عرض/أحمد ولد نافع

يعتبر كتاب "ورثة اللوغوس" للدكتور عبد المنعم المحجوب الصادر في نهاية سنة 2004، أحد أهم المراجع المكتوبة باللغة العربية إثارة وتشويقا، ربما لطبيعة القضايا التي يثيرها معرفيا وفلسفيا، ولنزوعه الإشكالي الذي يحاول تمريره وطرحه أمام المفكرين الإستراتيجيين.

 

ومن عنوانه يبدأ السجال حول ورثة اللوغوس، فما هو اللوغوس على وجه التحديد. من امتلكه من ورثه، أو من سيرثه؟

 

-الكتاب: ورثة اللوغوس

-المؤلف: عبد المنعم المحجوب

-عدد الصفحات: 130

-الناشر: المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس

-الطبعة: الأولى/نهاية 2004

دلالة المفهوم

إن لفظة اللوغوس ترجع إلى مكونين: "لو" وتعني صوت، و"غوس" وتعني الإنسان. إن هذا الزوج المفاهيمي يحيل إذن إلى صوت الإنسان، هذا ما تفيده اللغة السومرية ذات المرجعية الأكدية العربية الصحيحة.

 

وربما جاءت منها –بحسب المؤلف- كلمة اللغو التي توسعت لدى اللغات اللاتينية إلى "لوجيك" التي تدل على المنطق والعقل والحكمة والروح، وذلك ما تشي به "قوننة" المفهوم و"قوعدته" من الناحية التاريخية التأصيلية.

 

ولكي يضع اللوغوس في "راهنيته التأويلية" يقرر الكاتب أن العولمة، من وجهة نظر متساهلة، ليست أكثر من يوتوبيا جديدة أضافها التطور الاقتصادي والتقني، تحت غلاف –سميك أو شفاف- ثقافي وسياسي عالمي، لتنضاف إلى سلسلة اليوتوبيات القديمة كما روتها أحلام الشعراء وتأملات الفلاسفة.

 

وهكذا تكون محصلة العولمة، في النهاية، ليست أكثر من محاولة عولمة الرأسمالية لانتماءات الآخرين، وذلك بعد ربطهم بمنظومة الإنتاج والتبادل الممركزة في الغرب والعائدة فائدتها إليه.

 

"
العولمة ليست أكثر من يوتوبيا جديدة أضافها التطور الاقتصادي والتقني تحت غلاف -سميك أو شفاف- ثقافي وسياسي عالمي
"
مخيال شرق أم مخيال غرب

الشرق صورة، والغرب مفهوم .. الشرق تخييلي، والغرب فلسفي.. الشرق نَوَسانُ خارج التاريخ، الغرب تفكير تراكمي.. الشرق يسكن اللغة ويصدر عنها، الغرب يوظفها.. الشرق كون ثابت، الغرب حقيقة حية.

 

إن تلك الصور "المخيالية" هي التي تحاول رسم الآخر لدى وعي الأنا أو لاوعيه، وقد أدّت من الناحية الفلسفية، أحيانا، إلى "فوبيا" من الغرب لدى الشرقيين، باعتباره مجالا رحبا للأسطورة، في يوم كانت فيه الأسطورة هي جماع اللغة المنطوقة. إلا أن الشرق، ودون أن يعلم، طوّر لدى الغرب نزعة سحره والافتتان به، ومن ثم السفر إليه "استشراقا" أول الأمر و"استعمارا" آخره.

 

ومن غرائب المخيال، أن الغرب لم يكن إلا كمثل "مدينة النحاس"، أو "بلد العميان". وقد بدأ الغرابة أبو التاريخ "هيرودوت"، وهو يصف أهل جبال الأطلس "السحرة".

 

إن تلك القصص الموجودة في التراث الغربي –ونظيرها العربي- ليست أكثر من محاولة تأسيسية لكل خطاب حول العالم والتاريخ، سواء تجلّى في نظرية في الفكر السياسي، أم برواية حول الخيال العلمي.

 

اختزال التاريخ

إن الجغرافيا لم تعد كافية لوضع حدود "نهائية" للغرب من ناحية المفهوم أو الكيان، ذلك أن الثنيات الجغرا-سياسية، غالبا ما تجعل الفرصة متاحة للبشر كافة، لينالوا نصيبهم من الحضور في التاريخ، وهكذا يكون الغرب ليس "غربا" إلا على أرض مسطّحة سابحة في فضاء لا وجود "إقليدي" له. وربما لعجز الجغرافيا التاريخية عن حسم الموقف فكريا، تم انتهاج فكرة دينية من أجل توطين مملكة السماء على الأرض.

