عرض/إبراهيم غرايبة

يناقش بروس لورنس فكرة أن الإسلام هو عقدة نظام ديني عالمي لا يمكن اختزاله في أفكار فردية، كما يبرهن على أن الإسلام هو دين تشكل بمتطلباته الذاتية من خلال ما يحصل للمسلمين اليوم في العالم المتحضر، ويؤمن لورنس بأن الوقت قد حان لتبديل الصور غير المناسبة عن الإسلام بإقرار شخصية متعددة لهذا الدين الجامع، ويناقش أيضا مدى علاقة الإسلام بالعنف، وصحة الأوصاف الموجهة إليه.

 

- العنوان: تحطيم الأسطورة.. تخطي الإسلام للعنف

- المؤلف: بروس ب. لورنس

- المترجم: غسان علم الدين

- المراجع: رضوان السيد

- عدد الصفحات: 325

- الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض

- الطبعة الأولى: 2004

الإسلام عبر الزمن والثقافات

يقول لورنس وهو أميركي أنجلو سكسوني، إنه بعد دراسته للغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط وجد نفسه منجذبا بعمق إلى الإسلام كقوة حية، هذه القوة التي تنفخ الحياة في مسلمين كثيرين عاش وعمل معهم، ويعتبرهم من أقرب أصدقائه.

 

وهو يرى أنه لا يمكن فهم الإسلام إلا كنظام ديني رئيسي معقد اتخذ شكله بقدر من مسلماته الميتافيزيقية ومتطلباته الأخلاقية من جهة، وتمشيا مع ظروف السياسات الإسلامية في العالم المعاصر من جهة ثانية.

 

ويشير الكاتب إلى دراسة أجراها في الهند تعرضت لبعض الجوانب المهمة في الإسلام لإيضاح الرؤية فيها، كما يشير أيضا إلى جمعه البيانات التي وفرها آخرون لكي يظهر أن الإسلام ليس عنيفا بطبيعته الأساسية، وأن النظرة الأعمق للمجتمعات الإسلامية تبشر بالأمل لا اليأس حول دور الإسلام في القرن الجديد.

 

ويؤكد أن الإسلام ليس عنيفا كما أن المسلمين ليسوا رهائن للعنف بطبيعتهم، وهو يجد في إطلاق الأوصاف المبتذلة افتراء تجب معالجته من البداية إذا كان لابد من فهم شامل وجديد للمسلمين في مرحلة ما بعد الاستعمار.

 

إن العالم الإسلامي الأفرو-آسيوي عالم متعدد مثله في ذلك مثل العالم الغربي، وهو يفوق أوروبا وأميركا من حيث المناطق والأعراق واللغات والثقافات التي يحتضنها. كما أن العالم الإسلامي الأفرو-آسيوي تعددي في داخله، ويشتمل على مجموعات متعددة يمكن القول إنها تمثل النماذج الإسلامية في كل دولة إسلامية، والمسلمون أنفسهم يدركون كم هو ضروري وكم هو صعب في الوقت نفسه تحديد الأفكار المختلفة عن الإسلام.

 

إن العنف هو النقطة التي يبدأ منها معظم الناس ممن هم من غير المسلمين في التفكير حول الإسلام، خاصة إذا كانوا يعيشون في مجتمع لا يوجد فيه مواطنون مسلمون، أو يعيش فيه المسلمون على الهامش.

 

"
لا يمكن فهم الإسلام إلا كنظام ديني رئيسي معقد اتخذ شكله بقدر من مسلماته الميتافيزيقية ومتطلباته الأخلاقية من جهة، وتمشيا مع ظروف السياسات الإسلامية في العالم المعاصر من جهة ثانية
"
المراحل الثلاث للإسلام المعاصر

يعرض المؤلف أهم مراحل الإسلام المعاصر المقترنة بكل حركة من الحركات الإسلامية العريضة "الإحيائية والإصلاحية والأصولية" وهي عبارة عن نمط متفاعل مع التوسع الاستعماري الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

 

وقد كان رد الفعل الأول هو الإحيائية، ولكن عندما فشلت الإحيائية في تحقيق النتائج في الأجل الطويل تم استبدالها بجهود في الإصلاح الإسلامي بالتوافق مع الحركات الوطنية، وعندما فشلت هذه الأخيرة ظهرت الأصولية.

 

المراحل الثلاث هذه (الإحيائية والإصلاحية والأصولية) هي من الناحية التاريخية حركات اجتماعية دينية محددة تدفع إلى الواجهة العامة بعض الزعماء الذكور في محاولتهم لاستعادة المساحة التي تم تحديها وتقليصها ثم إفقارها، من قبل التوسع الأوروبي.

 

ومنذ القرن الثامن عشر وحتى وقتنا الراهن فإن جميع الأنظمة المسلمة عانت من الأزمات المالية والخلل الديمغرافي والركود الزراعي، وكانت بعض متاعب هذه الأنظمة ناجمة عن التحديات المحلية، فثار العرب في بلدانهم لما خضعوا لحكم الأتراك العثمانيين، والأفغان احتجوا عندما تمددت سيطرة القاجاريين في إيران إليهم، والهنود ثاروا ضد المغول في جنوب آسيا.

