عرض/ سكينة بوشلوح
- الكتاب: المقالة الوجدانية في نثر أدباء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
- المؤلف: د. محمد زغينة
- عدد الصفحات: 196
- الناشر: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر
- الطبعة: الأولى 2005
هذا الكتاب نافذة فتحها مؤلفه الدكتور محمد زغينة في بيت النثر الفني في العصر الحديث الذي لا تزال أبوابه مغلقة خاصة في المقال الوجداني في الأدب الجزائري، لأن ما درس منه قليل وهو بحاجة إلى العناية به لمعرفة موارده وكنوزه ودوره في بناء الثقافة العربية الإسلامية وبعث الروح الوطنية، وما تميز به من طرافة وعبقرية تعكس أصالة الجزائريين في ليل الاستعمار، وحتى لا يضيع هذا التراث المتراكم في مجلات وجرائد تلك الفترة الممتدة من 1926 إلى 1954، خاصة أن هذه المجلات بدأت بدورها تتآكل.

بين الرومانسية والوجدانية
حتى يضع القارئ في أجواء جنس المقال الأدبي الرومانسي فضل الكاتب تعريف الرومانسية والوجدانية شارحا أسباب اختياره للوجدانية عنوانا رئيسيا لكتابه، فهو يرى أن الرومانسية في أصلها نزعة إلى التحرر من قيود القرون الوسطى.

إذ هي الفكرة التحررية التي جمعت المضطهدين تمردا على المثالية الأرستقراطية التي زعمها الملوك الأوروبيون لأنفسهم والتي آزرتهم عليها الكنيسة، في ثورة هدفها إحلال حقوق الإنسان محل الواجبات وإحلال العلم محل الدين. فالرومانسية تتجلى في عدم الرضا بالحياة وفي القلق الذي ساد عصر مؤسسيها، كما تبدو في الحزن الغالب على الشعراء الناقمين على كل ما هو موجود.

إذن هي تيار برز في أوروبا انطلاقا من القرن الـ19 حمل لواءه أدباء آمنوا بتحرير الإنسان من الداخل ليتحرر من الخارج، واتجاههم شعري غنائي نحو ألم هادئ محدد المعالم، منعتقين من العقل الكلاسيكي.

واتسمت الرومانسية بالمحلية والوطنية والميل إلى الروحية والطبيعة والصوفية بكل معالمها، فاحتل الحب فيها المقام الأول وهو حب ملائكي عفيف ذو انفعال قوي وحساسية مفرطة بالكآبة وارتداء ثوب الحزن وارتياد الخيال الجامح طلبا للحرية المقدسة.

واجتازت الرومانسية بلادها الأصلية وانتشرت في العالم ووجدت لها صدى في العالم العربي خاصة في لبنان وسوريا ومصر. أما في الجزائر فإن وضعها كمستعمرة وكشعب في حالة مأساوية لعب دورا في انتشار الرومانسية فيها لما لها من مبادئ جذابة ومعان سامية واتجاه نحو الوطنية والحرية.

غير أن الكاتب يرى أن ما يمكن تسميته بالرومانسية عبارة عن وجدانية خاصة لأن الوجدانية وجدت من قبل، بل هي إحدى سمات الإنسان في جل العصور. والوجدانية لون من الأدب الذاتي الغنائي الذي يبتعد عن النظرة الموضوعية للأشياء فيكون صدى لأحاسيس الأديب العفوية وترجمانا لقلقه واستقراره.

الوجدانية وأدباء الجزائر

"
المقالة الوجدانية تجربة حية غير مذعنة للتقريرية لأنها تستمد روحها من ذاتها لا من الحجج والبراهين، فهي أقرب ما تكون من تهويمات صوفية تفيض من عمق المبدع ما يجعلها تملك مشاعر القارئ وتستولي على وجدانه
"
استخدم مصطلح الوجدانية الكثير من الأدباء والنقاد الجزائريين تحفظا على تسمية هذا الأدب بالرومانسي، فالوجدانية أشمل منه لأن الرومانسية مدرسة لها قوانينها وهمومها واتجاهاتها حسب البلدان الأوروبية ووفق محيطها العام والخاص، ولكنها في الأدب العربي والجزائري خاصة وعند أدباء جمعية العلماء المسلمين كانت ظاهرة إنسانية همها التحرر المعتمد على المبادئ الإسلامية، وقد وسمت بالحنين والشوق إلى المثل العليا ومناجاة للأمل المنتظر وللفجر الآتي عند الإبراهيمي وابن باديس وأبي اليقظان وعلي بن حالة.

