عرض/سمير شطارة
هذا الكتاب للعلم والتعلم، ويبني مؤلفه أوستاين سورينسن أستاذ التاريخ بجامعة أوسلو مادة الكتاب ويسلك فيه منهج كتابة التاريخ بناء على ما عرف عند الفقهاء المسلمين بمذهب "الأرأيتيين" (نسبة إلى كلمة أرأيت) الذي اشتهر به الأمام أبو حنيفة النعمان. غير أن ما يختلف فيه أوستاين عن أبي حنيفة هو أنه يعالج أحداثا وقعت، فيما كان أبو حنيفة يستشرف المستقبل ويفترض الأحداث والنوازل ويضع لها الحلول.

ماذا لو انتصر هتلر في الحرب العالمية الثانية؟ ماذا لو خرج ملك النرويج هارالد هوردرود منتصرا في معركته ضد الإنجليز عام 1066؟ ربما لكانت لنا إدارة موحدة نرويجية إنجليزية لبحر الشمال، ولكان للعالم تاريخ مغاير.

ومذهب الأرأيتيين شكل من أشكال المراجعة والمحاسبة والتقييم. ويرى أوستاين أن هذا الشكل من التفكير أمر طبيعي لمعرفة البدائل إن كانت هناك بدائل فعلا. والفرق في رأيه هو أن نتائج البدائل التاريخية الأخرى نظرية وتعيش في خيالنا.

يتناول الكتاب الذي يقع في 200 صفحة أحداثا عالمية ونرويجية تركت بصمات على التاريخ الإنساني. وأمام هذه الأحداث يرسل المؤلف العنان لخياله الذي أسعفه بما يناسب من افتراضات بديلة لوقائع التاريخ لم تمنع من ظهور موقفه من تلك الأحداث عبر البدائل التي كان يطرحها.

-العنوان: تاريخ ما لم يقع.. ضد حقيقة التاريخ
-المؤلف: أوستاين سورنسن
-عدد الصفحات: 200
الناشر: إسغاهاوغ للطباعة والنشر، أوسلو
-الطبعة: الأولى/2005

نماذج من التاريخ الإنساني
وقد قسم سورنسن كتابه إلى ثلاثة فصول، بسط في الأول الحديث عن أمثلة من التاريخ الإنساني، تطرق في إحداها لمعركة بواتييه التي خاضها المسلمون بقيادة عبد الرحمن الغافقي ضد الأوروبيين بقيادة كارل مارتل.

وفي هذا السياق تكلم سورنسن عن الأندلس وتقدمها الحضاري بسبب ما اعتبره تطبيقا لحالة خاصة للإسلام الليبرالي في إسبانيا. وفي مقابل تفوق الأندلس الحضاري على أوروبا التي كانت تعيش مرحلة التخلف والبربرية، تساءل المؤلف ماذا لو انتصر العرب في معركة بواتييه؟ ويرى أن ذلك كان يمكن أن يؤدي إلى التصادم مع الفايكنغ الذين امتد نفوذهم في تلك المرحلة حتى أوروبا الوسطى وإخضاع شمال أوروبا للإسلام، وتحويله لـ"نوردستان" بعد إخضاع "فرنكستان" للحكم الإسلامي.

ورغم أن دراسة التاريخ التقييمية تقتضي الموضوعية والحياد فإن الخلفية الثقافية لسورنسن ألقت بظلالها على كتابه لا سيما عند حديثه عن المسلمين واعتراضه على المؤرخ الفرنسي أنتول فرانس الذي أنصف الحضارة قبل أن ينصف المسلمين. فقد اعتبر أنتول انتصار كارل مارتل صفعة في وجه الحضارة لفائدة البربرية. ويسوق سورنسن على اعتراضه المرحلة الحالية التي يمر فيها العالم العربي والإسلامي بتخلف كبير مقارنة بأوروبا المتحضرة التي أقامت نظامها على الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان.

ويعتقد أن الخلافات والنزاعات بين الدول الأوروبية ساهمت في صنع تعددية في الرؤى أدت إلى وجود ديناميكية للتطور. وهذه الفرص لم تكن لتتوفر لو انتصر المسلمون وأقاموا نظام الخلافة المركزي في أوروبا.

وبينما يقبل أن الخلافات الأوروبية هي التي أثرت الثقافات المتعددة وفسحت المجال لأوروبا اليوم، يتساءل: من قال إن أوروبا المسلمة كان يمكن أن تكون متحدة؟ والحال أن المسلمين كانوا متفرقين، ولم يحدث أن تحقق لهم الاجتماع تحت مظلة واحدة، وفكرة اجتماعهم تحت نظام جامع لم تتحقق أبدا.

