عرض/علاء بيومي
مؤلف كتاب "عودوا إلى العظمة: كيف فقد الأميركيون شعورهم بالهدف وما المطلوب فعله لاسترجاعه" آلان وولف أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوستن الأميركية، معروف بمقالاته العديدة التي تمزج بين السياسي والفلسفي وتحاول أن تعكس الخلفيات الفكرية والسياسية للسياسات الأميركية المعاصرة.
 

- الكتاب: عودوا إلى العظمة
- المؤلف: آلان وولف
- عدد الصفحات: 224
- الناشر: برنستون يونيفرستي برس، نيوجرسي
- الطبعة: الأولى 2005

الكتاب الذي نحن بصدده يمثل محاولة على نفس السبيل، فهو يحاول بحث الجذور الفكرية والفلسفية الموجودة في التراث الأميركي والتي يبني صناع القرار الأميركي سياساتهم على أساسها.

فالمؤلف يؤمن بأن السياسات التي يطرحها الساسة الأميركيون في الوقت الراهن لها جذور فكرية وفلسفية متشعبة في التاريخ الأميركي وفي وجدان الشعب نفسه الذي يسعى السياسيون لإرضائه أو للتغرير به من خلال سياساتهم وخطاباتهم، لذا يعد الكتاب واحدا من الكتب التي سعت منذ 11/9 لبحث قضية الهوية الأميركية وهدف أميركا كشعب ودولة وأمة.
 
بقي أن نوضح في هذه المقدمة أن المؤلف ينطلق من وجهة مساندة بوضوح للتوجه الليبرالي وللحزب الديمقراطي، ما ينتقص إلى حد ما من حياد أفكاره ومواقفه حيث يصعب على قارئ الكتاب عدم ملاحظة تحامل صاحبه المستمر على اليمين الأميركي بشكل عام.

البحث عن العظمة الأميركية
في مقدمة الكتاب يشير آلان وولف إلى سعيه المستمر في الماضي للعثور على بديل أو طريق وسط بين اقتصادات السوق والدولة، إذ يرفض فكرة أن اقتصادات السوق وحدها أو الدولة بمفردها قادرة على إصلاح مشاكل المجتمع.
 
ويقول إنه كان يعتقد أن الحل يكمن في زيادة دور "المجتمع المدني" كمصدر لحلول مشاكل أميركا الداخلية والخارجية، ولكنه وجد بعد 11/9 أن المجتمع المدني الأميركي ساذج وغير موحد وغير قادر على تقديم حلول جادة لدولته في مجالات رئيسية كالأمن القومي وإعادة توزيع الثروات، ومن هذا المنطلق كتب وولف هذا الكتاب معترفا منذ البداية بصعوبة العثور على الطريق الثالث الوسطي.
 
"
عظمة الأمم تقوم على أعمدة ثلاثة منها أن تمتلك الدولة أهدافا كبرى داخلية وخارجية تسعى لتحقيقها
"
يبدأ الفصل الأول بمطالبة الشعب الأميركي بأن يأخذ بلده بالجدية التي ينظر بها بقية العالم لأميركا، ويرى أن عظمة أي أمة لا تتأتى من خلال شهرتها، أو عن طريق بعض المراسم الوطنية الاحتفالية، أو بامتلاك القوة الباطشة، أو بإدخال بعض الإصلاحات البسيطة المطلوبة.
 
وفي المقابل يقدم وولف تعريفه الخاص بالعظمة والذي يتمحور حوله الكتاب، إذ يرى أن عظمة الأمم –وحديثه عن أميركا بالأساس- تقوم على أعمدة ثلاثة:
 
أولها أن تمتلك أهدافا كبرى داخلية وخارجية تسعى لتحقيقها. وهنا يرى أن هناك علاقة بين عظمة الداخل وعظمة الخارج، فالسعي لتحقيق العظمة في الداخل يجب أن يرتبط بالسعي لتحقيق العظمة على مستوى السياسة الخارجية وأن يقود إليها والعكس، فهو لا يؤمن بازدواجية أو تجزئة القيم.
 
الأساس الثاني للعظمة هو وجود قيادة قومية قوية قادرة على تعبئة موارد أميركا القومية لتحقيق أهدافها من خلال وضع البرامج وبناء المؤسسات اللازمة لذلك. ويترتب على ذلك الأساس الثالث للعظمة الأميركية وهو تحمل تكلفة العظمة من خلال حشد الموارد لحمايتها من أعدائها ولنشرها في الداخل والخارج على حد سواء.
 
ويرى وولف أن العظمة تكمن في السعي لتحقيقها حتى لو فشل القائمون عليها والساعون لها في الوصول إلى غاياتهم النهائية فيكفيهم شرف المحاولة.
 
كما يرى أن العظمة الأميركية ترتبط في التاريخ والحاضر بعدد قليل من القادة الأفذاذ على أمثال إبراهام لنكولن وجون آدامز وثيودور روزفلت، كما يمثلها في الحاضر قادة آخرون مثل جون ماكين، وجوزيف بايدن، ووسلي كلارك، إذ يشترك هؤلاء وغيرهم من مناصري العظمة الأميركية في إيمانهم بالأفكار السابقة.
 
