عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض كيسنجر في كتابه هذا تجربته في الحكم والإدارة الأميركية مع الرئيس الأميركي نيكسون عندما عمل معه مستشارا للأمن القومي ووزيرا للخارجية، وهي مرحلة من حياة كيسنجر تمتع فيها بنفوذ كبير، وقاد الدبلوماسية على نحو مؤثر جعله أهم وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة.
 
وتنسب لكيسنجر نظرية إستراتيجية ترتكز على ثلاث دعائم هي:
- كي يكون ثمة سلام، لابد أن تكون هناك تسوية قائمة على التفاوض يخرج منها الجميع في حالة توازن.
- القوة المنتصرة يجب ألا تسحق المهزوم أو تبيده، وإنما يجب أن تمنحه قدرا ومنفذا لسلام مشرف.
- أفضل ضمان للسلام هو التوازن.
 
مستشار الأمن القومي

- الكتاب: مذكرات هنري كيسنجر
- المؤلف: هنري كيسنجر
- ترجمة: عاطف أحمد عمران
- عدد الصفحات: 1299 "جزأين"
- الناشر: عمان الأهلية للنشر والتوزيع
- الطبعة: الأولى 2005

كان مستشار الأمن القومي أول منصب تولاه كيسنجر في الحكومة الأميركية في عهد نيكسون الذي كان يراعي في اختيار موظفيه أن يكونوا مارسوا المهنة في الشؤون الخارجية والدفاع الوطني ومصلحة الاستخبارات، للاستفادة سواء من تجربتهم أو مساعدتهم حيال المواربات والمشاكل الديمقراطية، وشخصيات جامعية لامعة لديها آفاق مستقبلية واسعة.
 
وكان وزير الخارجية آنذاك روجرز الذي يصفه كيسنجر بأنه كان قديرا أكثر مما كان يوصف، ويملك فكرا تحليليا دقيقا جدا وإحساسا عظيما، ولكنه بحكم ثقافته القضائية فإن طريقته في حل المشاكل كانت أكثر واقعية، بينما كان كيسنجر يفكر على أساس إستراتيجي وجغرافي سياسي يسعى لربط الأحداث ببعضها، وتأثيرها في بلد على أجزاء أخرى من العالم.
 
وفي رحلات نيكسون الأوروبية لاحظ كيسنجر أنه يسعى لإنشاء عهد سلام جديد، فأعد دراسة قدمها لنيكسون مؤسسة على أن السلام إنما يقوم على عالم غربي مسلح ووحدة أطلسية إستراتيجية.
 
كما قدم له ملخصا عشية سفره إلى أوروبا يقول فيه "أعتقد أن ديغول عرض فكرته عن مستقبل أوروبا على سومس -السفير البريطاني- بنفس التعابير التي أوردها الإنكليز تقريبا، وأن ديغول يسعى من أجل أوروبا موحدة ومستقلة عن الهيمنة الأميركية، ويأمل أن تشارك بريطانيا في هذا المشروع ليكون قائما على تعاون بريطاني وفرنسي، ولكنه يخشى خصوصية العلاقات البريطانية الأميركية".
 
وقال في مذكرته لكيسنجر "سيطلب منك إعطاء تعليقات حول ذلك، وأوصي بالتأكيد على التزامنا بحلف شمال الأطلسي، والتأكيد على مساندتنا للوحدة الأوروبية، بما فيها انضمام بريطانيا العظمى إلى السوق المشتركة، وتحديد أننا لن نتدخل أبدا في المباحثات الأوروبية الداخلية. وقد حافظ نيكسون بالفعل وبدقة على هذه الخطة في محادثاته".
 
وفي علاقة أميركا بالاتحاد السوفياتي السابق في هذه الفترة، كان كيسنجر يركز على مجموعة من المبادئ التي تصلح لاتخاذها أساسا لطريقته في معالجة قضايا أميركية سوفياتية تمثلت في: مبدأ الواقعية، التحفظ والاعتدال، الترابط والارتباط "الحوادث الطارئة وفي أماكن مختلفة من العالم". 
 
السياسة الثلاثية
"
أعد كيسنجر دراسة قدمها لنيكسون مؤسسة على أن السلام إنما يقوم على عالم غربي مسلح ووحدة أطلسية إستراتيجية
"
شهدت بداية السبعينات انفتاحا أميركيا على الصين، ويعتبر كيسنجر هذه الخطوة من أهم التحولات الإستراتيجية لأن هذا الانفتاح يمثل مكسبا حاسما في بنية العلاقات الدولية، فإنهاء العزلة على الصين ذات المليار نسمة يجنب السلام العالمي تهديدا خطيرا، ويحقق أيضا ضغطا على الاتحاد السوفياتي، ولكنه أيضا عملية معقدة لأن السياسة الخارجية الصينية يمكن أن تؤثر كثيرا على المجموعة الدولية.
 