أما عند رمضان حمود ومبارك جلواح وبلقاسم بن أوراق فقد كانت الروح الرومانسية بادية في نثرهم بسبب إيمان هؤلاء بالتجديد وتأثرهم القوي بحركة النقد في المشرق العربي وبسبب قراءات بعضهم باللغة الفرنسية. فمثلا مبارك جلواح اختير ممثلا لجمعية العلماء المسلمين في فرنسا لإتقانه الفرنسية، وبالتالي كان له اطلاع على أعمال عمالقة الرومانسيين الفرنسيين خاصة.

ومن هنا عمم الكاتب مصطلح الوجدانية على الرومانسية لأن هؤلاء الكتاب لا يتمتعون بدرجة متقاربة على الأقل من حيث التصور الرومانسي للمقال، كما اختار الوجدانية عنوانا لكتابه ليدل على كل ما هو غنائي عربي دون التعلق بتلابيب نظريات الغرب والجري وراء إثبات تأثر أدبائنا بهم.

ولعل هذا المفهوم يؤكده تمسك الكاتب الجزائري عموما بالمحافظة الإيقاعية للجملة النثرية ذات الصيغة الوجدانية حتى في شعريتها نظرا لضخامة الموروث النثري العربي.

فقد أصبحت الكتابة ضربا من النضال لدى الكتاب الجزائريين نظرا لوضعهم السياسي، وظل نثرهم رغم اقترابه من الرومانسية يرفض بشدة كل ما هو غربي ولو كان فنا وجمالا، لأن الصراع الأيديولوجي الحضاري فرض نفسه على الساحة الأدبية.

ومن جهة أخرى كان هؤلاء الكتاب أصحاب رسالة تحررية وقد أخذوا القارئ في الحسبان بكل فعالية، بل إن الجرائد التي نشرت هذه المقالات كانت تشترط نهجا معينا وخطا وطنيا لا يمكن لصاحب المقال أن يحيد عنه.

والمتصفح للأدب الجزائري المنشور في فترة الاستعمار يحس بمدى إيمان الكاتب بالحرف العربي والتصور الإسلامي وبدقة إحساسه ورفاهة تصوره.

وعن خصائص هذه المقالات يرى الكاتب أنها تتدفق بانفعالية وفق الموجبات الشعورية وتسير في خط متناقص إلى أن تبلغ غايتها، وعادة ما تكون متوترة لأن صاحب المقال تصطدم أحلامه بالواقع فلا يستطيع التكيف معه فيحلق في عوالم ذاتية أو وهمية أو مثالية ليطمئن نفسه القلقة الحائرة، فتكون المقالة صدى لهذه الانفعالات ومرآة تعكس هواجسه ورؤيته للكون والحياة.

ويؤكد الكاتب أن المقالة الوجدانية تجربة حية غير مذعنة للتقريرية لأنها تستمد روحها من ذاتها لا من الحجج والبراهين، فهي أقرب ما تكون إلى تهويمات صوفية تفيض من عمق المبدع ما يجعلها تملك مشاعر القارئ وتستولي على وجدانه فيتفاعل معها روحيا أكثر منه لغويا.

نماذج وتعليقات
بما أن الكاتب خص بدراسته هذه أدباء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يجدر أن نشير إلى الدور الهام الذي لعبته الجمعية في الساحة الجزائرية ليس أدبيا وحسب بل -وهو الأهم- سياسيا واجتماعيا وتربويا، إذ ضمت أقطاب الدعوة الإصلاحية من كتاب وصحفيين وشعراء الذين عاشوا أهم أحداث الأمة الإسلامية كتابة ومشاركة بالفكر والمال.

ومن هنا نستنتج توافق الفئة التي اختارها الكاتب في المنهج والهدف كنماذج للمقالة الوجدانية، وقد خص لها مبحثا كاملا بين النص والتعليق عليه.

