عرض/مريم بنت زيدون 

تلعب الشركات المساهمة دورا كبيرا في الاقتصاد المعاصر، وتعد الأسهم من أهم ركائزها وأدواتها، ويثور التساؤل إزاء مدى مشروعية التعامل في الأسهم بصورة عامة، ولاسيما الاستثمار في الأسهم التي تمتلكها شركات عالمية أو شركات محلية داخل العالم الإسلامي لا تخلو معاملاتها من الربا.
 

- اسم الكتاب: حكم الاستثمار في الأسهم

- المؤلف: علي محيي الدين القره داغي
- عدد الصفحات: 264
- الطبعة: الأولى 2005
- الناشر: مطابع الدوحة الحديثة، الدوحة


ويحار معظم المسلمين اليوم: هل يقاطعون هذه الشركات ولا يساهمون فيها وبالتالي ينفرد ضعفاء الدين بإدارتها وهي التي تعتبر العمود الفقري للحياة الاقتصادية، أم يدخلون فيها بغرض الإصلاح والتغيير؟

 

وقد اختلف الفقهاء المعاصرون، فنظر بعضهم إلى مقاصد الشريعة وما يترتب علي المقاطعة وعدم المساهمة في هذه الشركات من مفاسد، فأجاز المساهمة فيها بشروط وضوابط. ونظر بعضهم نظرة خاصة إلي ما يشوب هذه المعاملة من حرام، فرفضها رفضا مطلقا.

 

الاستثمار وحكمه الشرعي

يري المؤلف أن الاستثمار على مستوى الأفراد مشروع ومندوب إليه، وذلك لتعدد النصوص الشرعية في أهمية المال بحياة الفرد والجماعة، وتقديم المال علي النفس بمعظم الآيات، والمساواة بين المجاهدين والساعين في سبيل الرزق، وتسمية العامل والتاجر بالمجاهد في سبيل الله بأحاديث كثيرة.

 

"
تتعدد النصوص الشرعية في أهمية المال بحياة الفرد والجماعة، فتقدم المال على النفس بمعظم الآيات، وتساوي بين المجاهدين والساعين في سبيل الرزق 
"


كل ذلك يدل بوضوح علي وجوب العناية بالمال وتثميره وتقويته حتى تكون الأمة قادرة علي الجهاد والبناء والمعرفة والتقدم والتطور والسعادة والنهضة والحضارة، حيث يمكن القول إن الاستثمار للأموال بوجهها العام واجب كفائي، إذ يجب على الأمة أن تقوم بعمليات الاستثمار حتى تتكون وفرة الأموال وتشتغل الأيدي ويتحقق حد الكفاية للجميع إن لم يتحقق الغنى، ومن القواعد الفقهية في هذا المجال أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

 

كما أن قوة المجتمع والأمة بقوة أفرادها لاسيما على ضوء منهج الاقتصاد الإسلامي الذي يعترف بالملكية الفردية ويحد من ملكية الدولة، ومن هنا تقع على الأفراد مسؤولية كبرى في زيادة الأموال وتقويتها عن طريق الاستثمار.

 

ومن المعالم الأساسية للمنهج الإسلامي في هذا المجال أن منهج الاستثمار لا ينفصل عن العقيدة والفكر الإسلامي، فكما أن الفكر الرأسمالي يسير عجلة الاستثمار في النظام الرأسمالي، والفكر الشيوعي كان يسير عملية الاستثمار في الاتحاد السوفياتي السابق والدول الاشتراكية نحو إطاره الفلسفي وأهدافه من خلال وسائله الخاصة، كذلك فإن العقيدة الإسلامية هي المهيمنة في الفكر الاقتصادي الإسلامي وفي منهج الاستثمار وأدواته ووسائله وآلياته.

 

فالمسلم يعتقد أن المال مال الله تعالى وأنه مستخلف فيه، وبينما يضع رضا الله نصب عينيه في الاكتساب والإنفاق والاستثمار، فإن غير المسلم يضع مصالحه الشخصية ثم مصالح قومه فوق كل الاعتبارات.

