عرض/أحمد فياض

مؤخرا أصدر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) ضمن سلسلة أوراق إسرائيلية، ترجمة لتقرير إستراتيجي يتضمن تقييما شاملا للمفاهيم السياسية والمنطلقات الأساسية التي وجهت السياسة الإسرائيلية حيال الفلسطينيين خلال سنوات انتفاضة الأقصى الأربع الماضية.

 

ويحمل التقرير الذي جاء بعنوان "الانتقال من تسوية النزاع إلى إدارته" وأعده معهد القدس للدراسات الإسرائيلية، خلاصة عمل "مجموعة تفكير" تبلورت تحت كنف المعهد المذكور ضمت نخبة من الأكاديميين والباحثين الإسرائيليين ومختصين في مجالي الأمن والاستخبارات وعقدت عدة لقاءات خلال العام  ونصف العام الأخيرين.

- الكتاب: الانتقال من تسوية النزاع إلى إدارته
- الكاتب: يعقوب بارسيمنطوف وآخرون
- المترجم: أنطون شلحت
- عدد الصفحات: 65
- الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، رام الله
تاريخ النشر: الأولى/مارس 2005

 

 

ويرى التقرير أن الانفصال، رغم ما يعنيه من "إدارة أحادية الجانب" للنزاع، جنبا إلى جنب مع إقامة "جدار الفصل" المندرج في إطار معنى الإدارة ذاته، ربما يؤشران إلى عملية تغيير في مفهوم إسرائيل السياسي وفي منطلقاتها الأساسية حيال النزاع مع الفلسطينيين.

 

ويلفت التقرير النظر إلى أن هذا التغيير كان نتاج تغييرين بنيويين، في الماضي القريب الأول يتمثل في التغيير الذي أتاحته عملية أوسلو، والثاني طرأ بعد انتخابات فبراير/ شباط 2001، التي جاءت بأرييل شارون إلى سدة الحكم. وقد بدأت علامات التغيير الثاني الواضحة خلال فترة ولاية أيهود باراك في رئاسة الحكومة الإسرائيلية (1999-2001).

 

غير أن أهمية هذا التقرير تبقى مستمدة من أحكامه بشأن اتزان أو معقولية عناصر المفهوم السياسي الإسرائيلي، وهي أحكام يمكن هيكلتها في نطاق جهود إماطة اللثام أو نزع الأقنعة عن المنطلقات الأساسية لذلك المفهوم.

 

ومع أن التقرير ينتهي عند اعتبار "خطة الانفصال" (عن قطاع غزة وبعض المستوطنات في أقصى شمال الضفة الغربية) بمثابة "خيار تقصير"، سواء من الناحية السياسية أو الأمنية، فإنه لا يغوص في أبعاد هذه الخطة. ويكتفي من هذه الأبعاد بما يحسبه جوهريا منها، ومؤداه أنه "للمرة الأولى في النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، تتبنى إسرائيل إستراتيجية إدارة أحادية الجانب للنزاع تستند إلى انصراف يشمل انسحابا إقليميا وإخلاء مستوطنات دون عملية سلام ودون أي مقابل من الطرف الثاني (الفلسطيني)".

 

ويكشف التقرير العديد من التفاصيل بصورة مركزة مستعينا بالعديد من المراجع، وعبر تسليط بؤرة الاهتمام نحو ما تتحمله إسرائيل من مسؤولية مباشرة عما آلت إليه الأوضاع السياسية والأمنية.

 

ويحاول التقرير أن يجيب على السؤال المفتوح: لماذا باءت مفاوضات كامب ديفد حول التسوية الدائمة بالفشل الذريع؟. وفي سبيل ذلك يستعرض ما صدر عن طرفي المفاوضات من ادعاءات، لكنه يرجح، أن تكون الأزمة التي انتهت إليها المفاوضات وما تمخض عنها من انفجار عنيف "تعبيرا ذا قوة عالية جدا" عما يسميه "التصادم (الحتمي؟) بين الروايتين التاريخيتين القوميتين".

 

ويتهم التقرير أيهود باراك بأنه سعى مقابل تنازلات للوصول إلى نهاية النزاع ووضع حد للمطالب الفلسطينية، وإن لم يتجاوز نتائج حرب الأيام الستة في يونيو/حزيران 1967 أي إقامة دولة فلسطينية والتنازل عن معظم مناطق يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وقطاع غزة، بما في ذلك غور الأردن، واقتلاع مستوطنات وتقسيم القدس.

 

"
إرث باراك واحد من الأعمدة الرئيسية في المفهوم السياسي للنزاع الذي قلب ظهر المجن لمفهوم أوسلو، وتمت تبيئته فيما بعد من قبل حكومة أرييل شارون واليمين المتطرف
"

المفهوم الإسرائيلي للنزاع

ويعتبر التقرير بأن "إرث باراك" واحد من الأعمدة الرئيسية في المفهوم السياسي للنزاع الذي قلب ظهر المجن لمفهوم أوسلو، وتمت تبيئته فيما بعد أيضا من قبل حكومة أرييل شارون واليمين المتطرف.

 

فأقطاب الحكومة الحالية ورثوا تقييمات باراك فيما يتعلق بعدم نضوج الفلسطينيين لتسوية النزاع، ومسؤوليتهم عن فشل العملية السياسية بغياب شريك فلسطيني لائق لهذه العملية. وذلك على رغم التقييمات الإستراتيجية الرسمية التي أقرت طوال سنة 2001 أن عرفات والقيادة الفلسطينية ما زالا معنيين بإحراز غايتهما من خلال المفاوضات.

 

غير أن شروح باراك، رغم أنها لم تتماش مع التقييمات الرسمية للاستخبارات، ناسبت تماما وجهات نظر شارون السياسية. فهذا الأخير عارض طوال السنوات عملية أوسلو ورأى فيها خطرا فعليا على وجود إسرائيل وأمنها وأيد تأييدا جارفا إقامة المستوطنات.

 

شارون وشاؤول موفاز عارضا التنازلات التي اقترحها باراك على الفلسطينيين في كامب ديفد، كما عارضا خطة كلينتون ومحادثات طابا. وموفاز، كرئيس لهيئة أركان الجيش وقتئذ، لم يعبر عن معارضته الواضحة لتلك التنازلات فحسب وإنما اختلف أيضا بصورة عامدة مع السياسة الرامية إلى احتواء المواجهة العنيفة فور تفجرها.

 

ويستشف من التقرير، بصورة جلية، أن عملية شطب الرئيس الراحل ياسر عرفات من معادلة الشراكة في "عملية السلام" تمت، بمنأى عن الأداء السياسي للرئيس الراحل، خصوصا في خضم أحداث الانتفاضة، مما يفتح مجال الشك بأن هذه العملية كانت مدبرة سلفا، وأن كل ما جاء بعد ذلك كان مجيرا لخدمة غاياتها.

 

وإذ يشير التقرير إلى أنه عمليا كانت هناك، خلال سنة 2001، عدة فرص حاول فيها عرفات التهدئة ونقل أوامر بوقف إطلاق النار إلى أجهزة الأمن وقيادة فتح، مما يؤكد أن أصحاب القرار في إسرائيل ردوا بالتشكيك وعدم الثقة على إجراءاته كافة.

 

ويسجل في هذا المجال ما بدر عن الرئيس عرفات في أعقاب العملية التفجيرية في ملهى"الدولفيناريوم" في تل أبيب حينما دعا أبناء شعبه للمرة الأولى بصوته وباللغة العربية، عبر بث حي في التلفزيون والراديو، للتوصل إلى تهدئة ووقف إطلاق النار.



 

وفي أعقاب عمليات "القاعدة" في الولايات المتحدة، في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حاول عرفات أن يتوصل إلى تهدئة (يدعي التقرير أن ذلك حصل لكي يتم إدراجه في عداد "معسكر الأخيار" وللانضمام إلى التحالف الذي شرعت الولايات المتحدة في بلورته في حربها على "الإرهاب العالمي").

 

وقد دعا عرفات إلى وقف إطلاق النار بشكل فوري وجارف وإلى الانضباط والمجالدة حتى مقابل عمليات إسرائيلية. وأمل في نشوء ضغط دولي على إسرائيل للعودة إلى المسار السياسي والتقدم في "خطة ميتشل" إلى الأمام.

