عرض/ أحمد فياض
لا تنفك إسرائيل عن الزعم أنها واحة الديمقراطية وسط أنظمة دكتاتورية لا تولي أي احترام لقيم الديمقراطية، وهذا الكتاب يحاول اختبار صدقية هذا الزعم عبر الوقوف على هامش الحرية التي يمنحها النظام السياسي الإسرائيلي للصحافة ولحرية التعبير، مع العلم بأن ضمان حرية الصحافة هو أحد أهم المعايير التي تقاس بها ديمقراطية أي نظام سياسي.

 










 

- الكتاب: العسكر والصحافة في إسرائيل
- المؤلف: صالح النعامي
-عدد الصفحات: 145
- الطبعة: الأولى 2005

-الناشر: دار الشروق، القاهرة

يتعرض الكتاب بالتفصيل لجملة القيود التي يفرضها القانون الإسرائيلي على حرية الصحافة، إلى جانب الرقابة الذاتية التي تداعت وسائل الإعلام الإسرائيلية لفرضها على نفسها بدعوى الالتزام بـ "المسؤولية الوطنية" في كل ما يتعلق بالنشر حيث تطوعت لـ "غربلة" المواد التي تنشرها خوفا من أن تمس بـ "الأمن الوطني والنظام العام".


و
يوضح الكتاب -المكون من سبعة فصول- أن الصحافيين الإسرائيليين مارسوا مهامهم باعتبارهم كتيبة مقاتلة تتحرك ضمن الإستراتيجية التي تحددها مصلحة المشروع الصهيوني، وتتولى الدفاع عن كل مخططاته وسياساته.

 

ويتعرض لصور تجند وسائل الإعلام الإسرائيلية واستنفارها لخدمة رواية سلطات الاحتلال، وتواطؤها في قتل شهود الإثبات على الجرائم ضد الشعب الفلسطيني.

 

ويبرز تفنن وسائل الإعلام الإسرائيلية في ابتداع آليات سحب الشرعية عن النضال الوطني الفلسطيني المشروع ضد الاحتلال، وتحميل الضحية الفلسطيني المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحقه.

 

الرقابة العسكرية

"
إسرائيل هي "الديمقراطية" الوحيدة في العالم التي تفرض على المطبوعات ووسائل الإعلام فيها رقابة عسكرية مسبقة بحكم القانون
"
بعد أن تطرق الكتاب إلى مراحل تطور الصحافة الإسرائيلية، تناول بالتفصيل القيود التي يفرضها القانون الإسرائيلي على حرية الصحافة، وتحديدا القوانين التي تشرع فرض رقابة عسكرية مسبقة على النشر.

 

فإسرائيل هي "الديمقراطية" الوحيدة في العالم التي تفرض على المطبوعات ووسائل الإعلام فيها رقابة عسكرية مسبقة بحكم القانون، إذ يحظر القانون نشر وبث مواد قبل الحصول على إذن من سلطات الجيش ممثلة بمؤسسة الرقابة العسكرية. والمفارقة أن محرري الصحف هم الذين بادروا باقتراح فرض رقابة عسكرية على ما تنشره صحفهم، وهو ما لم تقدم عليه أي صحافة في العالم.

 

ليس هذا فحسب، بل إن نقابة الصحافيين الإسرائيليين تطوعت عام 1948 لتوفير مقر لضابط عسكري لكي يقوم بدور الرقيب على ما تنشره الصحف، فقامت النقابة بإخلاء إحدى غرف مقرها في تل أبيب ليكون المقر المؤقت للرقيب العسكري!!

 

وعندما كانت معلومات ذات طابع أمني تتسرب لوسائل الإعلام كانت لجنة محرري الصحف هي التي تطالب بتشديد أساليب الرقابة على ما تنشره ومؤسستها بشكل يحول دون تسرب هذه المعلومات.

