شيرين يونس – أبو ظبي
يقدم التقرير الإستراتيجي الخليجي عرضا وتحليلا للمستجدات والتفاعلات داخل منطقة الخليج العربي من جميع النواحي خاصة السياسية والإستراتيجية من خلال رصد وحساب وتقييم مؤشرات التوتر والتعاون الإقليمي والاستقرار السياسي في كل دول الخليج بصورة توثيقية وتحليلية لفهم ما يجري في هذا الجزء من الوطن العربي.

التفاعلات الخليجية
يرصد الباحث الأوضاع التي سادت الخليج من خلال مجموعة من المؤشرات تتضمن التعاون والتوتر والعولمة والعنف والتعاون الإقليمي.

-الكتاب: التقرير الإستراتيجي الخليجي 2004-2005
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-
عدد الصفحات: 318
-
دار النشر: مركز الخليج للدراسات- دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر
-
الطبعة: الأولى 2005

فرغم أن التعاون كان الملمح الأبرز لمنطقة الخليج عام 2004، فإن التوتر زاد عما كان عليه عام 2003، كما تركز في مثلث شمال الخليج (إيران والعراق والكويت)، فاحتلت إيران في مؤشر التوترات المرتبة الأولى خليجيا، تلاها العراق ثم الكويت، بينما سادت علاقات الوئام والتعاون جنوب ووسط الخليج.

وتؤكد النتائج رغم بعض التوترات يستمر التعاون على المستوي الاقتصادي و المشروعات الخاصة بين دول الخليج.

بينما احتلت الإمارات مرتبة (الدولة الأكثر عولمة) في منطقة الخليج، تلتها عمان فقطر فالكويت فالسعودية فالعراق فالبحرين، (على التوالي)، وأخيرا تحسب إيران الدولة الأقل عولمة، وذلك بسبب ضآلة انفتاحها في المجالين الاقتصادي والثقافي.

كما اتخذت دول الخليج بعض التحركات الجماعية للاندماج مع العالم مثل توقيع الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي مع كل من الصين والهند وباكستان، كذلك إقرار مذكرة تفاهم دولية خاصة بالتفتيش والرقابة على السفن في موانئ دول المجلس.

وأظهرت الدراسة أن دول مجلس التعاون الخليجي اهتمت بخطوات الاندماج كأحد مستويات مؤشر التعاون الإقليمي خلال العام 2004، من خلال الاتفاقيات والتشريعات التي أقدمت عليها لتوثيق العلاقات الخليجية، وجاءت الكويت على رأس القائمة فيما يتعلق بمؤشر التعاون تلتها البحرين فإيران ثم العراق، ثم الإمارات العربية المتحدة، ثم السعودية وأخيرا سلطنة عمان.

وفي ما يخص مؤشر العنف يؤكد الباحث اعتبار العراق حالة استثنائية بين الدول الخليجية، باعتبار أن مشهد العنف بالعراق أصبح أكثر طغيانا من مشهد النظام والاستقرار.

وغير العراق جاءت السعودية والكويت في المراتب الأولى والثانية على المستوي الخليجي فيما شهدته من أحداث عنف، بينما سجل لدول الخليج خلال هذا العام توقيعها الاتفاق الأمني الخليجي المشترك لمكافحة الإرهاب.

مجلس التعاون الخليجي

"
التطورات التي شهدها الخليج عام 2004 أكدت ضرورة أن يكون أمن الخليج مسؤولية دول الخليج وحدها من خلال تصور لنظام أمنى مشترك بين دوله، مع ضرورة وضع إطار لعلاقات إقليمية مثلى مع القوتين الخليجيتين الأخريين (إيران والعراق)
"
تعددت تحديات مجلس التعاون الخليجي، سواء الداخلية منها والإقليمية والدولية.

فيأتي الإصلاح السياسي على قائمة هذه التحديات، فكثرت اللقاءات والمؤتمرات المتعلقة بدعوة الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، التي حذرت من التلكؤ والتباطؤ في الأخذ به، واعتبرته مطلبا لا محيد عنه، خاصة أن مواجهة الإرهاب الذي شهدته بعض الدول الخليجية تتطلب مواجهته على الجبهتين الأمنية والفكرية معا، وهو لن يتحقق إلا بتبني خطوات الإصلاح السياسي.