 

 وفي 16 ديسمبر/ كانون الأول 2001 ظهر عرفات في التلفزيون الفلسطيني وفي "صوت فلسطين" وأعلن أن السلطة ستعاقب كل من يخرق أوامره بوقف إطلاق النار وكل من يقف وراء العمليات الانتحارية وإطلاق الصواريخ.

 

وفي أعقاب ذلك بدأت عملية تهدئة جوهرية استمرت حوالي ثلاثة أسابيع. غير أن هذه العملية توقفت في أعقاب "عملية الإحباط الموضعي" التي طالت رائد الكرمي، والتي تم تفسيرها من قبل رؤساء تنظيم فتح بأنها عمل غادر من جانب إسرائيل، التي استغلت وقف إطلاق النار لارتكاب العملية.

 

وقد أدى هذا الحادث إلى تطرف مواقف فتح حيال المواجهة وكان له تأثير بعيد المدى على استمرار المواجهة وتصعيدها، فقد أحدث انعطافا لدى المنظمات غير الدينية (فتح والجبهات) إلى حد القيام بعمليات انتحارية، وأدى إلى قبول بشرعية العمليات الانتحارية في أوساط الجمهور الواسع وأضعف كثيرا قدرة عرفات على الدعوة إلى التهدئة وعلى تطبيقها.

 

"
المواجهة العسكرية بين إسرائيل والفلسطينيين هي بمثابة دائرة رعب، يؤثر كل طرف فيها على نشاط الطرف الثاني
"

المستوى العسكري والسياسي

ويوسع التقرير دائرة الضوء حول مسؤولية المستوى العسكري الإسرائيلي عن الوصول إلى التدهور الحاصل، ويقول مؤلفو التقرير: "ثمة اعتقاد الآن، سواء في الجهاز السياسي أو في الجهاز الأمني، مفاده أنه من الجائز أن رد الفعل الزائد من جانب الجيش الإسرائيلي على تفجر الانتفاضة أسهم في تصعيد المواجهة العنيفة.

 

والجيش، الذي استعد لإمكانية انفجار عنيف، بمشاركة فاعلة من قبل قوات الأمن الفلسطينية، أدار الحرب من  خلال اعتبارات عسكرية خالصة دون تطرق كاف إلى الاعتبارات السياسية".

 

وفي غمرة ذلك تخلى الجيش عن التشديد الكامل على تطبيق سياسة الاحتواء بروح توجيهات المستوى السياسي وأسهم في تصعيد النزاع العنيف. وبدا أن غاية رد الفعل الزائد من جانب الجيش لم تكن احتواء المواجهة فقط وإنما إخضاع الفلسطينيين أيضا. وتمثل الهدف في معاقبة الفلسطينيين على تدبير العنف وتعليمهم درسا لا ينسى بأنه ليس في وسع العنف أن يدفع أهدافهم السياسية إلى الأمام وأن يقودهم إلى مفاوضات وهم ضعفاء ومستنزفون.

 

وكانت النتيجة المركزية فشل سياسة الاحتواء. والتعبير البارز عن ذلك هو العدد الكبير لخسائر الفلسطينيين، الأمر الذي أسهم في تصعيد غير مرغوب للعنف بسبب رغبة المنظمات الفلسطينية في معادلة "ميزان الدماء".

 

غير أن الأمر الأشد خطورة في هذا المحور يكمن، وفقا لما ورد في التقرير، في صيرورة استلاب المستوى السياسي للمستوى العسكري. وتجدر الإشارة -يكتب معدو التقرير- إلى أن المواجهة العسكرية بين إسرائيل والفلسطينيين هي بمثابة دائرة رعب، يؤثر كل طرف فيها على نشاط الطرف الثاني.

 

فمن جهة أثرت "العمليات الانتحارية" على طريقة نشاط الأمن الإسرائيلي وقوته. لكن من جهة أخرى كان لهذا النشاط ذاته تأثير على النشاط الفلسطيني العنيف. وهكذا، فإن تصفية رائد الكرمي وأبو علي مصطفى صعدت مستوى الإرهاب لدى الفلسطينيين. ومقابل ذلك فإن العملية الانتحارية الجماعية في فندق بارك في نتانيا كان لها تأثير على بداية عملية "السوار الواقي".