 

ولأجل هذه العقيدة يرى المؤمن أن الربا محق للأموال ونقص حقيقي في الثمرات وأن دفع الصدقات زيادة لها، عكس غيره الذي يرى الربا زيادة ومصلحة والصدقة نقصا ومحقا.

 

وبناء على كل ذلك فإن تقسيم رأس مال شركة ما إلى حصص وأجزاء ووضع شروط سابقة لذلك -وهو مما أصبح في صميم الاستثمار العالمي- لا يتنافى مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية.

 

حكم تداول الأسهم

"
لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها
"
يتناول الكتاب أحكام الأسهم من حيث الحل والحرمة، فيرى أن الإسهام في الشركات متنوع، حيث أن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز بما أن الأصل في المعاملات هو الحل.

 

بينما لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها، أما الإسهام في شركات تتعامل أحيانا بالمحرمات كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة فإن الأصل فيه الحرمة.


كما أنه لا مانع شرعا من ضمان الإصدار "
underwriting" إذا تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الإسمية بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه -غير الضمان- مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم.

 

ويجوز تقسيط سداد السهم عند الاكتتاب، ولا مانع شرعا من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه وتأجيل سداد بقية الأقساط، لأن ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجل دفعه.

 

ولا مانع من إصدار وتداول أسهم في الشركة بطريقة "السهم لحامله" والمحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة، أما شهادة السهم فهي عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة.

 

ولا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال وضمان قدر من الربح أو تقديمه عند التصفية، كما لا يجوز التعامل في الأسهم بطرق ربوية.

 

ويجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقضي به نظام الشركة، ولا يتعارض الشرع مع إضافة نسبة معينة مع قيمة السهم لتغطية مصاريف الإصدار ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرا مناسبا.

 

كما يجوز إصدار أسهم جديدة لزيادة رأس مال الشركة إذا أصدرت بالقيمة الحاضرة للأسهم القديمة، حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة أو بالقيمة السوقية.

 

وهناك أنواع أخرى من الأسهم، وهي من حيث إرجاع قيمتها تنقسم إلي قسمين: فهناك أسهم رأس المال وهي التي تبقى قيمتها إلى حين التصفية النهائية، فهذه الأسهم حكمها من حيث المبدأ الجواز مع ملاحظة ما ذُكر.

 

أما أسهم التمتع وهي التي ترد قيمتها تدريجيا أو مرة واحدة قبل انقضاء الشركة، أو بعبارة الاقتصاديين تستهلك قيمتها في حياة الشركة دون انتظار لانتهاء أجلها وتصفية موجوداتها،  فإن المساواة بين حقوق جميع المساهمين فيها مطلوبة، ولا يجوز لصاحب حق أن يأخذ أكثر من الآخر، إذ أن الفقه الإسلامي لا ينظر إلى الأسماء فقط وإنما إلى المسمى والمقصد أيضا، ولذلك تُعتبر هذه الطريقة جائزة شرعا سواء سُمي السهم باسم التمتع أم لا.

 

"
يجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقضي به نظام الشركة، ولا يتعارض الشرع مع إضافة نسبة معينة مع قيمة السهم لتغطية مصاريف الإصدار ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرا مناسبا
"

ويتناول المؤلف مراحل السهم وحكم كل مرحلة، فيرى أن من يدفع القيمة الإسمية في المرحلة الأولى التي هي مرحلة التأسيس، أو جزءا منها حسب لوائح الشركات، فإنه يعتبر مشاركا ويعتبر ما دفعه هو ثمن الأسهم التي اشترك بها أو بعضا من ثمنها، ويصبح شريكا بذلك القدر من الأسهم، وهو أمر جائز شرعا.

