عرض/ سكينة بوشلوح

دشن مخبر الأبعاد القيمية للتحولات الفكرية والسياسية في الجزائر نشاطه العلمي والأكاديمي الأول بدراسة علمية رصينة تضم رؤية جديدة لثورة التحرير الجزائرية، عمد فيها الدكتور البخاري حمانة أستاذ الفلسفة في جامعة وهران "غربي الجزائر" إلى إخراج الدراسات حول هذه الثورة من مجالات السرد والترديد إلى آفاق البحث الموضوعي ذي البعد الفلسفي والتقييمي.

 

الكتاب: فلسفة الثورة الجزائرية

المؤلف: البخاري حمانة

عدد الصفحات: 298

دار النشر: مخبر الأبعاد القيمية للتحولات الفكرية والسياسية في الجزائر، دار الغرب للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 2005

وفي نسق بعيد عن الطرح المباشر وبأسلوب امتزج فيه طرح الإشكالية بفرضياتها، جاءت مقدمة كتاب "فلسفة الثورة الجزائرية" الذي ضم ثلاثة أبواب ممهدة للموضوع عبر تأكيد استحالة حل القضايا التي يطرحها التاريخ بالوسائل التاريخية وحدها، واستحالة المقاربة الموضوعية الكاملة لكل من الثورة والسياسة والتاريخ، وذلك نظرا للجيشان الذي يتميز به الحدث الثوري ولذاتية معطيات السياسة وعدم قابلية وقائع التاريخ للتكرار داخل المخبر.

 

لأجل ذلك يؤكد حمانة أن دراسة ثورة نوفمبر 1954 يجب أن تتم وفق منهج يتعدى التركيز على العلاقات السببية بين الأحداث إلى المعنى أو الدلالة العامة لها المستمدة من الواقع، كما تصوره أو عاشه ليس فقط أولئك الذين تحملوا مسؤولية تغييره، وإنما كما عاشه وتصوره من جاء بعدهم ممن تصدوا له بعد ذلك بالبحث والتحليل.

 

إذ الهدف من مثل هذه الدراسات هو الوصول إلى فهم المؤسسات وأفعال الرجال -الذين لم يعد معظمهم أحياء- فهما لا ينطلق من منظور علاقة سبب ونتيجة، بل من منظور تركيبي منطلق أساسا من الحدس والفهم.

 

ومن ثم يرى المؤلف أن دراسة أي ثورة أو حدث تاريخي دون الاهتمام بالفكرة أو بالأفكار القابعة وراء أحداثها تصبح غير مجدية، لأنها لا تعكس ما تنطوي عليه تلك الأحداث من إحساس وقصد وإرادة وعواطف، ولأن الحقيقة التاريخية لا تتوقف في النهاية على الواقع وإنما على المهمة التي نذر الإنسان نفسه لها تجاه ذلك الواقع.

 

ويعتقد الباحث أنه آن الأوان لإخراج الثورة الجزائرية من جانب التناول الحماسي والعاطفي المحض، وآيته في ذلك أن مثل هذا التفسير لهذه الثورة -خاصة ذلك الذي يركز على الترابط الآلي بين الأسباب والنتائج- سيجعلنا عاجزين دون شك عن فهم الأسباب التي جعلت عوامل استعمارية مشابهة لا تؤدي إلى نتائج ثورية وطنية وقومية متشابهة.

 

كما سيجعلنا عاجزين كذلك عن الوقوف على الأسرار التي جعلت أكثر من ثورة تحريرية معاصرة في العالم الثالث -بصورة خاصة- منبعثة من الظروف الاستعمارية التي انبعثت منها ثورة نوفمبر، تتوصل إلى نتائج مختلفة عن تلك التي توصلت إليها هذه الأخيرة، حيث لم يفض بعضها إلا إلى مجرد تغييرات شكلية في نظام الحكم وبنية المجتمع.

