عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم الكتاب مجموعة من الدراسات والمعالجات الأنثروبولوجية الاجتماعية والثقافية للتاريخ العربي والإسلامي، مثل العلاقات الاجتماعية بين الشرق والغرب الناجمة عن الحروب الصليبية، والتواصل الحضاري بين العرب والهندوس وما أدى إليه من تعاون وتضامن بين الأمم، والعقل الاجتماعي والحضاري للمجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى.

التعايش العربي الغربي أثناء الوجود الصليبي
تشكلت صورة الصليبيين الأوروبيين في عقلية المسلمين متأثرة بالتعصب الديني، وأحيانا بالصراع بين "دار الإسلام" و"دار الحرب" وما أفرزته من روح عدوانية جعلت لغة المؤرخ المسلم متوترة وأكثر تشنجا، والواضح أن هذا التشنج في لهجة المؤرخ المسلم لم يكن سوى رد فعل ضد لهجة المؤرخ الصليبي التي لم تكن أقل تشنجا.

ورغم هذه النبرة العدائية المغلفة بغلاف التحامل المنبعثة من التعصب الديني لم ينقطع حبل الصداقة والتعايش بين الصليبيين والمسلمين، ولقد لعبت التجارة دورا أساسيا في هذا الاتجاه واستمرت المراكب التجارية القادمة من أوروبا في الوفود على الموانئ الإسلامية رغم تأجج الحروب.

-الكتاب: بين أخلاقيات العرب وذهنيات الغرب
-المؤلف: إبراهيم القادري بوتشيش
-عدد الصفحات: 224
-الطبعة:
الأولى/2005
-الناشر: 
رؤية للنشر والتوزيع, القاهرة

إن نصوص المؤرخ المسلم تعطي الصورة حول نظام الحكم السياسي في الإمارات الإفرنجية في بلاد الشام الذي لم يستند دائما على نظام توريث الابن، ويبدو إعجاب المؤرخين المسلمين بالصليبيين في المجال العسكري وخططهم العسكرية والتنوع في المكائد كان واضحا، فالمؤرخ ابن شداد يصفهم بنماذج من البطولة والشجاعة ويذكر إعجابه بالتكتيكات الحربية مثل طريقة انسحابهم من المعارك التي ينهزمون فيها.

 

ومن القضايا التي لفتت انتباه المؤرخين المسلمين التطور العلمي لدى الإفرنجة وتعلقهم بالعلم والمعرفة، فكان الإمبراطور فريدريك الثاني يجري حوارات علمية عن طريق المراسلات، فبعث إلى الملك الكامل مسائل حكمية وهندسية معقدة ليختبر به قدرة العلماء المسلمين فنجح هؤلاء في حل كل المسائل التي طرحها، ولم تقتصر على المراسلات بل بعث الملك نجم الدين أيوب بعالم يدعى سراج الدين إلى الإمبراطور وصنف له كتابا في المنطق ما جعله يغدق عليه بكرمه.

 

أما المؤرخ ابن منقذ فيعطي صورة عن الطب الإفرنجي ونجاحه في بعض الحالات، إلا أنه يفتقر إلى النظرة العلمية الواعية ويتبع وسائل علاجية قاسية وغير مجدية، فمثلا الملك بلدوين الرابع توفي بمرض الجذام دون أن يتمكن من إيجاد علاج كفيل بإنقاذ حياته. 

 

لم تكن اللغة المتداولة بين الفرنجة والعرب في الشام واحدة، وظل الأمراء والقادة يستعينون بالمترجمين، لكن اختلاف الديانتين الإسلامية والمسيحية وما نجم عن ذلك من تعصب ديني لم يحل دون زواج المسلمين بالإفرنجيات، خاصة النسوة اللاتي وقعن أسيرات في يد المسلمين، وهو ما قام به شهاب الدين مالك بن سلم الذي حول أسيرة صليبية إلى جارية ثم تزوجها فأصبحت أما لولده وصارت صاحبة الأمر والنهي، ثم فضلت الهرب مع إسكافي من بني جلدتها.

 

إن المصادر الإسلامية المعاصرة تفصح عن أهمية البابا في المجتمع الأوروبي الوسيط عموما والمجتمع الصليبي على وجه الخصوص، فهو صاحب الحل والعقد والمؤهل لتحريم ما رآه حراما وتحليل ما يراه حلالا.