كان كيسنجر يعتقد أن علاقات ثلاثية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والصين ستكون لمصلحة السعي لإيجاد السلام، وأن العلاقة الأميركية الصينية آنذاك كانت برأيه توحي بالأمل بانتهاء حرب فيتنام المؤلمة. ولكن الصدمة التي تعرضت لها السياسة  الأميركية نحو الصين كان وقعها عظيما، وقادت إلى خلاف كبير مع الشعب.
 
وفي الإستراتيجيات الدبلوماسية كان كيسنجر يعتقد بأن المهارة الدبلوماسية تقوم وتزدهر في ظل قوة عسكرية كبرى، وأن الدبلوماسية لا تستطيع سوى تنمية القدرة العسكرية.
 
كان العالم في نهاية الستينات يشهد توازنا إستراتيجيا مرعبا، وكانت الأسئلة التي توجه التفكير الإستراتيجي الأميركي هي: كيف نستطيع ضمان استقلال وثقة البلدان المتحالفة المهددة من قبل أسلحة الاتحاد السوفياتي الأرضية؟ وأي إستراتيجية يجب اتخاذها لاستخدام الأسلحة الأميركية الذرية؟ وإذا حصلت حرب نووية-حرارية إبادية، فهل يكون استخدام الأسلحة النووية ممكنا؟
 
ويقول كيسنجر تعقيبا على هذا المشهد "عملت أنا وفريقي استنادا إلى التأييد التام من الرئيس على إعادة النظر في العقيدة العسكرية بهدف التصميم والدفاع عن أهدافنا العسكرية ضمن مبادئ معقولة، وتعديل إستراتيجيتنا بموجب حقائق جديدة، ومحاولة تخليص النزاع العام من كل رد فعل حساس".
 
حرب فيتنام
"
كان كيسنجر يعتقد بأن المهارة الدبلوماسية تقوم وتزدهر في ظل قوة عسكرية كبرى وأن الدبلوماسية لا تستطيع سوى تنمية القدرة العسكرية
"
كان نيكسون ومنذ بداية توليه الحكم حريصا على تسوية قضية فيتنام، وكان مثال ديغول والانسحاب الفرنسي من الجزائر ماثلا دائما عند التفكير في القضية، فقد كان الانسحاب قرارا سياسيا وليس هزيمة.
 
وكتب كيسنحر في حينها "إن إستراتيجيتنا العسكرية غير قادرة على الوصول بنا إلى النصر، بل يجب علينا توجيه العمليات العسكرية نحو أهداف تؤدي إلى مفاوضات دقيقة وواضحة، ولن يكتب البقاء لحكومة فيتنام الجنوبية إلا إذا قامت بإعداد منهج سياسي يتمكن الفيتناميون من الاشتراك فيه، وعلى الولايات المتحدة الأميركية أن تعهد للفيتناميين الجنوبيين بمسؤوليات مكثفة في إدارة الحرب، وأن تركز مفاوضاتها على وقف إطلاق النار وتترك للفيتناميين موضوع تقسيم السلطة السياسية.
 
وكان لكيسنجر دور كبير في مختلف المراحل التي مرت بها المفاوضات في شأن الانسحاب من فيتنام وفي تنظيم انسحاب الجيش الأميركي، وقد اقترح على نيكسون انسحابا على مدى عام ينسحب أثناءه 150 ألف جندي بحيث لا يعود إلى الولايات غير عدد قليل من الجنود، والاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من الانسحابات لعام 1971. وقد فهم نيكسون أن هذا سيمنحه مجالا للمناورة وسيكون له تأثير إيجابي على الجماهير.
 
لكن بعدها استدرك قائلا إنه "إذا أعلنا عن انسحاب تعداده أدنى مما أعلناه فإننا نخشى ردود فعل عنيفة من الجمهور، ولذا فقد أعلنا بالنتيجة انسحاب 150 ألف رجل على الأقل خلال العالم القادم، وأننا عازمون في الوقت ذاته على انسحابات رمزية خلال الأشهر القادمة أو عدم إجراء أي انسحابات نهائيا". وقد لقيت فكرته هذه القبول لدى الجهات المعنية.
 