 

الفلسفة والثورة والواقع

"
تختلف الثورة عن الانقلاب الذي يهدف في الغالب إلى الاستيلاء على الحكم بدلا عن الأقلية أو الأكثرية الممسكة به، وتختلف عن العصيان الذي هو انتفاضة مسلحة ضد السلطة
"
الباب الأول من الكتاب يضم ثلاثة فصول تصب مضامينها في الحديث عن الواقع وإشكالية مقاربته، من خلال تحديد بعض المفاهيم المعرفية التي تلتقي جميعها في شكل من أشكالها بمعنى الثورة، ثم بالحديث عن الجذور التاريخية لثورة نوفمبر ليتطرق في الأخير إلى واقع الجزائر عشية الثورة.

 

إن تحديد كل من مفهومي الفلسفة والثورة يجعلنا نميز الثورة عن غيرها من الأشكال الأخرى الرافضة للواقع، والفلسفة عن غيرها من أنواع التأمل غير الفاعل فيه.

 

والثورة والانقلاب والعصيان والانتفاضة والحرب.. كلها مصطلحات تتداخل مفاهيمها من جهة إرادة التغيير والعمل لأجله، لكنها تتميز عن بعضها حسب رأي المؤلف من جوانب عدة، فالثورة مصطلح يراد به من حيث معناه اللغوي الهيجان والغضب، ومن ثم توصف التحولات الكونية والطبيعية بالثورة.

 

وهي من المنظور الإسلامي دعوة للعودة إلى الدين من خلال مطالبته بالقطيعة مع كل رموز الشرك، كما أنها في اصطلاح المؤلف تعني التبديل السريع والعنيف في الغالب في السياسة وفي نظام الحكم.

 

والثورة تختلف عن الانقلاب الذي يهدف في الغالب إلى الاستيلاء على الحكم بدلا عن الأقلية أو الأكثرية الممسكة به، وتختلف عن العصيان الذي هو انتفاضة مسلحة ضد السلطة القائمة دونما مشروع سياسي أو اجتماعي واضح.

 

كما تختلف عن الانتفاضة التي هي حركة جماهيرية موجهة في الغالب ضد الظلم بمختلف أشكاله السياسية والاجتماعية، والتي تقتصر بداية على رفض الواقع القائم وتبقى دائما الممهد الأول للثورة.

 

أما الحرب التي تعني بصورة عامة القتال المسلح بين دولتين أو أكثر أو بين مجموعتين اجتماعيتين داخل الدولة أو الأمة، فإن الثورة لا تأخذ الجانب العسكري كأساس أول وأوحد لها.

 

لأجل هذا يعتبر المؤلف أن ثورة نوفمبر ثورة تحريرية أخذت في بدايتها شكل المقاومة، شأن كل ثورة ترفض أن تبقى بعد ذلك عند حدودها كما فعلت العديد من الانتفاضات الوطنية التي سبقتها.

 

وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية جد مزرية مثلت بحق واقعا متخلفا، عملت الثورة على إحداث القطيعة معه، إذ انفجرت في وجه الاستعمار المهزوم نفسيا أمام ضياع الهند الصينية منه واستقلال كل من تونس والمغرب.

 

ومن خلال عرض حمانة لموقف الرفض تارة وموقف التردد والانحياز تارة أخرى لكل من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والأحزاب السياسية والجماهير الشعبية والصحافة الفرنسية والأقلية اليهودية، يؤكد أن الثورة -دينية كانت أو سياسية باعتبارها أولا وقبل كل شيء تطرفا وتخليا عن التعقل وعدم اكتراث بالظروف المزرية المحيطة بها- لا يمكن أن تولد في بدايتها إلا خوفا ورفضا لها لدى العديد من الناس.

 

غير أن ذلك الطابع غير المعهود هو الذي يحول الظاهرة الثورية إلى ظاهرة مسكونة بتصميم أعمى لا يلبث أن يجعلها تتحدى كل تلك الظروف المزرية، وتتجاوز بسرعةٍ حساباتها وحسابات الآخرين على حد سواء.

 

فلسفة ثورة نوفمبر

"
تميزت الثورة الجزائرية  بالعديد من المقاربات التي حاولت التعرف على ما تمثله من استمرارية أو من قطيعة أو من إبداع أو اتباع لتلك الأفكار والتيارات الأيديولوجية الفلسفية الوطنية منها والعالمية
"
من منطلق التفكير الفلسفي وفي الباب الثاني من الكتاب، يقرر المؤلف أن عملية تحديد هوية أي ظاهرة من فعل العقل ومن فعل الذاكرة في الوقت نفسه وليست من فعل الظاهرة التي لا تعي ذاتها.  

