عرض/حسن السرات

قليلا ما يطلع الرأي العام الدولي والمحلي على رأي مخالف للرؤية الصهيونية ومضاد لها في الاتجاه، وقليلا ما تستطيع شهادة صادقة أن تخترق الحواجز والجدران العازلة التي تخصصت فيها دولة إسرائيل وعصاباتها الدولية في أوروبا وأميركا. غير أن هذا الكتاب شكل اختراقا لتلك الاحتياطات وشذوذا عن تلك القاعدة.

 

- العنوان: الوجه الآخر لإسرائيل

- المؤلف: إسرائيل آدم شامير

- عدد الصفحات: 414

- الناشر: دار الأقلام، فرنسا

- تاريخ النشر: 2004

صوت "إسرائيل آدم شامير" واحد من تلك الأصوات، ونموذج لها. هذا اليهودي الروسي "الإسرائيلي"، يجمع بين الكتابة والصحافة والترجمة ويناضل بشجاعة لا نظير لها لإسماع صوت "الإسرائيليين" الذين يرفضون منطق الحكومات الصهيونية المتتابعة ويريدون العيش في سلام ووئام مع الفلسطينيين تحت سقف دولة واحدة كما عاشت المجموعات الدينية من قبل على مدى قرون متطاولة.

 

 ولد يهوديا في روسيا وهاجر إلى "إسرائيل" وقاتل مع جيشها في حرب أكتوبر 1973، ليتحول إلى الكتابة والصحافة في كل من روسيا واليابان وبريطانيا، حتى هزته انتفاضة الأقصى الثانية من الأعماق، فانتهى مسيحيا وهو في الثالثة والخمسين من العمر.

 

في أسلوب أدبي وصحافي، جمع هذا الكاتب مقالاته المنشورة عامي 2001 و2002 والبالغة 54 مقالا دون التقديم والخاتمة في كتاب سماه "الوجه الآخر لإسرائيل"، وصدر الكتاب باللغة الإنجليزية، ولما ترجمته دار بالان ودار بلانش بفرنسا سنة 2003، تعرض لحملة شرسة من اللوبي الصهيوني الفرنسي وسحب من الأسواق رغم إفلات بعض النسخ ووصولها إلى المغرب. ثم تولت دار الأقلام الفرنسية طباعته ونشره من جديد في 3 أغسطس/آب 2004 و كان حاضرا في المعرض الدولي الأخير للكتاب والنشر المنظم بالدار البيضاء في فبراير/شباط 2005. 

 

"
إسرائيل في حالة انهيار، قواها الحية تهاجر فاقدة الأمل مليئة باليأس من القضية، في الوقت الذي ينهي فيه الجنرالات تدمير البلد
"
دولة من ورق والصهيونية ماتت

يرى الكاتب أن الدولة اليهودية دولة وهمية تفقد بسرعة العلاقة الدقيقة التي تربطها بالواقع. هذه الدولة الشبح تقتل الناس بجمع الأموال في أميركا، وتتابع وجودها الآثم. حقولها يرعاها عمال ضيوف مستوردون يحرسهم الروس والإثيوبيون المستوردون أيضا، ويشكلون مواضيع لمحاضرات أساتذة الجامعات الإسرائيليين، يدرسون في جامعات أميركية، وجنرالات شجعان في ترصد دائم لتحول صناع الأسلحة الأميركية.

 

ويكشف المؤلف عن خبرة بالداخل أن الولايات المتحدة عندما تنظر إلى إسرائيل من بعيد، تبدو لها هذه الأخيرة بمثابة قوة نووية، وصديق كبير للأميركيين، وتبدو الدولة الإسرائيلية مدعاة للفخر بالنسبة لبعض اليهود الأميركيين.

 

ومن زار إسرائيل يمكن أن يغادرها وهو يعتقد جازما أن لها هوية ظاهرة، وأنها في أحسن حال. لكننا نحن الذين نعيش هنا دائما وحدنا من يعرف أن إسرائيل ليست سوى ديكور من الورق المقوى. إسرائيل في حالة انهيار، قواها الحية تهاجر فاقدة الأمل مليئة باليأس من القضية، في الوقت الذي ينهي فيه الجنرالات تدمير البلد". فالدولة الشبح التي تغتال الفلسطينيين جسد بلا روح، يترنح مثل الحمار الوحشي، تروح وتغدو بين ممرات الكونغرس الأميركي وقفار الشرق الأوسط.

