عرض/علاء بيومي
كتاب "الجيل الجديد من اليسار الجديد: كيف تدار السياسية الأميركية اليوم" لستيفين مالانجا، الباحث بمعهد منهاتين للأبحاث ومقره نيويورك، والصادر في نهاية شهر مايو/أيار 2005، حاز على اهتمام متزايد من قبل مراكز الأبحاث والأقلام المحافظة بالولايات المتحدة، لكونه يعبر عن محاولة يمينية للرد على سيل الكتابات الليبرالية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة وركزت على نقد اليمين الأميركي وخاصة تيار المحافظين الجدد.
 
- الكتاب: الجيل الجديد من اليسار الجديد
- المؤلف: ستيفين مالانجا
- عدد الصفحات: 156
- الناشر: إيفان آر دي - شيكاغو
- الطبعة: مايو/أيار 2005
فالكتاب يرد على الليبراليين بتسليط الضوء على مفهوم جديد وهو "الجيل الجديد من اليسار الجديد" وبتصوير هذا الجيل على أنه خطر متنام يهدد الاقتصاد والسياسة الأميركية من الداخل.
 
مفهوم الجيل الجديد
يرى مالانجا أن نفوذ الجيل الجدد من اليسار الجديد تنامي سياسيا خلال التسعينات من القرن الماضي على المستوى المحلي في عدد من أكبر المدن الأميركية خاصة في الولايات ذات التوجه الليبرالي.
 
وأن هذا الجيل نشأ نتيجة لصعود قوى جديدة وغير تقليدية بالسياسات المحلية للمدن الأميركية، وتتكون هذه القوى من اتحادات العمال التقليدية، واتحادات العاملين بالمؤسسات الحكومية والذين كانوا محرومين من الانضمام لاتحادات خاصة بهم حتى منتصف الخمسينات من القرن العشرين، ومنظمات الخدمات الاجتماعية الذين يساندهم تحالف واسع من الجماعات اليسارية كالجماعات المدافعة عن البيئة وعن حقوق المرأة وعن حقوق الأقليات والحقوق المدنية والإعلاميين والأكاديميين والسياسيين الليبراليين.
 
"
خطورة الجيل الجديد تكمن في كونه تحالف ضد مصالح دافعي الضرائب الأميركيين، وكون هدفه الرئيسي هو وضع مزيد من الضغوط على المؤسسات الحكومية 
"
ويقول مالانجا إن خطورة هذا الجيل الجديد تكمن في كونه تحالف ضد مصالح دافعي الضرائب الأميركيين، وهدفه الرئيسي هو وضع مزيد من الضغوط على المؤسسات الحكومية المحلية لزيادة الضرائب على الشركات الرأسمالية، وزيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية وأنشطة الرفاهية، وعلى مزايا موظفي القطاع الحكومي، لذا يصف الكاتب التحالف السابق بأنه تحالف "آكلي الضرائب" مقارنة بتحالف "دافعي الضرائب" الذي يمثل مصالح الشعب الأميركي.
 
كما يتهم الجيل الجديد من اليسار بأنه يعيش عالة على أموال الدولة والتي تأتي منها معظم موارده، وبأنه يعمل في سرية تامة في معظم الأحيان ولا يظهر إلى السطح أو يستفز معارضيه إلا قرب وصوله لهدفه وهو تمرير التشريعات والسياسات المساندة لأجندته.
 
كما أنه يقوم بتلفيق الدراسات والتقارير الإعلامية التي تنادي بالأفكار والسياسات التي يريدها، ويتآمر مع المساندين له لانتخاب السياسيين المؤيدين لأفكاره بمجالس المدن والمحليات الأميركية مما يجعله خطرا أكيدا قادما من الداخل، ولمواجهة هذا الخطر يفرد الكاتب كتابه للحديث عن نفوذ هذا الجيل الجديد وعن أجندته وأفكاره ومسانديه.
 
وقبل تناول بقية محتويات الكتاب يجب الإشارة إلى أن مالانجا لم يقدم في كتابه تعريفا محددا للجيل الجديد من اليسار الجديد يميزه بشكل واضح عن مصطلح "اليسار الجديد" والذي ظهر ليعبر عن التحولات التي مر بها اليسار في أميركا وأوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سعى اليساريون لمواجهة الضغوط التي تعرضوا لها نتيجة للحرب من خلال حركة جديدة تخطت مطالب اليسارية التقليدية المتمركزة حول حقوق العمال إلى حركة يسارية معادية للسلطة وللثقافة السلطوية التقليدية بشكل عام، وهي حركة انتشرت سريعا في الجامعات الأميركية في الستينات من القرن الماضي.
 
"
ما زاد من مشكلة هذه الجماعات هو فلسفاتها الخاطئة والتي تسيء استغلال مفهوم العدالة الاجتماعية وتدفع الفقراء للكسل وتراجع الإنتاج
"
ولادة الجيل الجديد من اليسار الجديد
يرى مالانجا أن ولادة الجيل الجديد من اليسار الجديد بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين، وبفعل عدد من السياسات التي تبنتها الحكومة الأميركية لمواجهة الفقر والتي أدت إلى ضخ مليارات الدولارات لدعم المنظمات الخيرية وأنشطة الدولة في مجال رعاية الفقراء وتقديم أنشطة الرفاهية لمحدودي الدخل.
 