 

وثورة نوفمبر تميزت بالعديد من المقاربات التي حاولت التعرف على ما تمثله من استمرارية أو قطيعة أو إبداع أو أتباع لتلك الأفكار والتيارات الأيديولوجية الفلسفية الوطنية منها والعالمية، وهي المقاربات التي لخصها المؤلف في ثلاثة أنواع هي:

 

1- المقاربات الإسلامية أو الإسلاموية -على حد تعبيره- ويعزوها إلى رموز الفكر الإسلامي في الجزائر المعاصرة ومن ضمنهم العديد من رجالات جمعية العلماء المسلمين، ومفادها أن فلسفة نوفمبر كانت شكلا ومضمونا فلسفة ثورية جهادية.

وهذه المقاربة تظهر واضحة لدى المفكر مالك بن نبي حين يشير إلى أن ثورة نوفمبر استمدت روحها من تاريخنا الإسلامي المجيد.

 

وضمن هذا المنظور ترجع هذه المقاربة جزءا كبيرا من المشاكل التي بدأت تعرفها الثورة من عام 1958 على مستوى النظر والعمل، والتي أفقدتها في النهاية شطرا كبيرا من روحها وصفائها واطرادها إلى أن أبعدتها عن مبادئها الأولى وفي مقدمتها المبادئ الإسلامية.

 

وفي إطار هذه المقاربة أيضا يدمج المؤلف رموز الحركة الإسلامية المعاصرة في الجزائر اليوم الذين رأوا بدورهم أن الحدث المعلن عن ميلاد ثورة نوفمبر قد انطلقت شرارته بنداء "الله أكبر" وبالجهاد، وذلك عن طريق قلة صادقة من المؤمنين الذين وهبوا أنفسهم لإعلاء دين الله في هذه الأرض الطيبة.

 

ثم الذين يعيبون اليوم على السلطة السياسية الجزائرية انحرافها عن تلك الروح الإسلامية واستبدالها بأيديولوجيات غربية لا علاقة لها بالشعب الجزائري سوى علاقة الدمار والضياع الفكري والروحي، كما أكدت ذلك المشاكل والأزمات التي تعصف بالبلاد اليوم والتي لا حل لها إلا بالعودة إلى الإسلام وتطبيق مبادئه.
 

"
إذا كانت فلسفة ثورة نوفمبر قد تغذت من الفكرة الوطنية الجزائرية النابعة من الإسلام، فإنها لم تلبث بحكم تفاعلها مع الواقع أن أخذت إلى جانب ذلك أبعادا سياسية وفكرية جديدة
"

وهذا الرأي في الحقيقة نقله الدكتور البخاري من كتاب زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة الدكتور عباسي مدني "أزمة الفكر الحديث ومبررات الحل الإسلامي" ومما كان يعرض له من آراء في جريدة المنقذ التي كانت الجبهة تصدرها.

 

2- المقاربات العلمية والعلمانية، وترى أن ثورة نوفمبر كحدث شأنه شأن أي حدث ثوري آخر لم يولد من فراغ، بل كان وليد جهود الشعب الجزائري النضالية عبر تاريخه الطويل، والنتاج المباشر للحركة الوطنية التي كانت -كما أكد بيان الثورة- قد اقتربت من مراحلها الأخيرة.

 

فجبهة التحرير الوطني هي بنت المبادرة الشعبية وامتداد أيديولوجي لحزب الشعب وحركة انتصار الحريات، وهي لم تفعل في الحقيقة سوى إحياء النضال القاعدي من خلال مضاعفة إمكانيات وعدد الأقلية الفاعلة فيها.

 

3- المقاربات الشعبوية والماركسية، وهذه ترى أن ثورة نوفمبر امتداد تلقائي وانعكاس باهت لفلسفات شعبوية اشتراكية وماركسية، وهي بحكم التناقض الاستعماري ليست مجرد حركة وطنية وإنما حركة ثورية وطنية واجتماعية في نفس الوقت.. حركة ذات مضمون شعبوي في مفهومه الروسي تارة، مضافا إليه نبرة إسلامية عربية تارة أخرى.

 

وأمام هذه المقاربات يتساءل المؤلف: هل يعني ذلك أن فلسفة نوفمبر لم تكن في النهاية سوى تكرار رديء للفلسفات والأيديولوجيات الوطنية والعالمية التي سبقتها وعاصرتها؟

 

ويجيب قائلا إنه لو كان الأمر كذلك لما كان هناك مبرر أو حاجة إلى مثل هذه الدراسة والدراسات الأخرى المماثلة، إذ المهم ليس نفي أو إثبات مثل تلك الاستمرارية أو القطيعة.

 

 وباعتبار أن ثورة نوفمبر -شأنها شأن الحدث المجسد لها- إذا كانت لم تولد من العدم بل من أيديولوجيا الحركة الوطنية الخاصة، فإن ذلك لا يعني أنها لم تمثل نوعا من القطيعة معها.

 

ويوضح موقفه في الأخير بالتأكيد على أن فلسفة ثورة نوفمبر إذا كانت قد تغذت من الفكرة الوطنية الجزائرية النابعة من الإسلام، فإنها لم تلبث بحكم تفاعلها مع الواقع أن أخذت إلى جانب ذلك أبعادا سياسية وفكرية جديدة مكنت لها من الوصول بالشعب الجزائري إلى الحرية والاستقلال.

 

ومثلت بذلك قطيعة نظامية خاصة مع حزب "الشعب" وتحررا من هالة الزعيم وتجاوزا لفلسفة العمل السياسي النظري والتقليدي الذي تبنته الحركات السابقة.

 

مفارقات النظري والتطبيقي

"
لا تستطيع الفلسفة مهما كانت موضوعية أسسها وفاعلية وسائلها الإفلات من تأثيرات العديد من العوامل الظرفية، لذلك فإنها لا تلبث أن تجد نفسها في النهاية دون العديد مما كانت تتوق إليه من نتائج
"
عند انتقاله من الطرح النظري لفلسفة ثورة نوفمبر إلى الطرح التطبيقي لها، يقدم المؤلف للباب الثالث من الكتاب بالإشارة إلى أن الفلسفة أيا كانت لا تستطيع -مهما كانت موضوعية أسسها وفاعلية وسائلها- الإفلات من تأثيرات العديد من العوامل الظرفية الإنسانية منها والمادية، المتوقعة منها وغير المتوقعة، لذلك فإنها لا تلبث أن تجد نفسها في النهاية دون العديد مما كانت تتوق إليه من نتائج.

 

والحقيقة أن هذه المقدمة تمثل تبريرا للمؤلف عن ذلك البون الشاسع الذي يظهر بين الطرح النظري لفلسفة الثورة، وبين ما قد يخالف هذا النظري حال التطرق للجانب التطبيقي لهذه الفلسفة لا الثورة بحد ذاتها.

 

فوحدة الشعب والأرض، الشمال والجنوب، الريف والمدينة، الأغنياء والفقراء، الماضي والمستقبل.. كلها أسس ومبادئ متعارف عليها في كل ثورة.

 

وثورة نوفمبر تحديدا تميزت -حسب رأي الدكتور حمانة- على مستوى النظر والممارسة بأسس أخرى هي التفاؤل والوضوح والعمل والديمقراطية.

 

أما التفاؤل فقد عبر عنه بالأمل والإيمان الراسخ بإمكانية الحرية، وانعدامه لدى الأحزاب الوطنية السابقة هو الذي جعلها لا ترى الشعب الجزائري إلا من خلال حاضر الاستعمار المزري، فلم تطرح بذلك قضية الثورة المسلحة كإمكانية أو عدم إمكانية، في حين طرحته فلسفة نوفمبر كحتمية يجب البحث عن أفضل الطرق للإسراع من نهايتها.