 

يعلن الكاتب أن التجربة الصهيونية قد ماتت فعلا، "ويمكن أن تبقى إسرائيل حية بطريقة اصطناعية لبعض الوقت، وهي حالة تشبه الإسعافات العلاجية المقدمة في بعض الحالات لجسد إنساني في حالة موت دماغي، يمكن أن يقتل بعض الأشخاص، أو يعلن قيام حرب عالمية، غير أن عودته إلى الحياة أصبحت مستحيلة. والدولة "الإسرائيلية" في تحليل إسرائيل آدم شامير "تعكس امتداد العقلية اليهودية الأميركية، أما انشغالاتها ومشاكلها التي تقض مضجعها فهي مشاكل اليهود الأميركيين".

 

أحيانا يفضل الكاتب أن يتخلى عنهم اليهود الأميركيون، وهم يشعرون بالمرارة وينظرون إليهم نظر الكاره المحتقر. "إننا -والتعبير للكاتب- لسنا ما يظنون. لسنا في حاجة إلى حمايتهم لسنا من الأغيار، مثلنا في ذلك مثل الأسماك المحتاجة إلى أحذية لا تدخلها المياه".

 

و يتمنى لو استطاع اليهود الأميركيون أن ينسوا أمرهم لعقد من الزمن، لأنه لو تم ذلك لاستطاعوا أن يفهموا مشاكلهم وأن يحلوها وأن يصلوا إلى توازن جديد طبيعي في فلسطين.

 

وإذا كانت لأولئك اليهود الأميركيين أموال كثيرة يودون استخدامها في ربح تأثيرهم، فلينفقوها في تحسين أوضاع مواطنيهم الأميركيين ذوي الأصل الأفريقي. وذلك ما كانوا يفعلونه قبل مجيء الصهيونية.

 

يروي توم سيجيف، الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي حكاية يوليوس روزنوالد رجل الأعمال في شيكاغو وصاحب شركة "شيرز" وشركة "روبيك أندكو"، الذي كان يمول المشاريع الدراسية للأميركيين من أصل أفريقي خلال عام 1920 بقيمة مليوني دولار في السنة فاستنكر عليه مبشر صهيوني هذا قائلا إنه يصعب على اليهود أن يقبلوا فكرة قيام أحدهم بإعطاء ماله للسود المتخلفين. وهذا التقليد يمكن أن يصبح من جديد شرفا، لأن الصدقة تبدأ بالمقربين، والمقربون يوجدون في أميركا.

 

ولذلك يؤكد الكاتب أن حلم القادة الصهاينة بأن يجعلوا من فلسطين دولة يهودية مثل ما هي إنجلترا دولة إنجليزية لم يتحقق وأنهم قد أخفقوا في ذلك. ويحدثنا عن اليهودية وضياعها قائلا "نحن أبناء اليهود، لم يعد لنا سوى الحيرة في الاختيار. فالإيطالي إيطالي، الإيطالية هي لغته وثقافته وإيمانه وتقاليده وفنه ومشهده الطبيعي، لا يمكن أن نميزه عن دانتي ولا عن جيوتو، ولا عن قرى توسكان أو مادون والبندقية، لكن أن تكون يهوديا، فتلك قضية اختيار. اليهودي الإيطالي يستطيع أن يكون إيطاليا. اليهودي الأميركي يمكن أن يقتصر على أن يكون أميركيا. المنحدرون من اليهود الذين يطبقون الديانة القديمة قليل عددهم، هم أقل عددا من أولئك الذين يتكلمون العبرية أو لغات يهودية أخرى. فالأغلبية تركت أساليب العيش والمهن اليهودية التقليدية".

 

"
بعض اليهود الشرقيين وصلوا إلى خلاصة مفادها أن محرقة الهولوكوست كانت عقابا مستحقا للمحتقرين الأشكناز
"
محنة اليهود المغاربة

يزيح المؤلف اللثام عن تناقضات داخلية في المجتمع الصهيوني، ويخص بالذكر منها محنة اليهود المغاربة، ويعود قليلا ليذكرنا بما فعله الصهاينة من أجل إعمار المناطق المفرغة من سكانها الفلسطينيين، إذ قام الموساد بخداع الجاليات اليهودية بالمغرب العربي وإرهابها، لدفعها إلى ترك بلدانها الأصلية والاستقرار في إسرائيل.