 

لكن يجب في هذه المرحلة أن تكون أغراض الشركة مشروعة، بحيث لا يتضمن النظام الأساسي والعقد التأسيسي أي غرض حرام من التعامل بالربا وغيره من المحرمات مثل: الخمور والأفلام الماجنة وغيرها من المحرمات.

 

كما يجب ألا يتضمن النظام الأساسي والعقد التأسيسي أية وسيلة محرمة من العقود المحرمة والأدوات غير المشروعة مثل عقود الغرر والاختيارات "الأوبشن" والسندات المحرمة شرعا، فإذا تم تلافي هذه المحظورات وكان الغرض مباحا والعقود مشروعة والوسائل مجازة، فإن الشركة جائزة وصحيحة شرعا.

 

وعن التكييف الفقهي للمؤسسين فإنهم يعتبروا مشاركين، وما قدمه كل واحد منهم هو مقدار المشاركة، والعقد الفقهي الذي ينظم هذه العلاقة يسمي شركة العنان في الفقه الإسلامي، وهي محل اتفاق لدي الفقهاء.

 

وعن مرحلة الاكتتاب التي هي عرض عام غير ملزم للشركة إلا في حدود ما حددته من شروط وضوابط مما يجعل ما يدفعه المكتتب مع التوقيع على الورقة بمثابة القبول المقيد بشروط الشركة، فإن حكم التصرف في الأسهم في هذه المرحلة يختلف من حالة تخصيص الأسهم أو عدمه، حيث لا يجوز البيع مطلقا في مرحلة عدم تخصيص الأسهم، وذلك لعدم معرفة عدد الأسهم المخصصة بل عدم ملكية المكتتب للأسهم المحتملة. أما بعد تخصيص الأسهم فتطبق عليها قواعد مرحلة التأسيس لكن لا يجوز بيعها قانونا إلا بعد دخولها في البورصة، وهو أمر يرى المؤلف أنه مطلوب فقهيا أيضا.

 

أما مرحلة ما بعد تجميع النقود وقبل أن تتحول إلى أعيان ومنافع، فلا يجوز للمشاركين أن يبيعوا أسهمهم إلا مع تطبيق قواعد الصرف بالأدلة المغيرة.

 

ثم مرحلة تحول النقود كلها أو معظمها إلى أعيان ومنافع وحقوق معنوية، فإن ظلت هذه النسبة باقية أي لم تزد نسبة النقود أو الديون منفردة مجتمعة على 50%، فيجوز تداولها لأنها في حكم الأعيان والمنافع والحقوق التي يجوز بيعها والتصرف فيها.

 

ثم يصل المؤلف إلى المرحلة ما قبل النهائية والتي تتحول فيها السلع والأعيان والمنافع كلها أو معظمها إلى أثمان عاجلة "نقود" وآجلة "ديون" من خلال المرابحات والبيع الآجل والتقسيط، ويعطي هذه النقطة حقها من الشرح حيث يراوح في أحكامها بين رعاية مبدأ الأغلبية ورعاية قاعدة الأصالة والتبعية.

 

ويتوقف الدكتور القره داغي عند مرحلة التصفية التي هي توقف نشاط الشركة حيث تكون معظم حقوقها ديونا آجلة أو نقودا، وحيث يباع ما بقي من الأعيان لأجل التصفية، ويرى أنه لا بد أن تطبق عليها قواعد الصرف وقواعد بيع الديون.

 

حكم المساهمة والمضاربة

"
يقع الخلاف بين العلماء على الشركات التي أصل نشاطها حلال لكنها تتعامل مع البنوك الربوية حيث يرى البعض حرمة التعامل معها بينما يجيزه البعض الآخر 
"
يقسم المؤلف الشركات حسب نشاطها إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول الشركات التي ينص نظامها الأساسي والعقد التأسيسي لها على الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، أو أنها تلتزم فعلا بالشريعة ولا تتعامل بالمحرمات من الربا وغيره، فهذه مشروعة بلا خلاف، والمساهمة فيها وتداول أسهمها حلال باتفاق الفقهاء المعاصرين، وذلك مثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامي والشركات الملتزمة.