 

ورغم افتقار رجال الدين المسيحي بالشام إلى نسب ديني استغلوا نفوذهم الروحي للمزيد من الإثراء والغنى، وهذا ما يؤكده نص للمؤرخ ابن الأثير، ويتعلق ببطريك القدس الذي استغل أموال البيع فجمع منها "ما لا يعلمه إلا الله تعالى".

 

وتمخض عن التعصب عند الإفرنج انعدام الإنسانية لديهم، إذ كانوا يفتكون بالأسرى المسلمين دون رحمة، وقد غدر ريتشارد بأهل عكا الذين طلبوا الأمان، ولم تكن صورة لينورد صاحب الكرك أقل قتامة فقد وصف بأنه "من أعظم الإفرنج وأخبثهم" ولا تخلو الكتابات الإسلامية من تسجيل بعض النقاط المضيئة في المجتمع الإفرنجي يعكس موضوعية هذه الكتابات.

 

المرأة الأوروبية في المجتمع الصليبي في بلاد الشام

تجمع النصوص العربية على عظم مكانة المرأة الإفرنجية داخل مجتمعها، وتذكر مختلف الأدوار التي اضطلعت بها في الحياة السياسية والعسكرية، ولفت انتباه المؤرخين الحرية التي تنعم بها المرأة الإفرنجية.

 

"
تجمع النصوص العربية على عظم مكانة المرأة الإفرنجية داخل مجتمعها، وتذكر مختلف الأدوار التي اضطلعت بها في الحياة السياسية والعسكرية، والحرية التي كانت تنعم بها المرأة الإفرنجية
"
بيد أنه على الرغم من هذه الحرية والمكانة التي حازتها في هرمية المجتمع لم تكن حرية زواجها بيدها، ففي رواية يذكرها الأصفهاني أن ريتشارد ولى ابن أخته الكونت هنري مدينة صور بدل المركيز الذي ترك زوجته فتزوجها هنري.

 

ومن الجوانب الثرية في شخصية المرأة الإفرنجية الأدوار العسكرية، فيذكر ابن الأثير في سياق الأحداث التي أعقبت سقوط القدس بيد المسلمين أن الصليبيين حشدوا الحشود وأخذوا يعبؤون أنفسهم، وكان من ضمنهم النساء الإفرنجيات "يبارزن الأقران" ومن جملة الأسرى الذين أسرهم المسلمون ثلاث نسوة كن يقاتلن بزي الرجال.

 

ويبدو أن مسألة مشاركة المرأة الإفرنجية في الحكم ليست مسألة جوهرية بقدر ما هي مسألة عرفية وتتناسب مع مقاليد الحكم وهذا ما نفهمه من كلام ابن الأثير، ويتعاظم الدور السياسي للمرأة الإفرنجية تعاظما بعد وفاة "إيزابيلا" التي تركت خمس بنات، وورثت الملك كبراهن، ويمكن القول إن القرن الثالث عشر الميلادي كان بالنسبة للصليبيين في الشام "قرن المرأة".

 

العادات الشامية من خلال ابن بطوطة

كانت رحلة ابن بطوطة إلى بلاد الشام بقصد حج بيت الله الحرام، ولم تكن لها أهداف معينة أو أغراض سياسية، لكنه سعى بالإضافة للحج إلى معرفة البلاد والعباد، فالمعلومات التي يوردها كانت عفوية خالية من أي تعصب أو افتراءات، ومن الملاحظ تكرار زيارات ابن بطوطة لبلاد الشام وتردده عليها وبقاؤه فيها مدة.

 

وقد كانت رحلة ابن بطوطة في ظرف خاص يمر به العالم الإسلامي بعد الحروب الصليبية وضربات التتار، وتثبت الدراسات أن القرن الثامن الهجري يمثل بالنسبة للعالم الإسلامي ذروة الطرق الصوفية التي أفرزت بيئة فكرية متخلفة.

 

سجل ابن بطوطة انطباعات هامة حول عادات وعقليات الشاميين معتمدا في ذلك على المعايشة والمعاينة المباشرة مثل عادات الكرم والضيافة، فقد وصف أهل حمص واللاذقية أصحاب الصدقات والمكارم، ويذكر أفعال الخير لدى الدمشقيين حول الأوقاف التي كانت تنفق على أبناء السبيل والعاجزين عن الحج، وغير ذلك من أعمال الخير.