وكان أول المستفيدين من تلك التحولات هم المنظمات الخيرية، ومنظمات الخدمات الاجتماعية التي استطاعت الحصول على بلايين الدولارات من الأموال التي يعطيها دافع الضرائب الأميركي للدولة.
 
وفي الفترة ذاتها سمحت أميركا لموظفي الحكومة بالانضمام
لاتحادات جماعية تتفاوض نيابة عنهم وعن حقوقهم، مما أدى إلى تضاعف أعدادهم لتصل لحوالي 3.3 ملايين موظف حكومي يتمتعون حاليا بمزايا وظيفية عالية تفوق المزايا التي يحصل عليها العديد من موظفي القطاع الخاص، كما تحول موظفو الحكومة إلى لوبي قوي يطالب بمزيد من المزايا الوظيفية وبواجبات وظيفية أقل وبمزيد من الإنفاق الحكومي على القطاع الحكومي نفسه وتوسيعه.
 
كما ساعد الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية ودعم الفقراء إلى سوء استغلال المال الحكومي من قبل الفقراء والمؤسسات الخدمية في آن واحد، إذ بالغت المستشفيات -على سبيل المثال– في إخضاع المرضى المدعومين حكوميا لاختبارات صحية ليسوا في حاجة لها لكي تحصد المستشفيات أكبر قدر من أموال الدعم الحكومي.
 
بل قامت الجماعات السابقة باستغلال الثروات التي حصلت عليها من تعاملها مع الدولة في استئجار شركات اللوبي، والعلاقات العامة لممارسة مزيد من الضغوط على الدولة لزياد إنفاقها على أنشطتها. وقد زاد من مشكلة هذه الجماعات فلسفاتها الخاطئة والتي تسيء استغلال مفهوم العدالة الاجتماعية وتدفع الفقراء للكسل وتراجع الإنتاج.
 
أجندة الجيل الجديد وأسلوب عمله
"
أجندة الجيل الجديد تتخطى الاقتصاد للمطالبة بالتعددية الثقافية في المدارس العامة وبالتنوع العرقي للمعلمين وبتدريس مواد عن حقوق العمال وتاريخ الحركة العمالية
"
يتعرض مالانجا خلال الكتاب لعدد من السياسات والأفكار المركزية لدى حركة الجيل الجديد من اليسار الجديد، وعلى رأس هذه الأفكار مفهوم "الأجر المعيشي" وهو مصطلح يروجه الجيل الجديد للمطالبة برفع الحد الأدنى من الأجور حيث يرى أن الحد الأدنى من الأجور لا يكفي ومن ثم هناك حاجة لتشريع مستوى آخر من الأجور يكفي لمعيشة الفرد.
 
لقد بدأت مطالب الجيل الجديد بالأجر المعيشي في مدينة بالتيمور بولاية ميرلاند وأدت إلى انهيار الاقتصاد واختفاء الوظائف بالمدينة بسبب الضغوط التي وضعتها الحركة على الشركات الرأسمالية لرفع أجور موظفيها، ومع ذلك انتشرت الحركة في منتصف التسعينات في مدن أميركية عديدة حتى أصبحت الآن موجودة في 43 ولاية أميركية.
 
وتكمن خطورة حركة الأجر المعاشي وغيرها من مطالب اليمين في أنها جزء من حركة أكبر لزيادة الضرائب والحد من أرباح الشركات الرأسمالية، وهدم قاعدة العرض والطلب التي تمثل أساس قوانين الاقتصاد الحر.
 
كما أن الحركة تغافلت عن حقيقة أن أميركا فتحت أبوابها لأكثر من 13 مليون مهاجر خلال التسعينات غالبيتهم من ضعاف التأهيل العلمي والوظيفي الذين يأتون من دول فقيرة، ويمتلكون تعريفا مختلفا للفقر، حيث إن حصول هؤلاء المهاجرين على الحد الأدنى من الأجور في أميركا يساعدهم على بناء ثروات بمعايير بلادهم خلال سنوات قليلة.
 
ويقول مالانجا في نهاية الفصل الأول من كتابه -بلهجة تحذيرية- إن أجندة الجيل الجديد تتخطى الاقتصاد للمطالبة بالتعددية الثقافية في المدارس العامة وبالتنوع العرقي للمعلمين وبتدريس مواد عن حقوق العمال وتاريخ الحركة العمالية.
 
لذا يتناول الفصل الثاني من الكتاب تأثير حركة الجيل الجديد على الجامعات وانتشارها فيها لاستخدام الدعم الذي تقدمه الدولة للجامعات في تنظيم برامج تعليمية، واستصدار دراسات تخدم أهداف اليسار والحركة العمالية، وهو ما أدى لانتشار البرامج الدراسية الخاصة بتاريخ الحركة العمالية، وبسبل تنظيمها وتنظيم عمل الاتحادات العمالية، حتى إن بعض البرامج تمنح الطلاب الفرصة في العمل في الاتحادات العمالية، وتنظيم المظاهرات المؤيدة لحقوق العمال كجزء من المتطلبات الدراسية المفروضة عليهم.
 