 

وتدهور وضع النخبة الحاكمة وصار أكثر تعقيدا لأسباب عدة من أهمها التحويل الخارجي لتجارة السلع من طرق البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنطي على إثر اكتشاف واستغلال العالم الجديد.

 

ثم التغلغل الداخلي للتجارة الأوروبية عبر علاقات تجار أجانب مع وسطاء محليين أو عبر تعاون وكلاء وطنيين تستخدمهم مؤسسات أجنبية لاستنبات منتجات جديدة وشبكات اتصالات جديدة وموارد جديدة للربح وإعادة الاستثمار.

 

النساء المسلمات والأصولية الإسلامية

إن العامل الكبير الذي يعيق النساء في العالم الإسلامي هو ذاته الذي يلازم الرجال أي الافتقار لفرص التطوير الاقتصادي في تلك الدول داخل "النظام العالمي الجديد"، وهو العامل الوحيد، كما أن تأثيره لم يمر دون تحد.

 

لكن إذا أراد المرء أن يبدأ بفهم سلسلة الخيارات المتوفرة للنساء المسلمات فإن عليه أن يذكر ما هو غير متوفر لهن مثل نمط الحياة البرجوازي الذي يستلزم مجالا عاما من الفرص للرجال والنساء -على حد سواء- مع توفر الموارد التعليمية و التوظيفية والاتصالاتية والاستهلاكية، غير أن مثل هذه الموارد غير متوفر لمعظم المسلمين الأفارقة والآسيويين بغض النظر عما إن كانوا رجالا أو نساء.

 

والاعتراف الصريح بغياب هذه الموارد قد يدفع إلى قراءة حتمية اقتصادية للعالم الإسلامي قد تؤدي بالآخرين إلى تحديد تقييم واقعي للخيارات المحلية والاحتمالات المستقبلية.

 

ويناقش المؤلف الأدوار التي تسعى المرأة نحوها في الدول القومية المسلمة، محاولا تقييم مدى التغيير الذي حدث لهذه الأدوار في ثلاث دول قومية إسلامية هي: إيران ومصر وباكستان.

 

إن اختيار هذه الدول يعكس الاستشهاد المتكرر بها في جميع الدراسات التي تدعي أنها تتصارع مع القيم الإسلامية. وهي تلمس مناطق جغرافية متباينة من العالم الإسلامي الواسع، فإيران دولة آسيوية وشرق أوسطية، ومصر دولة شرق أوسطية وأفريقية، وباكستان في جنوبي آسيا، مما يعكس العلاقة بين آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، وأهم من ذلك أن جميع هذه الدول كان عليها التأقلم مع الامتداد التجاري لأوروبا الغربية والولايات المتحدة، كما أنها أيضا ذات ملامح مؤسساتية تعيقها أمام النظام العابر للدول، الذي ترسمه الرأسمالية العالمية.

 

"
العالم الإسلامي السني سوف يشهد مزيدا من الاضطرابات على غرار العنف الجهادي، إلا أن هذه الاضطرابات لن تكون واسعة النطاق بحيث تهدد الأنظمة التي تحتفظ بالسيطرة على كل أدوات الدولة العسكرية والسياسية
"
الجهاد وثقافة المؤسسات

هناك تعبيران منتشران في العالم الإسلامي المعاصر هما الجهاد وثقافة المؤسسات. أما التعبير الأول فهو وكما يرى لورنس عربي وله تاريخ طويل حافل بالنقاش، ويظهر في معظم الأحيان في المناطق الإسلامية الأقدم من أفريقيا وآسيا.

 

أما الثاني فهو تعبير إنجليزي، وربما يكون عمره عقدا من الزمن فقط، ويظهر غالبا في جنوب شرقي آسيا وعلى وجه الخصوص ماليزيا.

 

قد تبدو من غير المنطقي المقارنة بين التعبيرين لولا أنهما يعالجان سوية السؤال المركزي لهذا الكتاب: كيف يكون على الدول الإسلامية في مرحلة ما بعد الاستعمار -والآن في ما بعد الحرب الباردة - التحرك من المواجهة إلى التسوية؟

 

يشير المؤلف تحت هذا العنوان إلى نقطة مهمة وهي أن هناك خطر امتلاك نمط واحد من الاقتصاد المعولم أو نظام سياسي معين وكأنهما لخير العالم بأسره، أو كأن الله قدسهما مما يستوجب على الجميع الإيمان بهما ومتابعتهما.

 

وبالإشارة للإسلام والديانات العالمية الأخرى من الضروري القول المرة تلو المرة: إنه لا الإسلام ولا البوذية ولا المسيحية تشكل ثقافة، بل إن المهمة الاجتماعية لكل من هذه الديانات هي مراجعة وتطوير الثقافات القائمة.

 

ولا شك أن العالم الإسلامي السني سوف يشهد مزيدا من الاضطرابات على غرار العنف الجهادي، إلا أن هذه الاضطرابات لن تكون واسعة النطاق، بحيث تهدد الأنظمة التي تواصل السيطرة على جميع أدوات الدولة العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والأيديولوجية.