 

ويوضح الكتاب دور لجنة محرري الصحف في التعاون مع سلطات الجيش في تحديد المبادئ العامة للرقابة العسكرية، حيث تم تحديد 16 مجالا يحظر نشر معلومات بشأنها، 15 منها تتعلق بالقضايا الأمنية.

 

أحد البنود العامة للرقابة العسكرية يتعلق بحظر نشر معلومات "من شأنها أن تؤدي إلى إثارة الفزع في أوساط الجمهور". وهذا البند الفضفاض والمثير للاستغراب ظل حتى الآن أحد المعايير التي تعتمدها الرقابة العسكرية في تعاملها مع المواد الصحافية، مع العلم بأن هذا البند سمح للرقيب العسكري باعتبار الكثير من المواد "مثيرة للفزع في أوساط الجمهور".

 

يتعرض الكتاب أيضا للإطار القانوني للرقابة العسكرية الذي يعتمد على القوانين التي سنها الانتداب البريطاني قبل الإعلان عن الدولة العبرية، وخصوصاً قانون الصحافة للعام 1933 وقانون الطوارئ للعام 1945.

 

وحسب نص القانون فإنه لا يحق فقط للرقيب العسكري الاطلاع على المواد المتعلقة بالأمن، بل يحق له الاطلاع على المواد المتعلقة بالرياضة وحتى بنشرة الأحوال الجوية.

 

يفوض القانون للرقيب العسكري حظر نشر كل مادة يرى أن نشرها قد "يمس بقدرة البلاد على الدفاع عن نفسها، ويضر بسلامة الجمهور والنظام العام".

 

وللرقيب وحده الحق في تحديد معايير "المس بقدرة البلاد على الدفاع عن نفسها"، أي أن القانون أتاح لمقص الرقيب هامشا واسعا.

 

ويبين الكتاب أن الهوس الأمني واعتبارات سياسية وشخصية كانت الدوافع وراء الكثير من القيود التي فرضها الرقيب على نشر المواد في وسائل الإعلام، وأنه على الرغم من التعاون الذي أبدته الصحف مع الرقيب العسكري، فإنه سرعان ما توسع في تطبيق القانون وقام بإغلاق العديد من الصحف وفرض غرامات مالية عليها، الأمر الذي دفعها للاحتجاج.

 

وبفعل هذه الاحتجاجات توصل محررو الصحف مع سلطات الجيش إلى تسوية تحل عمليا محل قانون الرقابة العسكرية، وتنص التسوية على تشكيل لجنة ثلاثية مكونة من ممثلين عن لجنة المحررين وممثلي الجيش وشخصيات عامة لتحاول حل الإشكاليات المتعلقة. ونصت التسوية أيضا على أن يكون فرض العقوبات بالتدريج ولا يتم إلا بعد التقاء الرقيب بمحرر الصحيفة التي خالفت تعليمات الرقيب.

 

"
معايير حظر النشر تتعلق بهوية الناشر والجمهور المتلقي، فإذا كان الناشر فلسطينيا والجمهور المتلقي فلسطينيا فإن قيود الرقيب لا تعرف حدودا
"

الانتقائية ضد الصحف الفلسطينية

يتعرض الكتاب للطابع الانتقائي في تطبيق القوانين المتعلقة بالصحافة في إسرائيل، ومبالغة الدولة في تطبيق القوانين على المطبوعات الفلسطينية.

 

فالصحف الفلسطينية سواء التي تصدر داخل إسرائيل أو تلك التي تصدر في القدس المحتلة ليست ممثلة في "لجنة المحررين"، ومن هنا فهي لم تكن طرفا في التسوية التي توصل إليها الجيش مع "لجنة المحررين"، وظلت الرقابة العسكرية على ما تنشره الصحف الفلسطينية تخضع لقانون الرقابة الانتدابي.

 

والرقيب العسكري استنفد كل الصلاحيات التي يخولها له القانون في حظر نشر كل المواد التي يرى أنها تعبر عن التعاطف مع النضال الوطني للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال.