كما شاب العلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي توتر بسبب اعتراض المملكة السعودية على توقيع البحرين اتفاقية منفردة للتجارة الحرة مع أميركا، ما أكد صعوبة تحول المجلس إلي تكتل اقتصادي سياسي أمنى كما كان الطموح، ووضع الدول الأعضاء أمام خيارين إما القبول بالموقف السعودي بتوجيه المجلس نحو مزيد من التكامل والتكتل وإما القبول بالمطالب الأميركية.

ويري الباحث أن الخطر الأكبر الذي يواجه المجلس، يكمن في نمط العلاقات التي تربط بين دوله، التي تعبر عن أطنان من الخلافات السياسية آخذة في التراكم.

كما تفاقمت خلال العام 2004 تهديدات البيئة الإقليمية المحيطة بالمجلس بفعل تردى الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، فتشكلت مقاومة شعبية داخل دول مجلس التعاون اتخذت شكلا طائفيا، بالإضافة إلى الأفكار الجديدة لنظام الأمن الإقليمي بعد سقوط نظام صدام حسين والتهديدات الناتجة عن تصاعد الأزمة الأميركية الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني.

كل هذه التطورات أكدت ضرورة أن يكون أمن الخليج مسؤولية دول الخليج وحدها من خلال تصور لنظام أمنى مشترك بينها، مع ضرورة وضع إطار لعلاقات إقليمية مثلى مع القوتين الخليجيتين الأخريين (إيران والعراق).

أما مشروع "الشرق الأوسط الكبير" فهو أهم التحديات الدولية التي تواجه دول مجلس التعاون، حيث يهدف إلى جعل العلاقات العربية بكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية على حساب العلاقات العربية–العربية.

العراق
رغم الأحداث المأساوية التي عايشها العراقيون عام 2004، فلا ينفي ذلك الخطوات التي اتخذت على صعيد العملية السياسية.

ففي هذا العام، تسلمت السلطة حكومة عراقية مؤقتة، كما وضع قانون إدارة الدولة العراقية في المرحلة الانتقالية، وجرى اختيار أعضاء المجلس الوطني المؤقت، ورغم ذلك لاقت العملية السياسية العديد من الصعوبات في ظل الهيمنة الأميركية بالعراق.

وما يؤكد ذلك الجدل الذي ثار حول إجراء الانتخابات في يناير/ كانون الثاني 2005، فالبعض أيد إجراءها ولكن مع تأجيل موعدها بسبب الأوضاع الأمنية المذرية في العراق، ورفضها البعض بدعوى عدم شرعيتها لإجرائها في ظل وجود الاحتلال، بينما رأى فريق ثالث ضرورة إجرائها في موعدها المحدد واعتبرها عاملا مهما في إرساء الأوضاع الأمنية.

وعبرت الفتاوى عن هذا التناحر، فبينما أعلنت المرجعية الشيعية أنه من لا يصوت سيدخل جهنم، أصدر زعماء السنة فتوى بأن كل من يشارك في الانتخابات في ظل الاحتلال إنما هو عاص.

بينما وصف الباحث انتخابات الـ30 من يناير/ كانون الثاني بأنها ستخلق مشكلة جديدة تضاف إلي الأعباء القائمة.

إيران

"
بينما تبنت السياسة الأوروبية والوكالة الدولية للطاقة الذرية ممارسة الضغوط الدبلوماسية على إيران، زاد الموقف الأميركي والإسرائيلي على ذلك بالتهديد بإحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن ثم بالتهديد باللجوء إلي الخيار العسكري
"
شهد عام 2004 العديد من مظاهر التناحر بين المحافظين والإصلاحيين على الساحة الإيرانية، وكانت انتخابات مجلس الشورى السابع والانتخابات الرئاسية التاسعة ذريعة لهذا الصراع.