 

والوضوح والعمل عبر عنهما بالإدراك الجدلي للنظر والعمل، أي تجنب كل تباعد بين الفكرة الثورية الحاملة لهذه الفلسفة وبين تطبيقها.

 

ولأجل تحقيق العمل انصهرت جدليا في لهيب الكفاح الوسيلة والغاية، وتحولت الجماهير بدورها إلى غاية وإلى وسيلة لتلك الثورة.

 

ويضرب المؤلف أمثلة لذلك بأحداث 20 أغسطس 1955 وبحرب العصابات الخاطفة المتبناة بعد أغسطس 1956، وبتحويل العنف الفردي الهامشي والفوضوي إلى عنف جماعي منظم وسياسي هزم التفوق المادي للمستعمر.

 

كما مثل لهذا العمل وفاعليته بتحرر الشعب الفرنسي ذاته من فاشية عسكرية مؤكدة، وبإسراع المستعمر في منح كل من تونس والمغرب الاستقلال بهدف التفرغ لسحق الثورة.

 

أما الديمقراطية في هذه الفلسفة فليست مجرد رغبة في الاعتراف المتكافئ أو المتعادل -حسبما رأى فوكوياما- بأنه وجد الحلقة المفقودة للديمقراطية الغربية، بل هي انتقال لهذا الاعتراف المتكافئ إلى فعل ثوري جماهيري في الميدان.

وهنا لا بد لنا أن نشير إلى أنه رغم الشكل الفلسفي في عرض هذه المميزات نلاحظ أن انبهار المؤلف بهذه الثورة أدى به إلى إهمال العديد من السلبيات التي صاحبتها، كما أن التركيز على البعد العملي لها لا يمكن أن يفصل عن جانب الحقائق التاريخية التي قد تشير أحيانا إلى خلاف ما يرجى أو ما تقصده فلسفة الثورة ذاتها.

 

"
يبين الواقع الذي تعيشه الجزائر اليوم أن تلك الفلسفة وتلك الثورة إذا كانتا عملاقتين في انتصاراتهما أثناء مرحلة التحرير، فإنهما قد منيتا أثناء معركة التعمير بهزائم "عملاقة"
"

إن الحقيقة التي يؤكدها تاريخ كل الثورات الدينية والسياسية التي عرفتها الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة نحو حريتها، تؤكد فعلا المقولة التي ترى "أن الثورة يخطط لها العقلاء وتنفذها الدهماء ويستغلها الأعداء" وهو الأمر الذي لم تسلم منه ثورة نوفمبر على حد رأيه.

 

فالواقع الذي تعيشه الجزائر اليوم واقع يبين أن تلك الفلسفة وتلك الثورة إذا كانتا عملاقتين في انتصاراتهما أثناء مرحلة التحرير، فإنهما قد منيتا أثناء معركة التعمير بهزائم "عملاقة" من طرف أعدائها الذين وجدوا في انحرافات بعض رجالها فرصتهم للتكالب عليها من كل اتجاه، بهدف تقويضها من الداخل بعدما استحال عليهم بالأمس مواجهتها من الخارج.

 

ويعد المؤلف أهم سلبيات هذه الفلسفة في فشلها في تحقيق القطيعة مع ذهنيات وممارسات الأحزاب الوطنية عامة، والاحتكار الأيديولوجي للثورة والفكرة الوطنية والذي تمثّل في اعتبار أولئك الرواد أنهم هم الشرعيون الوحيدون، ومن ثم الإبعاد المباشر وغير المباشر للسياسيين والمثقفين أثناء الثورة وبعدها.

 

ويختم البخاري حمانة كتابه بسؤال يعتقد أن الإجابة عنه من حق الشعوب وحدها، وهو: هل صحيح أن رواد الثورات التحريرية هم -كما يدعون- الأكثر تأهيلا من غيرهم لقيادة ثورات البناء والتعمير؟ ولعل مثل هذا السؤال يعد في حقيقته نداء لأجل استعادة روح ثورة نوفمبر وإعمال منطقها الفاعل الذي غذى بالأمس الثورة التحريرية، وصولا بها إلى إعادة غرسها في الفكر والوعي الجزائريين.

المصدر : الجزيرة