وقد لقيت هذه الفكرة عند المؤلف نفس القدر الذي لقيته فكرة الإمبراطورية المسيحية العالمية التي أنشأها كارل الأكبر بن كارل مارتل. لكنه يستطرد قائلا إن الدول المسلمة تحمل في كينونتها الطموح العالمي، وهذا ما لا نجده في أجندة الدول المسيحية الأوروبية حسب رأيه.

"
ماذا لو انتصر العرب في معركة بواتييه؟ ذلك كان يمكن أن يؤدي إلى التصادم مع الفايكنغ الذين امتد نفوذهم في تلك المرحلة حتى أوروبا الوسطى وإخضاع شمال أوروبا للإسلام
"
ومن التاريخ الحديث خصص سورنسن جزءا لا بأس به للحديث عن الحرب العالمية الثانية. واستعرض فرضيات الجواب عن السؤال الذي طرحه في بداية كتابه "ماذا لو انتصر هتلر؟". وتساءل إلى أي حد كان من الممكن أن يتحقق هذا الاحتمال. ومتى وكيف وتحت أي ظرف كان من الممكن لألمانيا أن تحقق انتصارا في الحرب العالمية الثانية؟

وينطلق سورنسن من حدث تاريخي اعتبره المؤرخون اللغز الذي تسبب في خسارة ألمانيا. هذا الحدث هو توقف الزحف الألماني الكاسح في اتجاه القوات البريطانية الفرنسية المرابطة بمنطقة دونكرك الواقعة على المحيط في شمال فرنسا.

لم يسمع المؤرخون شهادة الألمان للتعرف على السبب الحقيقي لهذا التوقف، فراحوا بدلا من ذلك يضعون التفسيرات لفهم ما أسموه لغزا محيرا. فمنهم من ذهب إلى تخوف هتلر من التوغل السريع لجيشه مما قد يجعله عرضة لأي مباغتة من طرف العدو. وهناك من يرى أن هتلر أراد بهذه المبادرة إقناع البريطانيين بأنه لا يرغب في محاربتهم وإعطاء فرصة لعقد اتفاقية سلام مع بريطانيا.

كانت الإمكانية متاحة للجيش الألماني لينقض على القوات البريطانية المدعومة بعدد من الفرنسيين والبالغ عددها 338 ألف جندي، لكن الأوامر صدرت لهم بالتوقف عن الزحف في 24 مايو/أيار 1940.

في هذه الأثناء وحتى الرابع من يونيو/حزيران استطاعت قوات الإنقاذ البريطانية إجلاء قواتها بحرا وجوا، ولما وصلت الأوامر للقوات الألمانية بالتحرك من جديد كان الأمر متأخرا. وكان من اليسير على سورنسن الجنوح لفرض عدم وجود مرسوم بالتوقف عن الزحف، أو عدم إذعان قائد القوات الألمانية لهذا المرسوم إن وجد، لإعادة قراءة أحداث الحرب العالمية الثانية.

وافترض من ناحية أخرى أن اللورد هالفاكس وزير الخارجية آنذاك قبل خلافة تشمبرلان ولم يرفض كما كان الحال ليقطع الطريق على ونستون تشرشل. والمعروف عن هالفاكس أنه كان ضد الحرب مع ألمانيا. وعندما حاصرت القوات الألمانية القوات البريطانية في دونكرك اقترح التحرك من أجل عقد اتفاق سلام مع هتلر.

ويتصور سورنسن حصول اتفاق مع بريطانيا، أو سيطرة كلية لألمانيا على بريطانيا. وفي كلتا الحالتين يكون الرايخ قد أمن الجبهة الغربية من أوروبا. وهذا سيساعده في محاولة إخضاع الجبهة الشرقية وتحديدا الاتحاد السوفياتي بقيادة ستالين. وهنا يفترض سورنسن سيطرة ألمانيا بشكل سريع بناء على عوامل كانت متوفرة في تلك المرحلة. من هذه العوامل الضجر الذي كان يسود الشعوب المقموعة من طرف ستالين. وهذا ما يفترض تشجيعها على الثورة واستقبال الألمان كمحررين.

ومنها أيضا التململ داخل القيادة الشيوعية بسبب سياسة الإقصاء التي كان يسلكها ستالين مع منافسيه، مما كان بإمكانه تمهيد الطريق لانقلاب عسكري وعقد اتفاقية سلام مع هتلر.

ويمضي سورنسن ليفترض واقعا دوليا يتحكم فيه الرايخ الألماني، بصرف النظر عن توقف الحرب مع الولايات المتحدة، فإن إدارة أوروبا الشرقية ستخضع في نظره للقبضة الحديدية الألمانية، في حين يتصور أن ممارسة قتل اليهود يمكن أن تتم بشكل أوسع، بينما تعامل الشعوب السلافية في أفضل الأحوال على أنها من درجة ثانية.