فبداية اختلف موقف الطرفين حول قضية سلطة مجلس الصيانة الذي يتيح له الدستور الإيراني الإشراف على انتخابات خبراء القيادة ورئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى، ما جعل المجلس يستبعد آلاف المرشحين للانتخابات التشريعية.

فبينما دافع المحافظون عن حق المجلس في الرقابة التصحيحية بمقتضى المادة (99) من الدستور، رفض الإصلاحيون الإقرار بذلك، ونادوا بإجراء استفتاء على شكل النظام الإيراني.

كما استغل المحافظون الانتخابات الرئاسية وأعلنوا حيازتهم مستندات تثبت فساد المسؤولين الإصلاحيين، وردوا أزمة إيران الاقتصادية لسوء أداء الحكومة، بينما اتهمهم الإصلاحيون بالانتهازية لإثارة القضايا الاقتصادية قبيل الانتخابات من باب الإحراج السياسي.

وتعددت أدوات الصراع السياسي، بدءا من التهديد بمقاطعة الانتخابات التشريعية أو بالاستقالة من قبل النواب والمحافظين ونواب الرئيس، إلى العنف سواء قبل الانتخابات التشريعية أو قبل الانتخابات الرئاسية، كما تدخلت الصحافة كساحة لهذا الصراع.

من جهة أخرى حاولت إيران التعامل مع واقع احتلال العراق لمصلحتها، فرحبت بنقل السلطة وتعاملت مع الحكومة المؤقتة رغم ما شاب هذه العلاقة من أزمات، كما أيدت إجراء انتخابات تفضي إلى حكومة يهيمن عليها الشيعة، خاصة أن تبني خيار المقاومة يعرضها لأعمال تصعيد من جانب الإدارة الأميركية.

ويعتبر الملف النووي الإيراني أهم الملفات الإيرانية عام 2004، حيث عرضها للعديد من الضغوط، فبينما تبنت السياسة الأوروبية والوكالة الدولية للطاقة الذرية ممارسة الضغوط الدبلوماسية، زاد الموقف الأميركي والإسرائيلي على ذلك بالتهديد بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن ثم بالتهديد باللجوء إلي الخيار العسكري.

وتراوح الرد الإيراني بين المرونة والتشدد، فرغم تمسكها بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية فهي ترفض فرض وقف نشاط التخصيب من جهة أخرى، كما رفضت التهديد بالضربة العسكرية لمنشآتها النووية، وهددت بتدمير مفاعل ديمونة إذا تعرضت لهجوم إسرائيلي.

وانتهت هذه الممارسات والتفاعلات بعدم إحالة ملفها إلى مجلس الأمن، رغم قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي سجل عليها ارتكابها بعض المخالفات تجاه التزاماتها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

ميزان القوى والتسلح في منطقة الخليج
استغل الكثير الفوضى على الساحة العراقية، وأصبحت العراق مسرحا لكثير من التنظيمات الدولية لمواجهة القوات الأميركية، وكذلك أجهزة الاستخبارات من الدول المجاورة.

وبعد أن انتقل الثقل العسكري للولايات المتحدة إلى قلب الخليج العربي، أصبحت الدول الخليجية عاجزة عن الاعتماد على قواتها الذاتية لتحقيق الأمن المشترك فيما بينها أو خلق تحالف أمني خليجي أو حتى التواصل مع بقية الدول العربية لخلق تحالفات جديدة، ما جعلها تحت سيطرة سياسات هذه القوة العظمى.

كل ذلك دفع دول الخليج العربي إلى إنفاق نحو 16 مليار دولار ما بين العامين 2000 و2003، لتجهيز وتسليح قواتها العسكرية، بينما وعلى جانب آخر استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تطوير مقدرتها العسكرية بمساعدة روسيا ودول شرق آسيا، كما طورت من مقدرتها الذاتية في مجال التطوير والتصنيع، بالإضافة إلى تطوير البرنامج النووي لها، ما جعل من إيران القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة.