 

"
سجل ابن بطوطة انطباعات هامة حول عادات وعقليات الشاميين معتمدا في ذلك على المعايشة والمعاينة المباشرة مثل عادات الكرم والضيافة, ويطالعنا  بعادات اجتماعية أخرى تتعلق بالزواج والطقوس الدينية
"
ثم يذكر بعض عادات الأطعمة والمأكولات وعادات تحضيرها ومن العادات المستغربة أكل حمار الوحش من قبل طائفة من الصالحين في جبل لبنان.

 

يطالعنا ابن بطوطة بعادات اجتماعية أخرى تتعلق بتجهيز البنت المقبلة على الزواج، فكان تجهيز العروس يقع على عاتق ولي المرأة وعادة يجهز البيت الزوجي بالأواني النحاسية فكان لمعدن النحاس قيمة كبيرة.

 

وقد لعبت روح التدين دورا في صياغة بعض العادات الشامية، مثل عادة اجتماع المصلين بالجامع الأموي لتلاوة القرآن الكريم، وكان أهل الشام يخرجون يوم عرفة بعد أداء صلاة العصر فيقفون في صحون المساجد، ويقف أئمتهم كاشفي الرؤوس خاضعين مترقبين اللحظة التي يقف بها الحجاج بعرفة.

 

هناك ثمة معتقدات ومزاعم سجلها ابن بطوطة عن بلاد الشام، وفي ظل المناخ من المعتقدات تجد العقلية الصوفية والاعتقاد في الكرامات التربة المناسبة، فانتشر المتصوفة في طول بلاد الشام وعرضها.

 

ولم يفت ابن بطوطة أن يعرض مجموعة من أسماء شيوخ الشاميين من بينهم عماد الدين الحنفي بدمشق، وشرف الدين خطيب الفيومي الذي يصفه "بشيخ شيوخ الصوفية"، ونتيجة لذلك ساد الاعتقاد في الكرامات الصوفية، فرحلة ابن بطوطة تلقي أضواء مبهرة على العادات والعقليات السائدة في المجتمع الشامي بأمانة وموضوعية.

 

انصهار اجتماعي وعادات مشتركة بين الجزيرة العربية والقارة الهندية

قام الجزء الشرقي من الجزيرة العربية منذ الألف الثالثة قبل الميلاد بدور الوسيط التجاري بين شمال الجزيرة والساحل الغربي لشبة القارة الهندية، فكان ذلك فرصة للاحتكاك بحضارتها الناشئة في حوض السند، واستمر التواصل بين المنطقتين مع تعاقب حكم بلاد الرافدين من العصر السومري القديم حتى الألف الأولى قبل الميلاد.

 

وما زاد هذا التواصل تجذرا ورسوخا الهجرات القديمة التي حدثت على شكل موجات بشرية متلاحقة بين عرب الجزيرة والجاليات الهندية كالزط والأساور والسياجة والبياسرة الذين استقروا بشواطئ الخليج العربي، من هنا نستشف أن العلاقات التاريخية بين الجزيرة العربية والقارة الهندية نشأت في نسق تطوري، وقد هيأها هذا الرصيد من العلاقات القديمة الأرضية المناسبة لدخولها مرحلة الاكتمال في العصر الأموي.

 

من المعلومات المحققة أن الفتوحات الإسلامية شكلت برنامجا سياسيا طموحا وهدفا إستراتيجيا في مشروع الخلافة الأموية، ومن ثم أصبحت القارة الهندية من البلدان المدرجة في برنامج الفتوحات الإسلامية، وظل الأمويون يتطلعون إلى السيطرة على المحيط الهندي لإتمام فتوحاتهم العسكرية.

 

"
شكلت الفتوحات الإسلامية برنامجا سياسيا طموحا في مشروع الخلافة الأموية، ومن ثم أصبحت القارة الهندية من البلدان المدرجة في برنامج الفتوحات الإسلامية، وظل الأمويون يتطلعون إلى السيطرة على المحيط الهندي لإتمام فتوحاتهم
"
وكان الخليج يشكل نقطة إستراتيجية حساسة بالنسبة للحكم الأموي، فكانت القارة الهندية تشكل موقعا حيويا في المحيط، وما زاد في أهميتها توفرها على مادة افتقرت إليها أوروبا، وهي مادة التوابل التي كانت تستغل في تجهيز الأطعمة وحفظ اللحوم.