 

كما استغل صلاحياته لتقليص الهامش المتاح لفلسطينيي عام 48 للتعبير عن آرائهم وإبداعهم الأدبي والفكري والفني، وأغلق الصحف الفلسطينية وفرض الغرامات المالية على محرريها وكتابها بتهمة التحريض على مساعدة "الإرهاب".

 

يتوصل الكتاب إلى حقيقة مفادها أن معايير حظر النشر تتعلق بهوية الناشر والجمهور المتلقي، بحيث إن كان ناشر الصحيفة فلسطينيا والجمهور المتلقي فلسطينيا فإن قيود الرقيب لا تعرف حدودا.

 

فمثلا منذ العام 1953 وحتى الآن لم يحدث أن قام وزير الداخلية بناء على توصيات الرقيب بإغلاق أي صحيفة عبرية باستثناء مرة واحدة، لكن الصحف الفلسطينية تعرضت مرات عديدة للإغلاق وفرض الغرامات.

 

وإلى جانب قانون الرقابة العسكرية، هناك جملة من القوانين التي تقلص من حرية الصحافة الإسرائيلية، لكنها في الواقع تطبق على الصحف الفلسطينية تحديدا.

 

وهناك قوانين تخول وزارة الداخلية الموافقة على طلب إصدار صحيفة أو رفض الطلب، أو إغلاق صحيفة قائمة، ونادرا ما استغل وزير الداخلية صلاحياته ضد الصحف العبرية، في حين أنه لا يتورع على إغلاق الصحف الفلسطينية بناء على توصية المخابرات الإسرائيلية.

 

ويعتبر قانون "التحريض على التمرد" أحد أبرز القوانين الجنائية التي تتيح تقليص حرية الصحافة، لأنه يوسع مفهوم "التمرد" بشكل يعزز الرقابة الذاتية لدى المحررين والصحفيين، وكذلك قانون "التحريض على العنصرية" الذي يشرع في الواقع التحريض العنصري على الفلسطينيين.

 

فهذا القانون لا يعتبر الدعوات العنصرية تجاوزا للقانون إذا استندت إلى اقتباسات من الكتب الدينية اليهودية! مع أن جميع المنظمات الإرهابية اليهودية التي تنشط ضد الفلسطينيين تستند إلى اقتباسات من الكتب الدينية اليهودية.

 

كما لعب قانون "التحريض على الإرهاب" دورا أيضا في تشريع محاربة الصحافة الفلسطينية، إذ تم إغلاق هذه الصحف استنادا لهذا القانون، على اعتبار أنها على علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تعتبر منظمة إرهابية.

 

ولسنوات طويلة تم حظر نشر مقالات مؤيدة لمنظمة التحرير في الصحف الفلسطينية الصادرة في القدس الشرقية بزعم أن هذا يمثل "تحريضا على الإرهاب".

 

القانون الجنائي: ماكينزمات ردع الصحافة

"
يحظر القانون على موظفي الدولة تسريب أي معلومة للصحافة وهو ما قلص من قدرة الصحافي الإسرائيلي على الوصول إلى مصادر المعلومات
"
يشير الكتاب إلى جملة من القوانين الجنائية التي تعمل على ردع الصحافة الإسرائيلية عن النشر، مثل قانون القذف والتشهير، وقانون المحاكم، فضلا عن حظر القانون على الصحافة مجرد الحصول على ما يعتبر معلومة "سرية".

 

ويحظر القانون على موظفي الدولة تسريب أي معلومة للصحافة بدون إذن مسبق، سواء كانت سرية أو غير سرية، وهذه القوانين في المحصلة قلصت من قدرة الصحافي الإسرائيلي على الوصول إلى مصادر المعلومات.

 

ليس هذا فحسب، بل إنه وحتى أواسط الثمانينيات من القرن الماضي كانت المحاكم تلزم الصحافيين بالكشف عن مصادر معلوماتهم.