"
الشعب الأميركي يعاني من الانفصام في رؤيته لذاته مقارنة بواقعه، فهو ينظر لنفسه على أنه شعب عظيم لكنه في الواقع يرفض تحمل تكاليف العظمة
"
أما عن أسباب اعتقاده بأن القادة العظماء هم أقلية وليسوا أغلبية في أميركا فترجع إلى اعتقاده بأن القيم والأهداف الكبرى والبرامج العظيمة أشياء يطالب بها الشعب والمجتمع وليس الدولة، فإذا لم يسع المجتمع نفسه إلى العظمة فلا يمكن لأي قائد أن يحققها.
 
وهنا يرى الكاتب أن الشعب الأميركي عبر تاريخه لا يميل إلى العظمة ويستبدلها ببديل أخر يطلق عليه الكاتب "الجودة الأميركية"، ولا يقدم عبر كتابه تعريفا محددا لمفهوم هذه الجودة، فهو يربطه بنوع من الرضا عن الذات القائم على أساس القيام بحد مناسب من السياسات الإيجابية والخيرة التي يفضل أن يقوم بها المواطن الأميركي بدلا من أن يتحمل تكاليف العظمة الباهظة.
 
وهنا يكشف وولف عن إحدى الأفكار المحركة له ككاتب والتي عبر عنها في فقرات متفرقة من كتابه، إذ يرفض المبالغة في نقد الأميركيين ويرى أن التشاؤم والتركيز على السلبيات والمبالغة في نقد الشعب خطأ سياسي فادح لأن الشعب الأميركي لا يحب هذه السلبية، كما أن السلبية لا تفيد.
 
أما عن رفض الأميركيين للعظمة فيرى أنه يرتبط بعدة أسباب مثل تكلفة العظمة الباهظة والتي يرفضونها، ومثل عدد كبير من الأفكار المدفونة في عقلية المواطن الأميركي التي تجعله يرضى بالحد الأدنى من السياسات الجيدة مثل الشك في سلطة الحكومة التنفيذية، والخوف من الجيوش النظامية، والالتزام بالحرية الفردية، والتردد في المشاركة في القضايا الدولية، والتردد في تطبيق برامج الرفاهية الاجتماعية.
 
ويرى الكاتب أن الأفكار السابقة جيدة ولكنها لن تساعد الأميركيين على الوصول إلى العظمة التي ينبغي عليهم الوصول إليها، وأكثر من ذلك يرى أن أعدادا كبيرة من الأميركيين لا تضع "الجودة" نفسها على قمة أولوياتهم، ومن ثم لا يبالون بتحقيق "العظمة الأميركية" من أساسها.
 
كما يرى أن الشعب الأميركي يعاني من الانفصام في رؤيته لذاته مقارنة بواقعه، فهو ينظر لنفسه على أنه شعب عظيم، ولكنه في الواقع يرفض تحمل تكاليف العظمة، وهنا فإن المجتمع الذي يفضل فكرته المثالية عن ذاته على حساب واقعه شعب لا يستطيع بقية العالم الثقة فيه.
 
الجودة مقابل العظمة
"
أنصار الجودة الأميركية يغلب عليهم التشاؤم بخصوص الطبيعة البشرية والآخرون يخشون أوربا والعالم والحداثة وتبعاتها
"
في الفصل الثاني يقوم الكاتب بمقارنة فلسفية بين الجودة والعظمة كمبدأين فكريين في التاريخ الأميركي يمثل كل منهما نظرة معينة -للطبيعة البشرية والمبادئ والتاريخ- ذات الجذور المتشعبة في الفكر الأميركي.
 
ويرى أن أنصار الجودة الأميركية يغلب عليهم التشاؤم بخصوص الطبيعة البشرية، والآخرين يخشون أوربا والعالم والحداثة وتبعاتها، كما يخشون الدولة وسلطتها، ويؤمنون بأن الإنسان بطبيعته سيئ ميال للسلطة والبطش ويحتاج إلى نظم قانونية ودستورية قوية لقمعه، ومن ثم يفضلون الإبقاء على التقاليد والنظم القائمة ويرفضون تغييرها، كما يرفضون قراءة الواقع الجديد والتعلم من التاريخ.
 
أما مناصرو العظمة –كما يتصورهم المؤلف– فهم متفائلون يؤمنون بأن البشر يتعلمون من أخطائهم ويسعون لإصلاح أنفسهم وبناء مجتمعات قوية تساعدهم على بناء بشرية أفضل، لذا فهم منفتحون على التجربة والخطأ ويرون أن الخطأ أفضل من الإبقاء على نظم فاشلة، كما أنهم يرون أن لهم دورا تاريخيا لذا يسعون للتعلم من التاريخ ويحاولون دوما قراءة الواقع في ضوء قراءتهم للعظمة كما وجدت في أفضل فترات التاريخ الأميركي.
 