 

بيد أن "عوارض دائرة الرعب" لا يتحمل المستوى العسكري الإسرائيلي وحده وزر الإتيان بها وإنما يمكن أن تعزى أيضا، في حالات كثيرة، إلى تمحور المستوى السياسي في معالجة مشاكل الإرهاب الفورية -وبالأساس "العمليات الانتحارية" بسبب نتائجها القاسية -وتهربه من تخطيط سياسي- إستراتيجي بعيد المدى، يستوجب اتخاذ قرارات كثيرة.

 

ونتيجة لذلك -يؤكد التقرير- اضطر المستوى العسكري في أحيان كثيرة إلى إكمال الفراغ التفكيري للمستوى السياسي في كل ما يتعلق بالتخطيط السياسي-الإستراتيجي. وقد تفاقمت هذه الظاهرة بعد تفجر المواجهة العنيفة، وبالأساس بعد تصعيدها، عندما وصل المستوى العسكري إلى إقرار عام بأن المنظومة المصطلحية القائمة لا تنطوي على جواب لائق بشأن واقع من المواجهة المستمرة.

 

ورأى هذا المستوى، أن من واجبه لنفسه، أن يطور منظومة مصطلحية بديلة للمنظومة المصطلحية القائمة وأكثر تحديثا منها. وفي غياب توجيهات سياسية واضحة استأثر المستوى العسكري بوظيفة المستوى السياسي في صياغة وبلورة بيئة المواجهة، بما في ذلك مستوى العنف".

 

ويخلص معدو التقرير إلى القول إنه على الرغم من أن دولة إسرائيل في ضائقة شديدة، حيث يتضح لها أكثر فأكثر أنه ما من جواب مطلق على "التحدي الأمني" الماثل أمامها، فإن عليها الامتناع عن الوصول إلى وضع سبق أن وصفه المنظر الإستراتيجي الإسرائيلي يهوشفاط هركابي بـ"الانغلاق النفساني"، أي التمسك بمفهوم سياسي يستند إلى منطلقات أساسية لا تعكس بالضرورة التطورات السياسية والعسكرية.

 

ومن شأن الامتناع عن الدراسة الضرورية أن يكرس الضائقة القائمة، بل وأن يزيدها تفاقما على تفاقم. ورغم أن الدراسة صعبة أحيانا من الناحية العقلية والعاطفية، لأن فيها نوعا من الاعتراف بالفشل، فمن شأن خطوة تأجيلها أن تكون حبلى بالكوارث.

 

"
القبضة القوية والعقاب الجماعي وحدهما غير قادرين على إخافة وردع شعب يكافح ضد الاحتلال
"

أخيرا يُشكك التقرير في الاعتقاد بأن القبضة القوية والعقاب الجماعي وحدهما قادران على إخافة وردع شعب يكافح ضد الاحتلال. وهو يقرر بأن إسرائيل لم تفلح في حسم المواجهة مع الفلسطينيين من الناحية العسكرية، إلى جهة وضع حد للعنف الفلسطيني.

 

وفضلا عن ذلك فإنه على رغم الأثمان الباهظة التي يدفعها الفلسطينيون من ناحية الخسائر البشرية والاقتصادية فقد ظلوا يرفضون "الاستسلام". كما أن "إسرائيل لم تفلح في كي وعي الفلسطينيين"، بشأن "أن العنف لا يخدم أهدافهم ويعرقل تقدمها إلى الأمام".

 

أضف إلى كل ذلك أن هذه الوثيقة تقول إن شعور الفلسطينيين بأنهم "ليس لديهم ما يخسرونه" قد ازداد خلال سنوات الانتفاضة وازدادت معه الدافعية للتجند والانضمام إلى دائرة العنف. ومع أن هناك، تعويلا مبطنا على إستراتيجية إدارة أحادية الجانب للنزاع تستند إلى انسحاب، فإن هذا التعويل لا يخلو من استئناف صريح، وذلك في سياق من التوكيد على كونها غير مرغوبة، إلا إذا كان في استطاعتها تشجيع الطرف الثاني (الفلسطيني) على العودة إلى صيغة مشتركة لإدارة النزاع، أي العودة إلى جهود متبادلة ومشتركة لتقليص العنف وحتى لتجديد العملية السياسية.

المصدر : الجزيرة