 

وما زاد في حتمية الصلات بين المنطقتين حاجة كل طرف لمنتجات الطرف الآخر، وقد فقدت المواصلات البرية أهميتها فكانت الهيمنة للملاحة البحرية، ولما كانت الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية منطقتين بحريتين متصلتين أصبحت العلاقة حتمية خاصة بعد بناء الأسطول الإسلامي في العصر الأموي.

 

ومن الطبيعي أن تتمخض عن هذا التعايش بين الشعوب في المنطقتين عادات وتقاليد اجتماعية مشتركة، وامتزاج الدم العربي بالهندي، وتوطدت الصلات العلمية بين الجزيرة العربية والهند.

 

وأدى التلاقي الثقافي إلى امتزاج لغوي عبر عنه الجغرافيون "كلامهم سندي عربي"، بالإضافة إلى التأثيرات العمرانية فقد كان الحضور الأموي مناسبة لاستبحار العمران في بلاد الهند، إذ شيدت بعض المدن واتخذت أسماء عربية مثل مدينتا المحفوظة والمنصورة التي سميت نسبة إلى منصور بن جمهور عامل بني أمية.

 

حوار الحضارات من خلال رسائل بديع الزمان النورسي

نشأ مفهوم الحوار الحضاري عند سعيد النورسي من معاصرته لتجربة تاريخية مرة تسبب فيها الاستعمار من خلال كوارث ومآس حلت بالإنسانية، وقسمت الشعوب وفرقتها إلى عرقيات وطوائف متنافرة.

 

ومفهوم النورسي يقدم بديلا موضوعيا لفكرة صدام الحضارات من خلال طرح مبدأ "التكامل" بدل "الصراع"، و"التعايش" بدل "الإقصاء"، شريطة أن يقوم الحوار بين الحضارات على قدم المساواة وعلى احترام تعدد الثقافات.

 

والحوار بين الحضارات في رسائل النور لا ينحصر في مجرد حوارات كلامية بين الناس، بل هو فلسفة نابعة من جوهر الإيمان، إيمان الإنسان بأن الله خلق البشرية لحكمة وغاية محددة تتمثل في التآلف والساكن لتحقيق أمر رباني وهو تعميم الخير ودفع الشر، وهو ليس وسيلة لحل النزاعات الدولية وحسب، بل هو أسلوب للتعارف والتعايش والتكافل بين الشعوب من أجل تحسين ظروف البشرية وهو ما يسميه النورسي "مسلك الخلة والأخوة".

 

ويقوم الحوار الحضاري في رسائل النور على ربط أهدافه بمصلحة الأمة الإسلامية وتحقيق إرادة المسلمين بحيث لا يحدث أي تعارض بين الغايات.

 

"
الحوار الحضاري وتعايش الثقافات والهويات المختلفة في مفهوم رسائل النورسي ينبع من مبدأ جعل سعادة الإنسان غاية ذلك الحوار، أي أنه يقوم على مبدأ تحقيق إنسانية الإنسان
"
وكذلك تستند رسائل النور في فلسفتها لحوار الحضارات وتعايش الثقافات المختلفة على المرجعية التاريخية التي تثبت أنه رغم بلوغ الحضارة الإسلامية في العصر العباسي ذروتها وقيادتها للعالم في العصر الوسيط آنذاك، فقد تعايشت مع الحضارات الأخرى في وئام وانسجام.

 

ومن ناحية أخرى لا يعد الحوار الحضاري في رسائل النور استجابة لظرفية زمنية خاصة، بل هو مشروع يتميز بالشمولية والاستمرارية لأن رسائل النورسي قادرة على الاستمرار في صلاحيتها، خاصة أنها تنهل من القرآن الكريم، وتعتمد على فهم نفسية الإنسان، وإدراك حاجياته الروحية والمادية وفق منهج يقوم على النقد الداخلي والخارجي للحضارة الغربية وإبراز عيوبها ومحاسنها.

 

وأخيرا فإن الحوار الحضاري وتعايش الثقافات والهويات المختلفة في مفهوم رسائل النورسي ينبع من مبدأ جعل سعادة الإنسان غاية ذلك الحوار، أي أنه يقوم على مبدأ تحقيق إنسانية الإنسان، فالإنسان في رسائل النور هو كائن حساس، فريد متميز واسع الدوائر الوجودية، ذو خصائص عقلية وروحية وأخلاقية شاملة، فضلا عن أنه خليفة الله في الأرض.

المصدر : الجزيرة