أما بشأن الألمان فسيمثلون طبقة الأشراف المترفين في ظل نظام الرفاهية المعد خصيصا لهم. وسيتعامل الرايخ مع أوروبا الغربية بشيء من المرونة مما قد يسمح لانتشار ثقافته وامتداد سلطته لتشمل العالم بأسره.

"
عرض التاريخ على شكل افتراضات بديلة  ليس عبثا أو ترفا فكريا، وإنما هو عملية إثراء له وإعادة فهم لتطوراته عبر إخضاعه لفرضيات من شأنها التنقيب في خفايا لم يتم التطرق لها
"
من التاريخ النرويجي
وفي الفصل الثاني يتطرق سورنسن للحديث عن بعض الأحداث الهامة في تاريخ النرويج منها الانفصال السلمي عن السويد عام 1905. ويفترض أن الطرفين لم يتوصلا لاتفاق، وأن الحرب هي البديل نظرا لوجود أطراف أخرى من الجانبين تنادي باستعمال القوة لفرض الحل. ويرى أن التفوق السويدي كان سيدفع بالقوات السويدية إلى الدخول للنرويج.

وفي سيناريو آخر يفترض سورنسن أن الخلاف النرويجي السويدي على المطالب النرويجية قد تم حله. وبهذا يكون لقاء مدينة كارل ستاد التاريخية في السويد عام 1904 قد أنهى إشكالا عصف بالوحدة بين البلدين. وبدلا من الوصاية التي كان يجسدها احتكار السويد لسياسة العلاقات الخارجية، تغير منطق التاريخ وصار النرويجيون يسهرون على رعاية مصالحهم خارج النرويج. وهذا التوافق كان من شأنه أن يقوي الوحدة بين البلدين.

وفي قراءة للموقف السويدي المرن تجاه هذه المطالب يضع سورنسن ثلاث احتمالات كان يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي على مجريات الأحداث في تلك المرحلة. الأول إستراتيجي البعد، ويأتي هذا على خلفية الخطر الذي كانت تشكله روسيا على جيرانها، لا سيما بعد سيطرتها على فنلندا. وكان السياسيون السويديون يخشون من أن تهاجم روسيا الاتحاد السويدي النرويجي. وقد فهم السويديون هذا من خلال إقامة روسيا للعديد من مشاريع السكك الحديدية بين البلدين. هذه المعطيات تصلح في نظر المؤلف لأن تكون عاملا مؤثرا في السياسة السويدية بالشكل الذي يحفظ استمرارية الوحدة بين البلدين لمواجهة الخطر المذكور.

الاحتمال الثاني له علاقة بالسياسة الداخلية. فقد أصبح الاشتراكيون يهددون استقرار المجتمع، وبات من الضروري تكتل اليمين في كلا البلدين لدرء هذا الخطر. ومما شجع على هذا التوجه وصول المحافظين والليبراليين إلى سدة الحكم في النرويج عام 1903.

الاحتمال الثالث هو الوضع داخل العائلة المالكة، حيث دفع كبر سن الملك أوسكار الثاني وكثرة مرضه إلى ظهور نجم ولي عهده الأمير غيستاف بين السياسيين النرويجيين. ومن خلال تقارير المدح التي كانت تصل عنه من قبل الحكومة النرويجية، يفترض سورنسن أن يكون له دور في حل الإشكال سلميا.

منهج لتفسير التاريخ
في الفصل الثالث الأخير دافع سورنسن عن هذا المنهج في تفسير التاريخ. واعتبر أن كتب التاريخ مليئة بهذه الافتراضات المعارضة لحقائقه. ويستند في ذلك إلى حدث من تاريخ النرويج ذكره المؤرخ النرويجي سفري ستاين واستعمل فيه أسلوب الافتراضات المنافية لما وقع، حيث اعتبر أن وجود الأمير الدانماركي كريستيان فريدريك الذي مثل النرويج في مؤتمر كيل للسلام عام 1814 إثر هزيمة نابليون وحلفائه -ومنهم الدانمارك- في حربهم ضد بريطانيا وحليفتها السويد ضرورة تاريخية لتوقيع هذه الاتفاقية التي سمحت للنرويج بوضع دستورها الوطني، واستقلالها لاحقا عن السويد. وبدون وجود هذا العامل لم يكن حسب قراءته من السهل أن يسير التاريخ على نحو ما جرى.

ويتساءل إن كان عرض التاريخ على هذا النحو مجرد عبث وترف فكري أم هو عملية إثراء له وإعادة فهم لتطوراته عبر إخضاعه لفرضيات من شأنها التنقيب في خفايا لم يتم التطرق لها. ويخلص إلى القول إنه من بين المؤمنين بجدوى هذا المنهج الذي يسميه المؤرخ النرويجي أوتار دال "تجربة الفكرة".