"
الدور الهام الذي لعبته جمعية العلماء المسلمين في الساحة الجزائرية ليس أدبيا وحسب بل -وهو الأهم- سياسيا واجتماعيا وتربويا، إذ ضمت أقطاب الدعوة الإصلاحية من كتاب وصحفيين وشعراء الذين عاشوا أهم أحداث الأمة الإسلامية كتابة ومشاركة بالفكر والمال
"
فمن مقالات الذكريات الإسلامية قال أبو اليقظان عن مولد النبي صلى الله عليه وسلم "في أرض الحجاز القاحلة وفي بطن مكة المكرمة، تنفس صباح الإنسانية المعذبة عن أبرك مولود وأعز كل موجود وأسعد كل مجدود.. تنفس صباح هذا اليوم عن غلام اهتزت له السماوات والأرض وامتلأ به سمع الدنيا وردد صداه فم العالم.. طلع فجر هذا اليوم عن محمد صلى الله عليه وسلم فكان بهجة الإنسانية ويوم العرب ومهرجان قريش وعرس بني هاشم.. طلع إلى العالم في ذلك اليوم فجران في آن واحد، فجر اليوم الذي لو لم يطلع لما قدر أحد غير الله أن يأتيه بضياء إلى يوم القيامة, وفجر الرسالة الذي لو لم يشرقه الله لما استطاع أحد أن يرسل شعاعا منه إلى يوم القيامة.. أضاء بالأول عالم الأجسام وأضاء بالثاني عالم الأرواح".

ويرى الكاتب أن أبو اليقظان لا يقرر حقائق وإنما يصور الصورة التي وعاها تاريخيا ويصبو إليها في مثل ظروفه تلك ظروف الاستعباد، ولذلك فهو يهفو إلى الحرية ويبحث عن الحياة الإسلامية الحرة النبيلة. وبهذا التصور الإسلامي تغدو السيرة النبوية خواطر وأشواقا إيمانية وتطلعات روحية وإعجابا منقطع النظير.

أما مبارك جلواح فقد نعته الكاتب بالشاعر الرومانسي ذي الخواطر السوداوية التي يبوح فيها بأسرار نفسه ومخاوفها في هذه الحياة منعدمة القيم، وقد استعلى فيها الإنسان متجبرا ليمحق أخاه الإنسان ويغتصب كل ما يملك، ما حوّل المجتمع الجزائري إلى قطيع من البؤساء، حتى الطيور المرحة أصبحت ألحانها لا توحي إلا بالحزن والألم.

ففي خاطرته "البلبل المقفوص" يقول جلواح "أهلا وسهلا بمقدمك الميمون يا مهدئة الخواطر ومبردة العيون.. إيه يا نجية الصبا ورسول عرائس الروض والربى، كأنك على علم بما أقلق مضجعي وأحرق أضلعي تحت جنح هذا الدامس الأسفع وفوق سفح الدارس البلقع، كأنك مخبرة بحال وطني المحتل ورجائي المضمحل.. ويك أيتها الألحان المرنّات رنين السهام بين حنايا الضلوع، هل لك ما أبقته لي الحوادث من دماء وخلفته مني الكوارث من رمق؟ ويك يا قدمي هل لك أن تسعفيني بالمسير نحو هذا الأنين المفتت للأكباد حتى نقف على هذا المغرد النائي فنكشف عن سر نواحه".

ثم يعرج الكاتب على فكر الإمام عبد الحميد بن باديس ونظرته للحرية التي يراها الكاتب مثالية لا حرية أقوال وخيال، إذ يقول الإمام "أيتها الحرية المحبوبة.. تحتفل بأعيادك الأمم وتنصب لتمجيدك التماثيل ويتشدق بأمجادك الخطباء ويتغنى بمفاتنك الشعراء ويتهالك من أجلك الأبطال وتدك لسراحك القلاع والمعاقل.. ولكن أين أنت في هذا الوجود؟.. فتشت عنك في قصور الأغنياء فوجدت القوم قد استعبدهم الدينار وغلت أيديهم إلى أعناقهم الشهوات.. فتشت عنك في أكواخ الفقراء فوجدت المساكين قيدهم الفقر فرماهم في غيابات الجهل ودركات الشقاء.. فتشت عنك في الشعوب القوية فوجدت العتاة الطغاة قد قيدتهم الأطماع في تراث الضعفاء.. فأين أنت أيتها الحرية المحبوبة؟؟".