 

ويصفهم صاحبهم بأنهم قوم شجعان، "غير أنهم مظلومون، كانوا متخوفين على مستقبلهم لأن الفرنسيين شرعوا في مغادرة أفريقيا الشمالية. وحدها الشخصيات القوية اختارت الاختيار الأصوب وبقيت مع السكان الأصليين، المغاربة والجزائريين والتونسيين والليبيين، ولم يندموا على ذلك".

 

وفي إشارة إلى أندري أزولاي المستشار اليهودي المغربي لملك المغرب محمد السادس، وإلى سيرج بيرديغو الذي شغل منصب وزير في حكومة سابقة للملك الراحل الحسن الثاني يقول الكاتب "هم اليوم وزراء أو مستشارون للملك، وآخرون بهرهم الحسن القاهر للمدينة الفرنسية، فرفضوا شبح الدولة اليهودية واستقروا بفرنسا، وهم الذين أعطوا للدنيا جاك دريدا وألبير ميمي".

 

والذين هاجروا إلى إسرائيل يشكلون 75% من المعتقلين. دخلهم لا يمثل سوى جزء من دخل اليهود ذوي الأصل الأوروبي. علماؤهم وكتابهم حظهم قليل في العمل ضمن الجامعات الإسرائيلية. صورتهم عن أنفسهم رديئة جدا، إذ يكرهون أنفسهم. "ليس عارا أن تكون مغربيا" كما يقول الإسرائيليون، ويضيفون بسرعة، و"ليس شرفا كبيرا بالمرة".

 

لقد جيء باليهود المغاربيين بأعداد كبيرة، ورشت عليهم مادة "دي دي تي" لقتل القمل المعشش فيهم، ووضعوا في مخيمات اللاجئين التي تحولت فيما بعد إلى مدن نييفوت وديمونا وبيروشام، وما يزالون فيها.

 

البطالة ضاربة أطنابها في أوساطهم والفقر لا يفارقهم، يسدون رمق العيش بفضل بعض المساعدات والتبرعات المماطلة لليهود الأشكيناز الذين يتحكمون في مقاهي تل أبيب.

 

بعض هؤلاء اليهود الشرقيين وصلوا إلى خلاصة مفادها أن محرقة الهولوكوست كانت عقابا مستحقا للمحتقرين "الأشكيناز" كما يكتبون. ومن المرجح أن تكون إسرائيل هي المكان الوحيد في هذه الأرض حيث يمكن أن نسمع من يقول "مع الأسف ألا يكونوا قد حرقوك في أوشوويتز". بل إن الحبر الأكبر لليهود السيفرديين يوسف أوباد ياه فسر أخيرا الهولوكوست على أنه بسبب ذنوب اليهود الأوروبيين وخطاياهم.

 

وفي كل مرة يتمكن فيها يهودي شرقي من صعود السلم الاجتماعي يتعاون النظام على إسقاطه. فكثير من السياسيين الشرقيين الشعبيين ممن يمكن أن يهددوا سيطرة النخب الأشكيناز يوجدون في السجون، "أري درعي" الوزير المغربي اللامع الذي رفع حزبه من لا شيء إلى 17 مقعدا بالبرلمان ما زال يقبع في السجن بعد ما جمعت لجنة تحقيق ضده حججا لإدانته. وسلفه "هارون أبو هتزيرا" ـ ابن يهودي مغربي ـ وهو حبر ووزير، أدخل إلى السجن لمخالفات مالية، وهي التهمة الرائجة في بلدنا هذا بالشرق الأوسط. والناشر القوي العراقي "عوفير نمرودي" قضى أكثر من سنة في السجن قبل أن يحاكم ثم أطلق سراحه بسرعة بعد ذلك لانعدام البراهين الدامغة ضده.

 

وإسحاق مردخاي الكردي وزير الدفاع الذي كان يخطط للوصول إلى منصب رئيس للوزراء، توبع بتهمة الاستغلال الجنسي، و"شلومو بن عامي" -البروفيسور المغربي والوزير- استغل كبش فداء في الزيارة الشنيعة لشارون إلى جبل الهيكل.