وهنا يعبر وولف عن اعتقاده بأن الرئيس جورج دبليو بوش في إدارته الأولى لم يبن سياساته ومواقفه على مبادئ معينة، بل سعى لاستغلال -واللعب على- مخاوف الأميركيين لمصلحة برنامجه الانتخابي وبقائه في السلطة.
 
كما يرى أن أحداث سبتمبر/أيلول أعطت بوش تحديا عظيما مثل فترات التحدي الكبرى في التاريخ الأميركي، وكان يمكن لبوش استغلال الفرصة لتوحيد أميركا والعالم لبناء العظمة الأميركية، ولكنه فشل في المهمة ووضع سياسات قسمت أميركا والعالم، ما قد يصعب من مهمة الحكام الأميركيين المستقبليين في إدراك العظمة الأميركية.
 
المحافظون في مواجهة الليبراليين
"
أمرٌ ما أفقد الليبراليين طاقتهم منذ حرب فيتنام حيث أصابتهم عقدة لم يشفوا منها حتى الآن، عقدة قسمتهم وأفقدتهم ثقتهم بأنفسهم
"
في الفصلين الثالث والرابع يجري وولف مقارنة بين مواقف المحافظين ومواقف الليبراليين من العظمة الأميركية، حيث يرى أن صعود قوة المحافظين إضعاف لهذه العظمة لأنهم يقفون ضد مبادئها.
 
فهم بفرقهم المختلفة يرغبون في العودة إلى الماضي ويرفضون الحاضر والعولمة والحداثة، وينظرون إلى الماضي الأميركي على أنه مثالي، وينظرون إلى المجتمع الأميركي حاليا على أنه مجتمع منهار أخلاقيا، ويرفضون التعددية، ويريدون الحد من دور الدولة القومية وتقوية الولايات على حساب الأمة.
 
كما أنهم لا يعارضون استخدام القوة العسكرية ما دامت منخفضة التكلفة، ومن هنا فهم يتميزون بطبيعة انتهازية تعلي أفكارهم وأيدولوجياتهم على مصلحة الأمة الأميركية.
 
أما بالنسبة لليبراليين –الذين يتحيز إليهم المؤلف– فيرى أنهم من وضعوا البرامج الأميركية العظيمة في القرن العشرين وتحديدا في فترة ما بين الحربين والتي حاربوا خلالها الكساد الكبير وزادوا من دور الدولة في مواجهة البطالة والفقر، كما أيدوا الحرب على النازية وقادوا ثورة الحقوق المدنية.
 
لكن الكاتب يرى أن أمرا ما أفقد الليبراليين طاقتهم منذ حرب فيتنام، إذ يرى أنها أصابتهم بعقدة لم يشفوا منها حتى الآن، عقدة أفقدتهم ثقتهم بأنفسهم وقسمتهم قسمين، إذ ترك صقور الليبراليين الليبرالية وأصبحوا محافظين جددا، أما الحمائم فقد بقوا في الحزب وتحولوا نحو العزلة والانغلاق ورفض التدخل العسكري.
 
ولذا يرى أن الليبرالية لم تنهزم كأفكار لأنها وضعت أهم البرامج الأميركية في القرن العشرين والتي لا يمكن للمحافظين إلغاؤها أو الإتيان بمثلها، وأن أفكار الليبرالية انتصرت انتصارا كاسحا وأصبحت مسيطرة على السياسات الأميركية المعاصرة، لكن أصحابها انهزموا لأنهم فقدوا طاقتهم، حيث يعترف بأن المحافظين أصبحوا أكثر تواجدا في أوساط الناخبين الأميركيين وأكثر قدرة على الفوز بأي انتخابات تجرى في الفترة الراهنة.
 
كما أن الليبراليين لا يمتلكون في الوقت الحاضر رؤية بديلة واضحة لسبل استخدام القوة العسكرية الأميركية.
 
رؤية للمستقبل
يبني آلان وولف نظرته للمستقبل على اعتقاده بأن سياسات بوش الداخلية والخارجية وعلى رأسها الحرب على العراق لابد أن تشعر الأميركيين بشكل عام والليبراليين بوجه خاص بحجم التحدي الذي يواجهونه، مؤكدا أن الأميركيين فقدوا منذ فترة ثقتهم بمختلف مؤسسات السياسة المدنية بالولايات المتحدة بعد ما أصبحت مؤسسات نخبوية منعزلة عن الجماهير.
 
ولذا فالكاتب يدعو الليبراليين إلى الاهتمام بإعادة بناء الأحزاب والمؤسسات المدنية المرتبطة بالجماهير وقضاياهم، معربا عن اعتقاده بأن يؤدي تدهور الأوضاع في العراق إلى عودة التوجهات الانعزالية داخل أوساط المحافظين، وإعطاء الليبراليين الطاقة التي فقدوها كي يسعوا بدورهم لإعادة بناء العظمة الأميركية، وهي مهمة لن تكون سهلة فالعظمة احتلت دائما في التاريخ الأميركي موقف الدفاع عن نفسها وتبرير أهدافها أمام تيار الجودة الطاغي على الشعب وأفكاره.

المصدر : الجزيرة