هذا النص حسب رأي الكاتب لون من ألوان المقال السياسي الذاتي الوجداني الذي يتغنى فيه الأديب بالحرية، إذ وقف وقفة تأملية راحلا في التاريخ والحرب العالمية الثانية التي بدأت نيرانها تحصد البشر.. هذه الحرية التي يتشدق بها المستعمرون الفرنسيون ويحتفلون بها ويتخذونها مبدأ حياتهم ويدفنون طالبيها في سجونهم، فابن باديس مصلح قبل أن يكون فنانا، لذلك غلبت عليه الناحية الروحية فكان السرد التأملي في الواقع والحياة هو الغالب على النص.

كما ذكر الكاتب نماذج لنصوص أدبية لكل من الشيخ البشير الإبراهيمي والناقد رمضان حمود والأديب بلقاسم بن أوراق وعلي بن حالة وغيرهم لا يتسع المقام لذكرهم جميعا.

مدرستان فنيتان
بالنظر إلى الخصائص الفنية لهذه المقالات ميز الكاتب بين مدرستين: الأولى بزعامة ابن باديس والإبراهيمي وأبو اليقظان واعتبرها مدرسة المحافظين لاعتمادها أسلوبا قويا جزلا يقوم على السجع والمحسنات اللفظية، وتتسم فيها القدرة على توظيف المفردات توظيفا موسيقيا مع حسن الربط بينها وبين المعاني بموازنة دقيقة محكمة بين الأشباه والنظائر.

كما يرتكز أسلوب هذه المدرسة على التكرار سواء في اللفظ أو في العبارة، إذ يكتسب أهمية كبرى بملاءمة أسلوب الكتاب لمنهجهم التحرري الثوري الذي يهدف إلى الإثارة وتحريك الهمم وبث روح المقاومة.

"
مطلوب مزيد من الدراسات للكشف عن جهود الرواد في خدمة الأدب العربي الحديث في الجزائر واتخاذه سلاحا ضد الاستعمار بأسلوب مشبع بروحانية الشرق ومشاعر الاغتراب
"
ومن ذلك قول الإبراهيمي لوطنه "سلام عليك يوم لقيت من عقبة وصحبه بِرا فكنت شامخا مشمخرا, ويوم لقيت من بيجو وحزبه شرا فسلمت مضطرا وأمسيت عابسا مكفهرا وللانتقام مسرا, وسلام عليك يوم تصبح حرا متهللا مفترا معتزا بالله لا مغترا".

أما المدرسة الثانية فهي مدرسة الرومانسيين ومنهم رمضان حمود ومبارك جلواح وغيرهم لاعتمادهم لغة الوجدانيين برؤاها وأحلامها وبمفرداتها وتراكيبها المستوحاة من الطبيعة الواعية الحية المتفاعلة، بعيدا عن الوصف السطحي واللغة القاموسية المباشرة، فجاءت مشخصة للمشاعر الإنسانية بحس مرهف فإذا بنا أمام لغة جديدة بالنسبة لتلك الفترة تصور نمطا من الأطياف والأحلام والتأملات، ما يدل على استيعاب هؤلاء الكتاب للغة الرومانسيين ليعبروا بها عن آلامهم حين أحسوا بمأساة شعبهم في أتون الظلم وغربتهم فوق أرضهم.

ويقر الكاتب في الأخير أن هذه المقالات الوجدانية أقرب إلى النفس من المقالات العامة الأخرى لأنها تلامس الحقيقة الأدبية دون أن تصدم القارئ، ما يدل على رسالية هذه المقالات وعمق اطلاع أصحابها وسعة أفقهم وتمكنهم من اللغة.

كما يدعو النقاد إلى مزيد من الدراسات للكشف عن جهود هؤلاء الرواد في خدمة الأدب العربي الحديث في الجزائر واتخاذه سلاحا ضد الاستعمار بأسلوب مشبع بروحانية الشرق ومشاعر الاغتراب، ما فجر طاقات كثيرة كان لها الفضل في استرجاع الحرف العربي لدوره الطلائعي التحرري في الجزائر، فكانت بذلك خير ممثل للمقال العربي الجزائري أثناء حقبة الاحتلال الفرنسي.



المصدر : الجزيرة