 

هناك محاولة لمراجعة شاملة لمعنى الجهاد في أوساط أنصار وجهة النظر العالمية السنية الحديثة. فمحمد شحرور المهندس السوري الذي اشتغل في تفسير القرآن، في كتابه "دراسات إسلامية معاصرة: الدولة والمجتمع" يرى أن الجهاد هو الدفاع عن حرية المعتقد ومعارضة الإكراه في الدين، وحماية المجتمع من أولئك الذين يرفعون لواء الحرية والإيمان، وهو موجه دائما ضد العنف، لكن آراء شحرور هذه لم تحظ بقبول من العلماء السوريين بحجة عدم اختصاصه في علوم الشريعة الإسلامية والتفسير، إلا أن مداخلته تفتح الباب أمام الاستقصاء الجدلي، بالإضافة إلى كونها جديرة بالاكتشاف في المستقبل.

 

أما في وسط الشيعة فقد ظهرت قاعدة مقررة مختلفة لقياس نفوذ الدولة، وأيضا لعرض الدور الأيديولوجي للجهاد.

 

وبالإمكان إيجاز الفرق الشيعي بالإشارة إلى نظريات إيرانية تعرض وجهات نظر علماء إيرانيين حول هذا الموضوع بتفصيل حول الجهاد بالإضافة إلى سرد إنثروبولوجي وصفي فريد للجهاد.

 

فكلتا النظرتين السنية والشيعية للجهاد تساعدان على فهم الفرق بين السنة والشيعة فيما يتعلق بالحرب المقدسة من جهة واستحضار الفهم الجديد للجهاد باعتباره نضالا.

 

ويتعرض المؤلف لوجهات نظر مختلفة لمجموعة من علماء الدين الشيعة المهمين، منهم آية الله مرتضى المطهري صاحب منشور تحت عنوان "الجهاد: الحرب المقدسة للإسلام وشرعيتها في القرآن"، ومنهم السيد محمد حسين فضل الله -العالم اللبناني- وله وجهة نظر مخالفة لمطهري تعرض لها المؤلف بالتفصيل، ثم تعرض أخيرا للنظرة الفعلية لآية الله الخميني التي تجلت بوضوح من خلال التبرير الرسمي للحرب ضد البعثيين العراقيين باعتبار أنها حرب بين الإسلام والكفر، وبين القرآن والإلحاد.

 

في حين أن الجهاد يحتفظ بمعناه الرمزي في أكثر من صرخة حرب لدى المسلمين السنة والشيعة على حد سواء، فإن الصرخة الكبرى التي تعبئ الشيعة لا تزال الصرخة للعدل، المتمثلة بالظلم الذي لحق بالإمام الحسين في سهل كربلاء في العراق، في أواخر القرن السابع الميلادي.

 

لذلك وكما يرى المؤلف فقد يكون من المنطقي أن يشك في أن الحدود البراغماتية للجهاد السياسي العسكري ستحجب أو تلغي الاندفاع الروحي، الذي يحفز أولئك الذين ينتظرون من التاريخ أن يكشف إرادة رب عادل.

 

"
كلتا النظرتين السنية والشيعية للجهاد تساعدان على فهم الفرق بين السنة والشيعة فيما يتعلق بالحرب المقدسة من جهة واستحضار الفهم الجديد للجهاد باعتباره نضالا
"
ويرى مفكرون إسلاميون كثيرون أن أقدس أشكال الجهاد، وأقدس أشكال الحرب هي تلك التي يتم خوضها دفاعا عن الإنسانية وحقوق الإنسان، فيقول مطهري: "خلال المرحلة التي كان فيها الجزائريون في حرب مع المستعمرين الفرنسيين قامت مجموعة من الأوروبيين بمساعدتهم في حربهم، إن جهاد مثل هؤلاء الأشخاص أقدس من جهاد الجزائريين، لأن الجزائريين كانوا يدافعون عن قضية حقوقهم، بينما كانت قضية الآخرين أكثر أخلاقية وقداسة من قضية الجزائريين."

 

ما يمكن قوله حول هذا الكتاب هو اعتباره شهادة موضوعية لا تراعي مصلحة شخصية، عن حقيقة من الحقائق الإسلامية التي ما زال بعض الغرب لم يكتشفها أو بالأحرى لا يريد الاعتراف بها.

 

وما يعزز ما جاء فيه هو كون مؤلفه لا يمت للإسلام بصلة غير أنه درس هذه الحقيقة (حقيقة الإسلام) وحاول بكل حياد أن يبرز بعض الشبهات التي تشوب الإسلام خاصة فيما يتعلق بموضوع المرأة والمساواة بينها وبين الرجل التي يتخذها البعض سواء بقصد أو بغير قصد، محور المناقشات التي تحاول تشويه الإسلام.

 

وفي هذا الموضوع هناك العديد من الحقائق جاء بها المؤلف تفند خاصة ما جاء به تقرير التنمية الإنسانية الأخير.

المصدر : الجزيرة