ويذكر سورنسن في كتابه عددا من الكتابات التي عالجت هذا المنهج واشتهرت بطرح السؤال التالي "ماذا لو؟" مثل كتاب روبرت كوليز الذي حمل عنوانه السؤال نفسه "وات إيف" وكتابه الثاني "وات إيف 2" وكتاب روبرت أندرو "ماذا كان يمكن أن يحدث" وكتاب لارس أندرسن السويدي "تصور لو" وكتاب المؤرخ جاكوب سورنسن "ماذا الآن لو".

ويقول إن منهج قراءة التاريخ على هذا المنوال اعتمد في الغالب على قراءة الأحداث العسكرية من ناحية والتطور الاقتصادي من ناحية أخرى. ويستشهد في ذلك بالأميركي روبرت فوكل الذي أسس مدرسة كليومتريك. وقد صاغ أبعادها على أساس دراسة تطور الاقتصاد الأميركي وعلاقة ذلك باستحداث السكك الحديدية. ثم يعمد لافتراض تاريخ اقتصادي للقرن التاسع عشر لا وجود فيه لسكك حديدية.

"
دراسة الأحداث التاريخية على طريقة الافتراضات البديلة تقتضي التركيز على الأوضاع الملائمة لتحقيق سيناريو وبناء احتمال يخالف الحقيقة التاريخية منطلقا من نفس الأرضية ليصبح حقيقة في نفسه يترتب عليها مسار آخر للأحداث
"
وشيئا فشيئا يخلص سورنسن إلى إعلان رفضه لتفسير التاريخ من منطلق القدر الذي حدث وانتهى. ويعتبر على العكس من ذلك أن منهج دراسة فرضيات التاريخ يعالج بدائل كثيرة فشل صناع الأحداث في التنبه إلى جدواها في إمكانية توجيه التاريخ اتجاها يختلف عما عاشته البشرية، وقراءة الاعتبارات على ضوء هذا المنهج هي في نظره تقييم للماضي وتنزيل في الحاضر وعامل بناء للمستقبل. وهذا ما دفعه لأن يطلق عليه اسم "مشروع البناء".

وكمثال على ذلك يقارن بين القومية النرويجية التي كانت في القرنين الماضيين مسالمة وديمقراطية وليبرالية، والقومية الصربية التي سيطرت عليها ثقافة العنف. ويتساءل عن العوامل التي أدت إلى هذين الاتجاهين.

وفي ختام الكتاب يؤكد سورنسن احترام المقاييس التي يخضع لها هذا المنهج، والقائمة على التفريق بين ما كان مهماً في تغيير حركة التاريخ وما هو دونه، حتى لا يتحول المنهج إلى مجرد مضيعة للوقت وترف فكري لا طائل من ورائه.

ويستمر سورنسن في دفاعه عن هذا المنهج معتبرا إياه مجمعا للعديد من المشاريع التي فشلت بسبب عدم التنبه إليها. ويعتبر أن هذا المنهج يقوم على الاحتمال مقارنة بالحقيقة، حيث يخضعها لمقاييس منضبطة نظرا لعلاقتها بقوانين الطبيعة والرياضيات، مثلما نقول 2+2=4 أو لعلاقتها بالمسار الطبيعي للتاريخ.

ويشترط أن تكون الاحتمالات مبنية على أحداث حقيقية حتى يتسنى لنا المقارنة مع الحقيقة. ولهذا فإن الاحتمالات المخالفة للحقيقة لا بد أن تكون لها علاقة بالحقيقة. ويعود مرة أخرى لمثال استقلال النرويج عن السويد عام 1905 في إشارة للرؤى التي كانت تتبناها الشخصيات المؤثرة من الجانبين على الساحة سياسيا وعسكريا.

وعن سؤاله الذي بدأ به مقدمة الكتاب إزاء احتمال انتصار هتلر في الحرب العالمية الثانية، يتساءل سورنسن عن درجة الاحتمال التي تسمح باستعمال هذا الحدث كسيناريو لمخالفة الحقيقة التاريخية، كما يتساءل عما يمكن أن يترتب على هذا السيناريو وكيف ستسير الأحداث.

ويخلص للقول إن القاعدة في دراسة الأحداث التاريخية على هذا النحو تقتضي التركيز على الأوضاع الملائمة لتحقيق سيناريو وبناء احتمال يخالف الحقيقة التاريخية منطلقا من نفس الأرضية ليصبح حقيقة في نفسه يترتب عليها مسار آخر للأحداث.

المصدر : الجزيرة