ونتيجة لهذا الوضع الجديد يري الباحث أن التحدي الأساسي الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي هو وضع إستراتيجية للعمل في ظل وجود قوات أجنبية كبيرة على أراضيها، وفي المناطق المحيطة بها، يكون أساسها إمكانية التخطيط المستقبلي الحر والبعيد المدى والخالي من الضغوط الخارجية.

الهيمنة الأميركية في الخليج

"
لكي تتعامل دول الخليج مع مؤشرات الهيمنة الأميركية على المنطقة لا بد من تحقيق إنجازات تكاملية على صعيد سياستها الخارجية، وتصحيح مسار تلك السياسات التي تتسم بالتضارب والاضطراب بالإضافة إلى التخلص من الخوف النفسي الذي يعتبر مصدرا للعديد من الأوهام
"
تعددت التصورات حول الأهداف العليا لاندفاع الولايات المتحدة نحو منطقة الخليج وبقائها فيها زمنا طويلا، بين رغبتها في السيطرة على النفط الخليجي، وإعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط، لدمج إسرائيل في محيط المنطقة العربية، أو الذهاب إلى وجود دوافع حضارية ودينية تقف وراء المخططات الأميركية.

وما يزيد الصورة قتامة إسقاط الجانب الدبلوماسي من بين الخيارات المتاحة أمام دول الخليج، ما يدفعها ببساطة إلي الاستسلام لكل المطالب الأميركية دون إبداء أي تحركات تفاعلية.

كل ذلك يضع العواصم الخليجية أمام مشكلة حقيقة تتمثل في كيفية التعامل مع تصورات مؤشرات الهيمنة الأميركية على المنطقة؟

ويضع الباحث مجموعة من المحددات الإستراتيجية للإجابة على هذا التساؤل، أولها مدى قدرة الدول الخليجية على تحقيق إنجازات تكاملية على صعيد سياستها الخارجية، وتصحيح مسار تلك السياسات التي تتسم بالتضارب والاضطراب.

بالإضافة إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية في التعامل مع الجانب الأميركي، وهو ما يتطلب إعداد الكوادر وتطوير الأفكار والمفاهيم وكذلك تحسين شبكة العلاقات الدبلوماسية مع القوى الدولية الفاعلة الأخرى غير الولايات المتحدة الأميركية.

بالإضافة إلى التخلص من الخوف النفسي الذي يعتبر مصدرا للعديد من الأوهام والمخاوف المتضخمة فيما يتعلق بالهيمنة الأميركية في المنطقة.

كما أكد الباحث على ضرورة التحرك نحو الإصلاحات الديمقراطية، لأن واشنطن تعتبرها ثغرة أمنية تستغلها للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية.

وأخيرا إعادة النظر في السلوكيات الخليجية في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والتعليمية، فهذه السلوكيات الخاطئة تسهل مهمة واشنطن في إحكام قبضتها على مقدرات المنطقة.

المجالس التشريعية في دول الخليج
تعانى معظم البرلمانات الخليجية من عدم الفعالية، لأن نشأتها جاءت منحة من النظام، وليس استجابة لمتطلبات مجتمعية، ما يصعب معه القيام بأي دور مهم في الحياة السياسية.

كما تتسم بسيطرة النخبة الدينية العشائرية أو النخبة المالية الاقتصادية، بينما البعض يعكس صعود النخبة التعليمية والعلمية، في حين أنها شبه خالية من العنصر النسائي عدا بعض السيدات في بعض المجالس عيِّن بمرسوم ملكي أو سلطاني.

ويؤكد الباحث أن تطوير المجالس لتكون برلمانات بالمعنى الحقيقي بحاجة لتطوير وتغيير الدساتير والقوانين وفلسفة الحكم، ما يقتضي ألا تنظر الأنظمة إلى البرلمانات على أنها شر مطلق وإنما باعتبارها أكبر حام ضد الأخطار الناتجة عن العولمة والضغوط الخارجية وتنامي المطالب الداخلية.




ــــــــــــــــــ
مراسلة الجزيرة

المصدر : الجزيرة