخرى.

ومن جهة أخرى لم يدقق التقرير كثيرا في المفردات التي يستعملها فعلى سبيل المثال لا الحصر -برغم أن التطرق للجانب الأمني قد أخذ حيزا مهما في التقرير كما أنه كان الحدث الأبرز عام 2004- فإن التقرير اكتفى في كثير من الأحيان بوصف الواقع الأمني في الخليج بنفس اللغة التي تعتمدها الأنظمة الرسمية.

ويشكر للتقرير أنه سهل العبارة وممتع للقراءة بجهد علمي مميز، وهو ما قد يجعل منه أحد الروافد المهمة لعموم الناس المهتمين فضلا عن االباحثين لفهم منطقة الخليج وتطوراتها.
_______________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة