عرض/نزار رمضان

في هذا الكتاب يستعرض العقيد الإسرائيلي المتقاعد عوزي عيلان التطور الأمني الإستراتيجي المعاصر في أوروبا.

 

ويحاول الكاتب -وهو أحد الباحثين المتخصصين في الشؤون الأوروبية الأمنية في مركز يافا للدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة تل أبيب- عرض آخر التطورات الأمنية على الصعيد الأوروبي.

 

أهمية الكتاب

- العنوان: الهوية الأوروبية الجديدة
- المؤلف: عوزي عيلان
- عدد الصفحات: 135
- الناشر: مركز يافا للدراسات
- الطبعة: الأولى، 2005

تكمن أهمية الكتاب الذي صدر في مارس/آذار 2005 في كونه يتحدث عن تطور جديد في السياسة الأوروبية الأمنية التي بدأت تهتم ببناء قوة أمنية إستراتيجية تجذر للأوروبيين هوية جديدة في العالم، كما هو الحال مع الهوية الاقتصادية التي تم ترسيخ قواعدها من خلال اليورو والبنك الأوروبي، إضافة إلى الهوية السياسية والدبلوماسية التي تم بناؤها من خلال البرلمان الأوروبي الموحد.

 

ويطرح الكاتب عبر خمسة فصول من -خلال قراءة تحليلية- تطور العلاقات السياسية والأمنية الأوروبية بين دول الاتحاد الأوروبي نفسه والسعي الجاد لإضافة دول أخرى في الأيام القادمة، إضافة إلى العلاقة مع الناتو والولايات المتحدة الأميركية أيضا، وخاصة خلال الحرب على كوسوفو، إضافة إلى الحديث عن التطورات الأمنية العالمية التي نشأت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 م.

 

كما تناقش هذه الدراسة الإستراتيجية المعمقة التي طرأت على دول الاتحاد الأوروبي لاسيما في مجال الأمن والاقتصاد، إضافة إلى الحديث عن علاقة أوروبا بأميركا عقب الأزمة الكبرى التي نشأت بين الطرفين جراء الحملة العسكرية الأميركية ضد العراق عام 2002م.

 

السياسة الخارجية الأوروبية

"
هناك شبه إجماع  أوروبي تجاه البناء  يتناسب مع طبيعة التغيرات في العالم عقب تفرد أميركا بإدارة العالم
"
يحاول الباحث من خلال دراسته استعراض جذور العلاقات الأوروبية الأوروبية عقب تشكيل النظام العالمي الجديد، وانهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، مشيرا إلى شبه إجماع في نوايا الأوروبيين تجاه بناء جسم أوروبي مشترك، يتناسب مع طبيعة التغيرات الإستراتيجية والأمنية في العالم، عقب تفرد الولايات المتحدة الأميركية في إدارة شؤون السياسة الدولية.

 

ويتناول بالتحليل والعرض التغير الدراماتيكي في السياسة الأمنية الأوروبية من خلال العمل على إعداد الميزانيات وتوزيع الأعباء بين دول الاتحاد الأوروبي من أجل النهوض بالصناعات الأمنية والتطور الأمني، في إطار بناء قوة أوروبية مشتركة لحل النزاعات وملاحقة الإرهاب العالمي الذي ازداد ضراوة عقب أحداث برجي التجارة العالمي.

 

كما يشير إلى ضرورة توسيع حلف الناتو والحفاظ على أمن وسلامة أعضائه، حيث تنص النقطة الخامسة من ميثاق الناتو على أن أي هجوم على أي دولة في الحلف هو هجوم على الناتو نفسه، وانطلاقا من هذا التصور فإن الدول الأوروبية تسعى جاهدة لتطوير الناتو الذي برز دوره خلال حرب كوسوفو، وبات يشكل قوة أوروبية مميزة.

 

ويتعرض الكاتب لما سماه الأزمة الكبرى بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ سنة 2002 بسب الحملة العسكرية غير المبرمجة والمنسقة تجاه العراق، هذه الأزمة التي خلفت صدعا ذا مدلولات سياسية ودبلوماسية حتى بين دول أوروبا نفسها، فالبعض ساند السياسة الأميركية مثل بريطانيا، والغالبية العظمى عارضت ذلك وفي مقدمتها فرنسا وغالبية دول الاتحاد الأوروبي. 

 

ويشير إلى أن هذه الأزمة ألقت بظلالها على الوحدة الأوروبية نفسها وعلى قدرة أداء الناتو، ووضعت تحت الاختبار سلامة الاتحاد الأوروبي وكل ما يتعلق بسياساته الخارجية والأمنية، إضافة إلى أنها جاءت عقب نجاح الاتحاد الأوروبي المشترك في بناء وتأسيس قدرة عسكرية أوروبية مستقلة تعمل على حل الأزمات ومعالجتها على غرار أزمة كوسوفو، إضافة إلى الاستعداد والعمل على مواجهة الإرهاب العالمي في أعقاب هجوم 11 سبتمبر/أيلول واتساع دائرة تهديد المنظمات الإرهابية داخل أوروبا نفسها.

 

هذه الأزمة أثرت على العمل الإستراتيجي الذي يقوم به الاتحاد الأوروبي تجاه التطور الأمني والاقتصادي، لذلك يرى الكاتب أن نجاح أوروبا في تأصيل قاعدة اقتصادية مشتركة وموحدة بين الدول الأوروبية كفيلة باستمرار تطور هذه الدول اقتصاديا وعسكريا، مؤكدا أن النجاح في تبني اليورو وإنشاء البنك الأوروبي إضافة إلى البرلمان الأوروبي، أدى إلى تطور الحضور الإقليمي العالمي لأوروبا أمام المد الأميركي. ويبدو أن هناك شكوكا أوروبية داخلية يتحدث عنها الأوروبيون تجاه المجال العسكري، وحول قدرة أوروبا في التعامل مع الإرهاب العالمي وكبح جماحه.

 

التطور العسكري الأوروبي

"
تطورت الصناعات الأوروبية العسكرية   مشكّلة قصة نجاح مميزة من حيث المزج المشترك بين الشركات المصنعة
"
تكشف الدراسة عن مدى القدرة العسكرية الأوروبية الجديدة التي بدأت تتبلور بشكل واضح من خلال معالجة الأزمات والتنسيق بين الدول الأوروبية، إضافة إلى إنشاء قاعدة تكنولوجية وصناعية عسكرية مشتركة للتعامل مع الأزمات والتهديد الإرهابي العالمي.

 

هذه الخطوات والأفكار لهذه الشخصية الجديدة ستفرض على إسرائيل ضرورة تعزيز علاقاتها الأمنية مع الاتحاد الأوروبي، في ظل الصراع العربي الإسرائيلي وخاصة الفلسطيني الإسرائيلي الذي سيتأثر بهذه التطورات.

 

كما تعرضت الدراسة بالتحليل والعرض لكل ما يتعلق بالتكوينة الأمنية الأوروبية وخاصة الصناعات الأمنية فيها، إضافة إلى فحص وتحليل المبادئ والمكونات المهمة في المجالات التالية:

 

1- سياسة الأمن والدفاع والتي هي جزء من السياسات الخارجية والأمن الأوروبي المشترك.

2- بناء قوة عسكرية للانتشار السريع.

3- التنسيق مع الناتو.

4- تعزيز القوة العسكرية حسب سياسة الأمن والدفاع.

5- سياسة إنتاج السلاح الأوروبي.

6- التعاون بين الصناعات الأمنية الأوروبية واستيعاب وضم دول شرق أوروبا في الاتحاد الأوروبي كما سيتبلور في المستقبل.

 

وتنظر الدراسة أيضا إلى اقتفاء أثر العلاقات المتبادلة بين التطور الأمني وبشكل عام الصناعات الأمنية لإسرائيل وعلاقة ذلك مع الدول الأوروبية، ويتساءل الكاتب: هل تسير أوروبا نحو الظهور بهوية أمنية دفاعية جديدة؟ ليعود ويجيب بنفسه: "يبدو أن الأمر كذلك... نعم هي تسعى للظهور بهوية أوروبية جديدة خاصة بعد الحرب الباردة وحرب كوسوفو وعملية 11 سبتمبر/ أيلول، فالاتحاد الأوروبي اليوم يفتح أبوابه ليضم عشرة دول جديدة".

 

ويعرض المؤلف لأنواع من الصناعات الإستراتيجية العسكرية والمدنية الأوروبية المتطورة التي كان لها الأثر الكبير في نمو الدخل لدى البلدان الأوروبية، جراء مبيعاتها المتزايدة على صعيد المنتجات العسكرية من الطائرات والصواريخ بكافة أنواعها وكذلك المدرعات والمواد المتفجرة، إضافة إلى القطع العسكرية الصغيرة التي شهدت تطورا أيضا.

 

وقد تجلت الصناعات الأوروبية العسكرية وتطورت في مجالات عدة كان من بينها الصناعات الفضائية والطيران والإلكترونيات التي شكلت قصة نجاح مميزة من حيث المزج الأوروبي المشترك بين الشركات المصنعة، حيث كان الأبرز في هذا المجال شركة "EADS" والتي تشمل ثلاث شركات من ثلاث دول هي فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وقد استطاعت الشركة إنتاج طائرة "إيرباص" في مجال الطيران المدني، والطائرات المقاتلة "EUROFIGHTER RAFALE" في المجال العسكري.

 

وعلى صعيد صناعة الصواريخ فقد عرض الكتاب لأبرز وأشهر الشركات الأوروبية المنتجة في هذا المجال، وهي شركة "DASA-EADS-MBD" التي أنتجت العديد من المصنوعات الجوية العسكرية المتطورة كالصواريخ المضادة للطائرات وصواريخ جو جو وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ بالستية وهذا النوع من الصواريخ ساهم في إنتاج قاعدة الصواريخ الفضائية من "إيريان".

 

وأما صناعة الأسلحة البرية فقد اشتهرت في هذا المجال شركات فرنسية تنتج دبابات "لكلر" والسفن الحربية، حيث كان من أبرز هذه الشركات شركة "كراوس" التي تنتج دبابة "LEOBARD"، أما صناعة المدفعية فأشهر الشركات هي شركة "ووجمن"

 

وتعمل في مجال صناعة المدرعات الخفيفة أكثر من عشرين شركة من أشهرها "الفيس" البريطانية وشركة "VICKERS"، وعلى صعيد صناعة المتفجرات فقد اشتهرت في ذلك شركة "SNBE" الفرنسية.

 

الدول الأوروبية ونفقاتها الأمنية

"
الصناعات الإستراتيجية  الأوروبية المتطورة كان لها الأثر الكبير في نمو الدخل لدى البلدان الأوروبية جراء مبيعاتها المتزايدة 
"
كشفت الدراسة بالحقائق والأرقام حجم النفقات الأوروبية على الأمن والدراسات البحثية والتطويرية خلال السنوات 1990-2004 والتي بلغت 606 مليارات دولار، كانت موزعة على النحو الآتي:

 

- بريطانيا     152 مليار دولار

- فرنسا        125 مليار دولار

- ألمانيا        128 مليار دولار

- إيطاليا       73   مليار دولار

- إسبانيا       45   مليار دولار

- السويد       20   مليار دولار

- اليونان      18    مليار دولار

- بولندا        17    مليار دولار

 

وعلى صعيد النفقات العسكرية المتعلقة بمشتريات الجيش، فقد أنفقت الدول الأوروبية خلال السنوات من 1997-2002، 224 مليار دولار كانت على النحو الآتي:

 

- بريطانيا   60 مليار دولار

- فرنسا     50 مليار دولار

- ألمانيا     30 مليار دولار

- إيطاليا     30 مليار دولار

- هولندا     25 مليار دولار

- إسبانيا     17 مليار دولار

- النرويج    12 مليار دولار

 

وكشفت الدراسة أن ميزانية البحث والتطوير الأمني لكل من النمسا وفنلندا والدانمرك والبرتغال وبلجيكا أقل من عشرة ملايين دولار، فيما كان نصيب الإنفاق على الأمن في الدول الأوروبية مقارنة مع الإنتاج المحلي عام 2004 على النحو الآتي:

 

- بريطانيا:                 2.8%

- فرنسا:                    2.4%

- ألمانيا:                    1.3%

- إيطاليا:                    1.1%

- إسبانيا:             أقل من   1%  

- هولندا:                     1.7%

- السويد:                     2.5%

- اليونان:                     1.7%

- بولندا:                         1%

 

العلاقات مع إسرائيل

"
 انتقاد أوروبا للكثير من انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين عرض علاقة الطرفين  لموجات مد وجزر 
"
أكدت الدراسة أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعب دورا هاما في التأثير على علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل، ورغم كل المعطيات السياسية والأمنية التي أثرت على هذه العلاقة وخاصة خلال انتفاضة الأقصى، إلا أن إسرائيل حريصة كل الحرص في التواصل مع الاتحاد الأوروبي في إطار علاقات تنموية تخدم الطرفين.

 

فقد كشف الباحث أن هناك تطورا في العلاقات على صعيد الصادرات الزراعية وعدد من الصناعات، إضافة إلى قطاع السياحة والتعاون العلمي والثقافي.

 

كما أشار إلي أن هذه العلاقة تعرضت إلى موجات مد وجزر ما بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، خاصة خلال انتفاضة الأقصى، وانتقاد أوروبا للكثير من انتهاك حقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين وعلى وجه الخصوص خلال اقتحام مدينة جنين ومذبحة مخيمها المشهورة.

 

وجراء ذلك تأثرت العلاقات وأصبحت سيئة حيث يلاحظ عوزي عولام أن الأمر عندما يتعلق بالعلاقات ما بين إسرائيل والفلسطينيين فإن ذلك ينعكس على العلاقة ما بين أوروبا وإسرائيل، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف في هذه العلاقة وربما يصل إلى التوتر.

 

ويختتم الكاتب دراسته هذه بعرض تحليلي للمسألة الأمنية الأوروبية من وجهة نظر إسرائيل، في محاولة لفهم التطور الأمني الأوروبي المستقبلي بالمجالات الإستراتيجية "السياسة العسكرية" إضافة إلى الصناعات الاقتصادية، حيث يرى أن هذه المعطيات ربما تؤدي إلى جلب الفائدة لإسرائيل من خلال تعزيز العلاقات السياسية والعسكرية مع أوروبا.

 

كما أنه بمقدور إسرائيل أن تعزز علاقاتها مع أوروبا من خلال بناء علاقات وتفاهمات تعاون في المجال التكنولوجي، إضافة إلى التعاون في مجال محاربة ما يعرف بالإرهاب.

المصدر : الجزيرة