 

"
محاولة الاقتصار على الاتصال باليونان كبداية مقطوعة العلائق بالآخر ليس أكثر من هدم للتعاقب والدولة التاريخية بين بني آدم
"
ومن هنا كانت "الكثلكة catholicus"، التي تحيل جذريتها اليونانية إلى "الكوني"، مؤشرا قويا لنثر بذور البذرة الجنينية الأولى للعولمة أو "الكوننة"، ومع أن المسيحية لم توفق في شعاراتها "الفتح من أجل الخلاص"، أو "النفوذ باسم التبشير"، و"بناء القوة باسم الدفاع عن مملكة السماء"، الأمر الذي أدّى إلى ضرورة بروز أخلاقية دنيوية واقتصادية قائمة على مبدأي "الفردية Individualism" و"التحررية Liberalism".

 

وقد طبخت تلك الطروحات في وعاء سوسيو ثقافي وتاريخي، يستمد وقوده من العرقية و"واحدية اللون"، وهنا لابد من الإشارة إلى "الهيغلية"، النموذج الناجح للمركزية الغربية الشمولية الذي تأتي خلاصته الحدية حول "تميز وجدارة الأوروبيين" بالمعني الحضاري (والجرمانيين كنموذج)، باعتبارهم التحقق الفعلي للوغوس، الممثل لشيخوخة التاريخ.

 

إنه خطاب أيقظه من مرقده "فوكوياما" بعد قرنين من الزمن في "نهاية التاريخ والإنسان الأخير".

 

ورثة اللوغوس

إن اللوغوس، سواء كانت تجلياته (كلمة، عقل، منطق) ليس مرتبطا أصلاً وانتهاءً بالغرب -كما يروج لذلك الخطاب الفلسفي الغربي- بل إنه جهد الإنسان في عوالم وثقافات وحضارات أضاف كل منها للمشروع الإنساني بقدر حيويتها وتثاقفها التاريخي.

 

أما محاولة الاقتصار على "الاتصال باليونان" كبداية مقطوعة العلائق بالآخر، فإنه ليس أكثر من هدم للتعاقب والدّولة التاريخية بين بني آدم.

 

لهذا ظلت مسألة التوتير بين الذات والموضوع حية على حد تعبير هيغل، وقد سبقته إليها الثقافات القديمة (مصرية وسامية وأفريقية) قبل أن يرثها الغربيون الذين أجهدوا أنفسهم لتخليصها من إضافات "الأخلاط" الثقافية والحضارية، مما يؤسس لمنطق الإقصاء بدلا من المشاركة، والسحق بدلا من التفاعل، وهو على أية حال يعيد الثقافات والحضارات إلى نقطة البدء في كل جولة تاريخية.

 

"
من الظلم للحقيقة نفسها أن يهال تراب الجهل على جهود كل الأمم لا لشيء إلا نزوعا إلى الفرادة ونفيا للآخر في حالة من النرجسية والتضخم للأنا الأعلى تنسف إنسانية الإنسان وتحيله إلى الرقمية والشيئية
"
وبكلمة واحدة، فإن الكتاب يقرر أن اللوغوس، هو ميراث الإنسانية (منطق، حكمة، عقل) ساهمت فيه جميعا، وإن بدرجات متفاوتة، وجهودها مشهودة تاريخيا، وسيكون من الظلم للحقيقة نفسها أن يهال تراب الجهل -أو التجاهل- على ذلك كله، لا لشيء إلا نزوعا إلى الفرادة ونفيا للآخر في حالة من النرجسية والتضخم للأنا الأعلى تنسف إنسانية الإنسان وتحيله إلى "الرقمية" و"الشيئية".

 

إن الرغبة في تقديس الأنا يتطلب –على الأقل- الاعتراف بكينونات الآخرين، وهذا ما عليه مدار ورثة اللوغوس، وإلا فإن "نفي الآخر" سيكون سلاح الجميع، وعلى المرء أن يتصور أي نوع من الانسجام سيسود العالم يومها.

 

وعلى الرغم من نخبوية اللغة والتحليل التي طبعت الكتاب وميزته بجدارة، فإنه يلقي أكثر من حجر في المياه الراكدة على أكثر من صعيد عربيا وعالميا.

 

ويستمر السجال حول اللوغوس ما لم يتم الإجماع على تعريفه، وتوضيح حقيقته تاريخيا وفكريا، ومبتدئه ومساراته ومآلاته، ولعل هذا الكتاب مساهمة عربية بالخصوص.

المصدر : الجزيرة