 

ويشير الكتاب إلى العديد من الأمثلة التي تؤكد تواطؤ الجهاز القضائي الإسرائيلي للتستر على عمليات القمع ضد الفلسطينيين عبر التوسع في تطبيق القوانين الجنائية.

 

وينبه إلى الدور الذي تعلبه مؤسسة "الناطق باسم الجيش" في منع تسريب المعلومات التي تفضح ممارسات الجيش ضد الفلسطينيين، إذ إنها لا تتعاون مع الصحافيين إلا إذا أثبتوا أنهم مستعدون لتبني الرواية الرسمية للجيش.

 

آليات تجريم النضال الفلسطيني

يوضح الكتاب الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الإسرائيلية إبان انتفاضة الأقصى في جعل الجمهور الإسرائيلي أسيرا للرواية الرسمية لكل من الحكومة والمؤسسة الأمنية.

 

فقد تم تصوير الانتفاضة على أنها الرد الفلسطيني "الإرهابي" على المقترحات "السخية" التي عرضتها إسرائيل على القيادة الفلسطينية قبيل اندلاع الانتفاضة.

 

ويشير الكتاب إلى أن الإعلام الإسرائيلي اعتمد في تغطيته للانتفاضة طريقة تعبوية، ولعب دورا في تجريم الاحتجاج الفلسطيني على الاحتلال ومظاهره.

 

وينبه إلى دور الصحافة الإسرائيلية في نزع الشرعية عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كقائد منتخب للشعب الفلسطيني وكشريك لإسرائيل في مشروع التسوية، على اعتبار أنه يتحمل مسؤولية كبيرة في التخطيط لاندلاع الانتفاضة.

"
الإعلام الإسرائيلي اعتمد في تغطيته للانتفاضة طريقة تعبوية ولعب دورا في تجريم الاحتجاج الفلسطيني على الاحتلال ومظاهره
"
ويبين من خلال دراسة محتوى ما نشرته الصحف الإسرائيلية في بداية الانتفاضة أن تغطية هذه الصحف كانت انتقائية إلى حد كبير، حيث تم تخصيص مساحات واسعة للحديث عن "العنف الفلسطيني"، في حين تم إهمال القمع الإسرائيلي للمدنيين الفلسطيني أو تصويره على أنه ردة فعل لا مفر منها.

 

ومن خلال دراسة المحتوى يتبين كيف عمدت الصحف في التغطية على جرائم الاحتلال من خلال التوسع في استخدام صيغ المبنى للمجهول لمحاولة إخفاء هوية المجرم، والتوسع في استخدام صيغ المبنى للمعلوم في الإشارة إلى ما تعتبره "العنف والإرهاب" الفلسطيني.

 

كذلك تطرق الكتاب إلى تميز تغطية الصحافة الإسرائيلية بتبني الرواية الرسمية للدولة العبرية وتجاهل الرواية الفلسطينية أو التشكيك فيها، حيث لم تكتف الصحافة بالدفاع عن الدولة والجيش، بل تولت الدفاع عن المستوطنين وبررت جرائمهم ضد الفلسطينيين.

 

يشير الكتاب بالتفصيل إلى دور المستشرقين والمراسلين العسكريين والمعلقين للشؤون العربية في وسائل الإعلام الإسرائيلية في التحريض ضد الفلسطينيين، فضلا عن دورهم في تجاهل التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية مقابل التوصل إلى تسوية مع إسرائيل.

 

ويتعرض للجهد الذي بذلته وسائل الإعلام الإسرائيلية في اشتقاق وتسويق المصطلحات التي تخدم الخط الدعائي الإسرائيلي، يتناول مضامين البث لوسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية باللغة العربية، حيث يثبت أنها تخضع لإشراف المخابرات الإسرائيلية التي تقوم بتوجيهها واستغلالها للبث باللغة العربية سعيا إلى تجنيد عملاء من بين الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة