عرض/كامبردج بوك ريفيوز

يتناول هذا الكتاب المسألة الكردية وتحولاتها في تركيا خصوصاً والشرق الأوسط عموماً، وهو من تأليف الباحثين الفرنسيين صابري جيغرلي (من أصل كردي من تركيا) وديدييه لوساوت.

 

 

- اسم الكتاب: أوجلان وحزب العمال الكردستاني
- المؤلف: صابري جيغرلي وديدييه لوساوت

- عدد الصفحات: 422

- الناشر: ميزوناف ولاروز، باريس

- الطبعة: الأولى، 2005

من الاستقلال إلى الفدرالية

مع نهاية السبعينيات برز الصراع الكردي القديم من جديد وبحدة في تركيا. وفي سياق داخلي يطبعه التسلط تمكن عبد الله أوجلان من تشكيل حزب العمال الكردستاني فارضاً زعامته الملهمة.

 

يقول المؤلفان إن فكرة إنشاء هذا الحزب تكونت لدى أوجلان في غياهب السجون التركية مطلع العقد، ليصبح حقيقة في نهايته. وعام 1979 قام الحزب بأول عملية استهدفت أحد كبار ملاك الأراضي بكردستان في إطار الحرب الداخلية ضد القبائل، لتمتد العمليات إلى المدن.

 

وقد ساهمت عمليات 1979 في تنامي الوعي السياسي لدى الأكراد، حيث فازت شخصيتان قريبتان من الحزب بالانتخابات البلدية في كبرى المدن الكردية.

 

أما دخول الحزب في صراع مسلح مفتوح مع الدولة فكان عام 1984، لما قررت قيادته في يوليو/تموز من نفس العام التحضير للعمل العسكري. وعندها أخذ الصراع شكل حرب أهلية بلغت حدتها عام 1994.

 

وابتداء من 1995 تبنى الحزب مقاربة الحوار السياسي بعد أن أعلن وقف إطلاق النار من جانب واحد. وكان حينها قد خرج للتو من صراع مسلح منهك مع الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، وكان يعاني من السياسة القمعية التي تبنتها حكومة تانسو تشيلر.

 

أما أيديولوجياً، فإن الماركسية اللينينية كانت قاعدة برنامجه، إلا أنه بدأ تدريجياً في إدراج المرجعيات الدينية في برنامجه، وبما أن أغلبية الأكراد من المسلمين، فإنه اعتبر أنه ليس من مصلحته ترك المجال شاغراً للجماعات الإسلامية المتنامية.

 

في إطار المواجهة بين الحزب والجيش التركي، يوضح المؤلفان كيف وظف الجيش الدين ضد الأكراد، حيث استخدم حزب الله، وهو تنظيم إسلامي تركي، ابتداء من 1991 لضرب حزب العمال باتهام نشطائه بالإلحاد والشيوعية... وذلك لوقف الدعم الشعبي الذي يلقاه.

 

كما وظف اليمين المتطرف الجماعات الإسلامية واستخدمها لمحاربة "المنظمة الملحدة" أي حزب العمال. وقد بدأت المواجهات بين هذا الأخير وحزب الله لما أقدم التنظيم الإسلامي (1991) على اغتيال كردي مسيحي ثم 10 مسلمين في مسجد إحدى القرى الكردية. ثم توالت الاغتيالات في صفوف المتعاطفين مع حزب العمال.

 

أما مطالبه الأساسية فقد تغيرت مع مرور الزمن، ففي البداية طالب باستقلال كردستان عن تركيا، ثم باستقلال كردستان الموحد معارضاً بذلك نموذج الحكم الذاتي الذي طالب به الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، لكنه تخلى تدريجياً عن هذه المطالب الانفصالية الاستقلالية ليطالب بالفدرالية في تركيا.

 

"
اعتقال أوجلان لم يؤد لتفكك حزبه لكنه قاد لتحول إستراتيجي حين دعا لإنهاء الكفاح المسلح وهذا يعني أن أوجلان يمثل حقاً وثاق المنظمة ويستمر في احتلال مكانة مسيطرة بالنقاش حول المسألة الكردية بتركيا
"
اعتقال أوجلان

إن إلقاء القبض على زعيم الحزب بنيروبي في فبراير/شباط 1999 ثم اعتقاله فتسليمه لتركيا حيث حوكم بسرعة، قاد إلى تحول إستراتيجي بالنسبة لعبد الله أوجلان حين دعا لإنهاء الكفاح المسلح. وبما أن اعتقاله لم يؤد إلى تفكك المنظمة الكردية في الأشهر والسنوات التي تلت، فإن هذا يعني أن أوجلان يمثل حقاً وثاق المنظمة ويستمر في احتلال مكانة مسيطرة في النقاش حول المسألة الكردية بتركيا.

 

بيد أن المكانة المركزية التي لا يزال أوجلان يتبوأها في النقاش الكردي هي من فعل السلطات التركية التي تبقي عليها، وكما أنها ترخص كما يحلو لها زيارات محاميه له في السجن، فإنه بإمكانها أن تخضع كلام زعيم الحزب للمراقبة من خلال نشر الملاحظات التي تم التطرق إليها في الصحافة خلال تلك الزيارات.

 

كان لأميركا التي أدرجت حزبه ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، دور رئيسي في اعتقال أوجلان، حيث ضغط الأميركيون على اليونان وإيطاليا لتسليمه بعد اعتقاله في نيروبي على يد مخابرات متعددة الجنسية (أميركية، تركية، إسرائيلية...).

 

وتظهر هذه القضية مدى قدرة الضغط الأميركي حيث نجحت واشنطن في تحييد الخلافات اليونانية التركية لضمان تسليم أوجلان لتركيا، إذ قبلت اليونان وتركيا تنازلات متبادلة بضغط أميركي.

 

أما إسرائيل فتدعم المطالب الكردية في العراق بينما لا تساعد مطالب أكراد تركيا. ورغم انتقاد أنقرة لإسرائيل باتهامها بمساعدة أكراد العراق لإقامة دولتهم، فإن التحالف بين البلدين سيستمر.

 

ويضيف المؤلفان أن أوجلان صرح من سجنه بأن السياسة الأميركية الإسرائيلية حيال الأكراد مقاربة إستراتيجية دائمة وتشكل مرحلة تاريخية لجمع شمل كل الأكراد تدريجياً، وأن الأكراد سيكونون عماد الشرق الأوسط.

 

"
دول المنطقة تسعى لتوظيف المسألة الكردية للضغط على الدول المجاورة، وبالتالي تظهر المصالح التي تسعى إليها فردياً كل من المنظمات الكردية بتركيا والعراق وإيران متناقضة مع التضامن الكردي الذي يشعر به الأكراد في المنطقة
"
البعد الإقليمي

"نظام الحزب العمالي الكردستاني" يحلل أيضاً من منظور خارجي لأن تحليل المنظمة الكردية مرتبط بعلاقات الاعتماد المتبادل التي تنشأ على المسرحين الدولي والإقليمي، حيث إنه يتعين تحديد المتغيرات ذات المنشأ الخارجي لتفسير مسار أوجلان وكذا بروز وتطور وتحول الحزب من قبل زعيمه.

 

وعندها نلاحظ -يقول الكاتبان- أن الدينامية الخارجية تختلط بالداخلية، وأن الانصهار بينهما هو مصدر قوة الحزب. ففي هذا الفضاء الإقليمي، يوجد الحزب في شبكة علاقات معقدة. ويرجع الفضل في بقائه –مثله مثل باقي المنظمات الكردية في العراق – إلى لعبة التحالفات هذه التي هي متقلبة باستمرار.

 

فدول المنطقة تسعى لتوظيف المسألة الكردية قصد الضغط على الدول المجاورة. وبالتالي فإن المصالح التي تسعى إليها فردياً كل من المنظمات الكردية في تركيا والعراق وإيران، تنحو لأن تكون متناقضة مع التضامن الكردي الذي يشعر به الأكراد في المنطقة.

 

وبدأت عملية الامتداد الإقليمي للحزب في يوليو/تموز 1979 أشهرا قبل انقلاب 1981 في أنقرة لما انكفأ أوجلان إلى سوريا ثم لبنان. وهكذا نجا ومعاونه من موجة القمع في تركيا.

 

وقد لعبت في البداية منظمة التحرير الفلسطينية دوراً نشطاً في تحضير المقاتلين الأكراد الذين تمكنوا من التدريب في البقاع اللبناني. وقد اعترف أوجلان فيما بعد بأن المساندة السورية كانت بمثابة "الدعم الخارجي الأكبر" الذي حظيت به منظمته.

 

ويفسر المؤلفان موقف سوريا رغم وجود كردي فيها، بسعيها للضغط على تركيا بسبب الخلاف حول الإسكندرونة. ويواصلان التحليل على أساس فرضية تقول إن الصراع الداخلي في تركيا حول المسألة الكردية له قاعدة إقليمية، ومن هنا فهما يحللان اجتياحات الجيش التركي لشمالي العراق ضمن الرهانات الإقليمية. فالجيش التركي لم يكتف بقمع المجموعات الكردية على التراب التركي فقط، بل دخل في مواجهات معها خارجه. ففي مايو/أيار 1983 اجتاز ولأول مرة الحدود العراقية لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

 

هذه السياسة التركية كانت تهدف إلى تدمير قواعد انكفاء الحزب شمالي العراق في منطقة واقعة تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي. وبعدها وسع الجيش التركي عملياته جنوباً إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة الاتحاد الوطني الكردي العراقي، إلا أنه سرعان ما توقف تحت ضغط أميركي.

 

صراع الأشقاء

تأثيرات البيئة الإقليمية كانت وراء مغادرة أوجلان لسوريا مكرهاً عام 1998. وقد تخلت دمشق عنه عقب حشد تركيا لقواتها على الحدود السورية في إطار إستراتيجية التوتر.

 

وهكذا تشكلت لعبة تفاعلات بين المنظمات الكردية في العراق وبين حزب العمال. فالحزب الديمقراطي الكردستاني ندد بالاجتياح التركي للأراضي العراقية وبوجود مقاتلي حزب العمال فيها.

 

حينها تقرب هذا الأخير من الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على منطقة بعيدة عن الحدود التركية. وبتوسيع طموحاته لكردستان العراق، وجد الحزب نفسه على جبهتين: الكردية والتركية.

 

علاقاته مع الحزب الديمقراطي ثم الاتحاد الوطني العراقيين تدهورت إلى أن قادت إلى الحرب، وذلك لتخوف المنظمتين من تنامي نفوذ حزب العمال في منطقتهما حيث أقام مخيمات تفلت من قبضتها، خاصة وأن حزب العمال أكد على إقامة "مناطق محررة" في كردستان تركيا وإنشاء "حكومة حرب" للسيطرة على المناطق الكردية في تركيا والعراق.

 

وعليه كرس الحزب إستراتيجية الكفاح المسلح، ووسع من مجال نشاطه ليمتد علانية لكل كردستان.

 

"
أجبرت أنقرة على القبول بتنازلات لأكرادها في إطار الإصلاحات الشاملة للانضمام للاتحاد الأوروبي. أما حزب العمال فأكد تبنيه خيار الفدرالية والحل السلمي مؤكداً على الوحدة الوطنية في إطار تركيا ديمقراطية
"
تحولات المسألة الكردية

المسألة الكردية التي يطبعها الصراع بين الأشقاء حينها ستشهد تحولات عميقة. أولا حرب الخليج عام 1991 التي أدت إلى إقامة "منطقة محمية" في كردستان العراق، يتولى فيها الأكراد تسيير شؤونهم بأنفسهم.

 

في مواجهة هذا المعطى الجديد، احتارت السلطات التركية أمام الإستراتيجية التي يتعين اتباعها. ففي البداية ترددت بين دعم حليفها الأميركي بالعراق الذي يعتمد بدوره على دعم أكراد العراق له، وبين تشديد الخناق على حزب العمال والاتحاد الوطني.

 

وفي وقت لاحق، جاء غزو العراق عام 2003 والإطاحة بنظام صدام حسين ليؤكدا على ضرورة إعادة صياغة الفضاء الإقليمي التي جعلت أكراد العراق حليفاً إستراتيجياً لأميركا مجدداً وبصفة نهائية.

 

هكذا عرف أكراد العراق كيف يربحون النفوذ على حساب أكراد تركيا، وسوريا وإيران. أما موقف تركيا، المتخوفة من إقامة دولة كردية على حدودها، فيضعفها في المنطقة. ورفضها المشاركة في الحرب أدى إلى تدهور غير معهود في علاقاتها مع أميركا.

 

أما داخلياً، فإنها أجبرت على القبول بتنازلات لأكرادها في إطار الإصلاحات الشاملة للانضمام للاتحاد الأوروبي، خاصة وأن هذا الأخير ربط هذا الانضمام باعترافها بحقوق الأقليات لاسيما الأكراد.

 

وقد أكد حزب العمال من جديد تبنيه خيار الفدرالية والحل السلمي مؤكداً على الوحدة الوطنية في إطار تركيا ديمقراطية، وهكذا شرع في تغيير داخلي بعد المستجدات في المنطقة عقب التدخل الأميركي بالعراق.

 

وهنا يلاحظ المؤلفان أن الحزب يعاني أزمة شرعية، خاصة بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 حيث أدرج على القائمتين الأميركية والأوروبية للتنظيمات الإرهابية.

 

أما تحولاته الداخلية فتسببت في خلافات بين أقلية، يتزعمها عصمان أوجلان (شقيق عبد الله) وأتباعه تدافع عن إصلاح داخلي للحزب وانحياز للإستراتيجية الأميركية في المنطقة، وأغلبية تتهمها بـ "تصفية" الحزب خوفاً من التصفية الجسدية، مع أن عبد الله أوجلان دعا إلى عدم اغتيال الذين غادروا المنظمة.

 

لم تمس هذه الانشقاقات والاحتجاجات عبادة الشخصية، إذ لم تهاجم شخص عبد الله أوجلان وإن كان هذا الأخير يتخوف من الاحتجاج على زعامته، لذا تراه يراهن على التهدئة ويدعو لتفادي الاقتتال الداخلي.

 

"
إن تركيا كانت تسعى للحيلولة دون سيطرة أكراد العراق على نفط الموصل وكركوك، لأنه لا يمكنها تجاهل الموقف السياسي والاقتصادي الجديد الذي يتمتع به هؤلاء على حدودها.
"
ختاماً، يقول جيغرلي ولوساوت إن تركيا كانت تسعى للحيلولة دون سيطرة أكراد العراق على نفط الموصل وكركوك، لأنه لا يمكنها تجاهل الموقف السياسي والاقتصادي الجديد الذي يتمتع به هؤلاء على حدودها.

 

وفي إطار إعادة صياغة النظام الإقليمي، يبقى التساؤل المطروح: هل ستترجم هذه التحولات الناجمة عن قوة أكراد العراق بالسلطة الآن في بغداد التي تمس المسألة الكردية، إلى تجدد للقومية الكردية قادر على جمع شمل الأكراد تحت راية كردية تخترق الحدود الدولية القائمة بين تركيا والعراق وسوريا وإيران؟

 

ربما يعتبر هذا النص الأول من نوعه في الغرب من حيث طريقة معالجته لمسألة حزب العمال الكردستاني، حيث عالجه من خلال سياق داخلي (للحزب) تركي وإقليمي ودولي بصورة تظهر مدى تفاعل المسألة الكردية مع مختلف الأبعاد ومدى تأثرها بسياق الأحداث في المنطقة.

 

إذن يمكن القول إنه كتاب علمي ملم بالموضوع ودقيق التحليل ويتميز بالموضوعية حيث بقي على مسافة ملائمة من أطروحات الفاعلين المعنيين بالصراع، وقد حرر بأسلوب لغوي سياسي شيق. كل هذا جعله يتميز تماماً عن الكتب "التجارية" والملتزمة. ورغم أنه كتاب متخصص فإن بيداغوجيته تجعله أيضاً في متناول غير العارف بالشأن الكردي.

المصدر : الجزيرة