الشرق الأوسط
"
كان لكيسنجر دور كبير في مختلف المراحل التي مرت بها المفاوضات في شأن الانسحاب من فيتنام وفي تنظيم انسحاب الجيش الأميركي منها
"
لم يكن كيسنجر يعرف الكثير عن الشرق الأوسط عندما تولى منصبه في الإدارة  الأميركية، ولكنه بعد فترة وجيزة صار خبيرا في شؤونه.
 
وقد وجد نفسه كما يقول منهمكا في غموض وانفعال وحقد لهذه المنطقة، لأنه عند استلامه منصبه لم يكن لديه متسع لتطبيق ما يفكر فيه عن الشرق الأوسط، ولا الحرية ذاتها التي يملكها في مجالات أخرى. مع ذلك أطلق نيكسون يديه نظريا وعمليا حيث كان من حقه تنظيم المخططات وإسداء نصائح وتحديد مهلة.
 
كما كان مطالبا بمداولات في مجلس الأمن القومي، ولم يكن مفوضا في نهاية عام 1971 بإدارة أي عمل دبلوماسي ما عدا أزمات خطيرة نادرة، كدخول القوات السورية إلى الأردن في سبتمبر/أيلول 1970.

وفي شأن مفاوضات السلام مع إسرائيل يقول كيسنجر إن الملك حسين كان أول حاكم عربي يبدي استعدادا لإجراء مفاوضات حول السلام مع إسرائيل، ويصفه بأنه أحد الزعماء السياسيين الأكثر جاذبية، وكان يدافع على القضية العربية بشجاعة حتى لو شك إخوته العرب في نزاهته، وكان مهذبا بقدر ما كان شريفا.
 
وفي عام 1969 قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بزيارة سرية إلى الاتحاد السوفياتي، وربما تكون هذه الزيارة قد جعلت قضية الشرق الأوسط من أهم القضايا حضورا في العلاقة بين القوتين العظميين.
 
فقد كانت وزارة الخارجية الأميركية تعتقد بأن مشكلة الصراع في الشرق الأوسط هي الأرض، وإذا حلت هذه الإشكالية فإن نفوذ العرب "المتشددين" سيتراجع ويتراجع معه أيضا نفوذ الاتحاد السوفياتي.
 
لكن كيسنجر كان يقدر أسباب الراديكالية العربية في خمسة أسباب رئيسية: احتلال إسرائيل أراضي عربية، والوجود الإسرائيلي ذاته، والاستياء العام من الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومعارضة المصالح الغربية ومعارضة المعتدلين من العرب. ويمكن تسوية أول هذه الأسباب فقط وستبقى بقية الأسباب دون تغيير.
 
وقد رأى أن الطريقة المثلى للوصول إلى السلام هي الوقوف إلى جانب الأصدقاء، وكان على ثقة بأن المعتدلين يمتلكون مفتاح الحل في الشرق الأوسط.
 
كان كيسنجر يعتقد بأن العلاقة السوفياتية  الأميركية يجب أن تتجاوز خلافاتهما حول أزمة الشرق الأوسط حتى بدون اتفاق بين الطرفين، فثمة مصالح أخرى، ولكن السوفيات وقفوا مع العرب بقوة ووفروا السلاح لمصر، ولم يسبق للروس أن عرضوا قواتهم الخاصة للخطر لأجل بلد غير شيوعي، فقد كان هذا الموقف انعطافا في السياسة السوفياتية.
 
"
رأى كيسنجر أن الطريقة المثلى للوصول إلى السلام في الشرق الأوسط هي الوقوف إلى جانب الأصدقاء، وكان على ثقة بأن المعتدلين يمتلكون مفتاح الحل 
"
وكان من أخطر وأهم الأحداث في تلك الفترة الحرب الداخلية التي وقعت في خريف عام 1970 بين المنظمات الفدائية والحكومة الأردنية، وقد انتهت بانتصار الملك حسين على الفدائيين. ولم يمض على هذه الأزمة 48 ساعة حتى نشبت أزمة جديدة موضوعها قاعدة جديدة سوفياتية في كوبا، ثم تلتها أزمة انتخابات في تشيلي.

و
كان كيسنجر يرى أن وحدة حلف الأطلسي تتطلب من الولايات المتحدة تحسين علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، وذلك باتخاذ سياسة حكيمة وحازمة للمحافظة على وضع يمكن من دفاع جماعي وسياسة مرنة لمنع الحلفاء من الارتماء في أحضان موسكو وإقناعهم بأن مصالحهم الحيوية ستؤخذ في الحسبان في مفاوضات "سالت"، وتجنب التقليص الأحادي للقوات  الأميركية في أوروبا لأن ذلك يشجع الميل نحو الخضوع للاتحاد السوفياتي.
 