ثم تحولت هذه البرامج الدراسية لبرامج لدعم حركة العمال في الولايات المتحدة، ولتعليم الطلاب كل شيء عن حقوق المرأة، والحقوق العرقية وحقوق الشواذ والبيئة، وكل الأفكار الناقدة لأسلوب الحياة الأميركية، لذا يبدي مالانجا أسفه وتعجبه للأسباب التي أدت لتحول الحركة العمالية من حركة محافظة ترفض الثورة الثقافية في الماضي، إلى حركة معادية للثقافة التقليدية في الوقت الحاضر.
 
"
جزء كبير من أسباب كراهية اليسار لشركة وال مارت يكمن في أن العائلة المالكة لها ذات توجه اجتماعي محافظ ترفض الثقافة الإباحية وبيع المواد الإباحية

"
أما العنصر الأهم في أجندة الجيل الجديد فهو عداؤه للقطاع الخاص وللشركات الرأسمالية الكبرى، لذا يفرد الكاتب الفصل الثالث من كتابه للدفاع عن واحدة من تلك الشركات وهي شركة وال مارت التجارية العملاقة والتي تمتلك مئات المتاجر عبر الولايات المتحدة.
 
ويحكي قصة نشأة وال مارت كمثال للشركات الأميركية الناجحة حيث قامت على أسلوب جديد في الإدارة يهدف إلى تجميع البضائع المختلفة في محال عملاقة لتباع بأسعار أرخص من السوق وبكميات كبيرة، كما تدار غالبية المتاجر بموظفين يتقاضون أجورا ضئيلة وبمقر رئيس متواضع جدا لخفض نفقات الإدارة لأقل من 2%، مما ساعد الشركة على تحقيق نجاح كبير وسريع حتى أصبحت شركة يقدر ثمنها بحوالي 250 بليون دولار.
وهنا يهاجم ملانجا الجيل الجديد من اليساريين الجدد لكونه يضع وال مارت على قائمة الشركات التي يستهدفها بسبب الأجور القليلة التي تعطيها للموظفين وخوفه من انتقال أسلوب إدارة وال مارت لشركات أميركية أخرى، في المقابل يرى الكاتب أن وال مارت شركة ذات إدارة عبقرية وإسهام كبير في الاقتصاد الأميركي، كما أن وجودها بأي مدينة يشجع الاستثمار فيها ومن ثم ترتفع الوظائف.
 
كما يرى أن جزءا كبيرا من أسباب كراهية اليسار والإعلام المساند له لشركة وال مارت يكمن في أن العائلة المالكة لها عائلة ذات توجه اجتماعي محافظ ترفض الثقافة الإباحية وبيع المواد الإباحية بأسواقها مما جعلها هدفا للإعلام الليبرالي.

وينتقد الكاتب الجيل الجديد في الفصل الرابع من كتابه بسبب نشره لأفكار تصور الفقراء على أنهم ضحايا للطبقات الثرية، وتطالب بضخ مستمر للأموال الحكومية في برامج موجهة لمساعدة الفقراء، وهنا يرى أن الدولة الأميركية أنفقت منذ الستينات 10 تريليون دولار أمبركي على برامج مكافحة الفقر ولم يؤد ذلك لنتائج إيجابية ملموسة.
 
كما أن المساعدات التي منحت لمكافحة الفقر، والثقافة التي ارتبطت بهذه المعونات أفسدت الفقراء لأنها صورت لهم أنفسهم على أنهم ضحايا وأضعفت من هممهم ومن رغبتهم في العمل، لذا فهي  ساهمت في إيجاد ثقافة من الكراهية لدى الفقراء تجاه الطبقات الوسطي والثرية وأبعدت أميركا عن الحل الصحيح لمشكلة الفقر ومشاكل الاقتصاد بشكل عام والتي تكمن في الحد من دور الدولة وتشجيع اقتصاد السوق على العمل بحرية.
 
وتبقى الإشارة إلى أن المؤلف لا يقدم تصورا محددا لحجم نفوذ الجيل الجديد من اليسار الجديد، خاصة في واشنطن خلال الفترة الحالية التي تشهد سيطرة اليمين على الكونغرس بمجلسيه إضافة للبيت الأبيض، حيث يتحدث مالانجا عن هذا الجيل الجديد وكأنه ظاهرة محلية بالأساس في الوقت الذي يؤكد فيه على خطورته ونفوذه.
 
كما أن متابعة أفكار الكاتب واهتمام مراكز الأبحاث اليمينية الأميركية به يكشف عن أجندة هذه المراكز وبعض فئات اليمين الأميركي وأسلوب تفكيرها والسياسات التي ترغب في تطبيقها. 

المصدر : الجزيرة