 

"
القتلة الإسرائيليون والذين يمولونهم من اليهود الأميركيين هم الذين يتحملون مسؤولية هذه الجرائم وسيدفعون الثمن إلى الأبد
"
دفاع عن رسول الإسلام

من أكثر المقالات الموجودة في الكتاب إثارة مقال كتب يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2001، أي بعد أحداث 11 سبتمبر بوقت قليل، يدافع فيه الكاتب اليهودي دفاعا مستميتا عن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ويكشف عما لم يستطع كشفه ولا إثارته كثير من المتحدثين عن حقوق المرأة ووضعيتها في الدين اليهودي.

 

ويصف الكاتب سفره إلى الولايات المتحدة حيث ظن رجال الأمن والجمارك الأميركيون بسبب سحنته المتوسطية أنه مسلم فسألوه إن كان يقرأ القرآن. لكن الكاتب تجنب أن يجيب بالنفي مؤثرا أن يقول "لا. لا أقرأ القرآن كثيرا"، فيعاد استنطاقه "ولكن.. أنت تقرأ القرآن؟"، فيجيب "نعم، ولكن حسب المناسبات". جواب عرضه لتفتيش دقيق.

 

غير أن الكاتب يخلص من هذه الواقعة إلى أن الإسلام والمسلمين في قفص الاتهام داخل ما سماه الثقافة "اليهودية الأميركية" مستعرضا مظاهر منها متوقفا عند زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، مصرحا بالصلاة والسلام عليه.

 

ويسخر الكاتب من الحاقدين على رسول الإسلام، ويتوقف عند ما ورد في التلمود من أن يعقوب الإنجيل وقع في هوى راشيل عندما لم يكن عمرها يتجاوز سبع سنوات ليتزوج بها وينجب منها سلالة طويلة منها مريم "والدة الرب" حسب تعبيره.

 

وإذا كان هذا الرسول قد تزوج بعدة نساء، فإن "القانون اليهودي -حسب قول الكاتب- يبيح لنا أن يكون لنا ما شئنا من النساء بغير تحديد، أما المسلم اليوم فعليه أن يقتصر على أربع زوجات (في هذه الدنيا)، لكننا نحن اليهود، لا يوجد عندنا هذا التحديد."

 

ويرد الكاتب أيضا على الذين يتهكمون على المتشددين المسلمين الذين يرفضون أن يرى شيء من زوجاتهم بأن الحاخام التلمودي إسحاق قال "إذا نظر أحدهم أصغر أصابع المرأة، فكأنما نظر إلى ما تعلمون"، و"المرأة اليهودية التقية التي تحترم نفسها عليها أن تقر في بيتها".

 

ويعلق الكاتب بأن هذا يتطابق تماما مع مواقف طالبان. ومضى  بعد ذلك يقارن بين عقوبات التلمود والتلموديين والحدود الإسلامية التي يستهزأ بها ويخوض فيها الخائضون بنيات سيئة.

 

"
ستبقى على هوامش كتب التاريخ القادمة سخرية عجيبة مفادها أن الزعماء اليهود ارتكبوا كل هذه الجرائم دون جدوى، ولم يحصلوا من ورائها على أي منفعة
"
لن تكون فلسطين دولة يهودية

يشن الكاتب حملة ضارية على الصهاينة ويبشر بأن فلسطين لن تكون دولة يهودية، ويصف الحال والمآل بالقول: حاليا يقومون بتدمير أرض فلسطين تحت أبصارنا. قراها القديمة قصفت حتى أصبحت حجارة متراكما بعضها فوق بعض، معابدها أفرغت من روادها والمترددين عليها، أشجار الزيتون فيها اقتلعت من جذورها.

 

هذه الأرض لم تعرف خرابا مثل ما تعرف اليوم منذ عهد الأشوريين قبل 2700 سنة. لا شيء يمكنه أن يزيح عنا آلام الغصة التي تغمرنا من هول ما نسمع ونرى. والقتلة الإسرائيليون والذين يمولونهم من اليهود الأميركيين هم الذين يتحملون مسؤولية هذه الجرائم وسيدفعون الثمن إلى الأبد.

 

غير أنه ستبقى على هوامش كتب  التاريخ القادمة سخرية عجيبة مفادها أن "الزعماء اليهود ارتكبوا كل هذه الجرائم دون جدوى، ولم يحصلوا من ورائها على أي منفعة". وحتى لو لجأ المجرمون إلى صلب آخر فلسطيني حي في هذه الدنيا على جبل جمجمة، فإن ذلك لن يعيد الدولة اليهودية لإسرائيل إلى الحياة.

المصدر : الجزيرة