وبالفعل وباتباع وتطبيق هذه المبادئ يقول كيسنجر لقد تمكنا بالفعل من تهدئة معظم توترات الحلف الأطلسي.
 
وكان ما يثير قلق الاتحاد السوفياتي من الجانب الأميركي هو تأكيدهم على صنع القذائف الصاروخية، ومأزق المفاوضات حول الشرق الأوسط.

الحرب العربية الإسرائيلية
عمل هنري كيسنجر وزيرا للخارجية عام 1972 بعد التجديد للرئيس نيكسون لدورة رئاسية جديدة، وهي المرحلة التي شهدت إنهاء الحرب الفيتنامية، وقد أعطي جائرة نوبل للسلام في أكتوبر/تشرين الأول 1973 بسبب جهوده في إنهاء الحرب.
 
وكانت أهم الأحداث في هذه الفترة هي الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 والتي كان لكيسنجر -بصفته وزيرا للخارجية  الأميركية- دور كبير فيها، وتحسنت العلاقات الأميركية مع الصين والاتحاد السوفياتي، وابتعدت مصر عن المعسكر السوفياتي لتدخل في تحالف مع الولايات المتحدة.

كان دور الاتحاد السوفياتي في أزمة الشرق الأوسط -كما يصفه كيسنجر- متأرجحا، فكانت أسلحته تزيد من تصلب العرب وتؤدي إلى تفاقم خطورة المأزق دون الوصول إلى حل. وفي المقابل كان الشغل الشاغل لأميركا فرض اتفاقية صلح على إسرائيل وعدم السماح لها بإلحاق ضرر بمصالح أميركا مع العرب، إلا أن هذا لم يمنع نيكسون من إقامة علاقات ودية مع اليهود وفي الوقت ذاته كان سند إسرائيل في كل أزمة بقوة تفوق ما يقوم به رئيس أخر، وكان يبدي إعجابه بشجاعة إسرائيل ويقدر في الزعماء الإسرائيليين دفاعهم الصلب عن مصالحهم القومية ويعتبر أن القوة العسكرية هي ورقتهم الرابحة.
 
ويقول كيسنجر إنه لا يستطيع نسيان 13 من أفراد عائلته ماتوا في معسكرات الاعتقال النازية، ولذلك فإنه لن يقبل بأن تحدث تضحيات أخرى بسبب سياسة غير منظمة تفتقر إلى المراقبة. وكان يرى أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يصان على المدى الطويل، إلا إذا ارتبط بمصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية.
 
"
يلخص كيسنجر رؤيته لقضية الشرق الأوسط في أن كل حرب فيه تصبح أزمة عالمية وأن حرمان العرب من حقوقهم سيحمل السوفيات على الوقوف موقف التهديد
"

وقد نشبت في ظل هذه التفاعلات الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، وبدأ كيسنجر فور علمه بإرهاصات الحرب في صباح  6أكتوبر/تشرين الأول اتصالاته مع كل من السفارة السوفياتية ثم مع ت الوزير المصري للشؤون الخارجية، وأعلمهما بأن إسرائيل لن تقوم بهجوم وقائي وأن أميركا كفيلة بذلك. وأرسل برقية عاجلة إلى كل من ملك الأردن وملك السعودية، وكانت أجوبتهما تشير إلى وقوفهما على الحياد. وقد أعرب الملك حسين عن قلقه إزاء هذه الأحداث وبين الملك فيصل أنه مع التضامن العربي، وبقي الاثنان خارج النزاع العسكري.
 
ويلخص كيسنجر رؤيته لقضية الشرق الأوسط بأن كل حرب فيه تصبح أزمة عالمية، وأن حرمان العرب من حقوقهم سيحمل السوفيات على الوقوف موقف التهديد، ويبعد أوروبا عن السياسات والمواقف الأميركية.
 
وهكذا اندلعت الحرب في الشرق الأوسط وأصبحت أميركا على رأي كيسنجر في مواجهة عدد من المسؤوليات تبدو لأول وهلة كأنها متناقضة، فكان على أميركا (كيسنجر) تأمين بقاء إسرائيل والمحافظة على أمنها وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية المعتدلة مثل الأردن السعودية.

المصدر : الجزيرة