 

النوع الثاني: البنوك والشركات التي ينص نظامها الأساسي والعقد التأسيسي لها على أن الغرض هو الإقراض والاقتراض بفائدة أو التعامل في المحرمات الأخرى مثل الخنزير والأفلام الماجنة والخمور ونحوها، فهذه لا يجوز المساهمة فيها ولا تدول أسهمها لا للاستثمار ولا للتجارة والمضاربة إلا لمن يدخل فيها بقصد التغيير وبقصد أسلمتها وهو قادر على ذلك بنفسه أو مع غيره.

 

ويبقى الخلاف على النوع الثالث الذي هو الشركات التي أصل نشاطها حلال لكنها تتعامل مع البنوك الربوية إقراضا واقتراضا أو نحو ذلك، حيث يري مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بالأكثرية، حرمة المساهمة والتعامل مع هذه الشركات، بينما تجيزه بعض الندوات الفقهية مثل ندوة الأسواق المالية بالرباط وندوة البركة ومعظم هيئات الفتوى والرقابة الشرعية للبنوك والشركات الإسلامية، كما أنه رأي مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ مصطفي الزرقا والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله والشيخ يوسف القرضاوي, وآخرون.

 

وتعود أسباب الخلاف في هذه المسألة إلي اختلاف وجهات النظر والرؤية، فمن نظر إلى الغرض الأساسي لهذه الشركات والأنشطة الأصلية الغالبة فيها وإلى عموم البلوى والحاجة، وإلى قاعدة الكثرة والغلبة والأصالة والتبعية وأدلة أخرى في هذا المجال، فقد أباح المساهمة والتعامل في أسهم هذا النوع من الشركات.

 

أما من نظر إلى وجود محرم ولو كان يسيرا في أنشطة هذه الشركات وأن الحلال يتبع الحرام وأن المانع مقدم على السبب، فقد حرم الإسهام والتعامل في أسهمها.

 

"
تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والسيرة على أن الإسلام يقوم على التيسير ورفع الحرج ودفع المشقة ورعاية عموم البلوى في أحكامه وتشريعاته
"
ويخرج المؤلف بعد استعراض آراء المذاهب والخلاف الوارد بينهم في هذه النقطة، بأن الأدلة قد تضافرت من الكتاب والسنة والسيرة على أن الإسلام يقوم على التيسير ورفع الحرج ودفع المشقة ورعاية عموم البلوى في أحكامه وتشريعاته، حيث يقول الله تعالى "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" سورة البقرة-الآية 185، ويقول أيضا "وما جعل عليكم في الدين من حرج" سورة الحج-الآية 78، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "بُعثت بالحنيفية السمحة"، ويقول كذلك "يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا".

 

كما أن جمهور الفقهاء بمن فيهم أصحاب المذاهب الأربعة اتفقوا على جواز التعامل بالبيع والشراء ونحوهما، مع من غالب ماله حلال.

 

وثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع ... حيث قال الحافظ بن حجر أن هذا الحديث هو عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

 

وقد أخذ من مزارعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود ومساقاته ومعاملته معهم أنه مشاركة بداية ونهاية، ففي البداية يشترك صاحب الأرض بأرضه والعامل بعمله وبذره وفلوسه، وفي النهاية يشتركان في هذا الثمر الناتج عن أموال وأعمال الطرفين. ومن المعلوم أن اليهود كانوا لا يتورعون عن أخذ الربا وأكله، ومع ذلك عقد النبي صلى الله عليه وسلم معهم عقد المزارعة، وهو ما يدل على أن مشاركة غير المسلمين جائزة.

 

وقد أكمل المؤلف الجانب النظري في الفصل الأول من الكتاب بفصل ثان، قام فيه بتطبيق عملي على سوق الدوحة للأوراق المالية (البورصة) حيث مهد باستعراض لأهمية الأسواق المالية والتعريف بها، واستعرض الإجراءات والقوانين واللوائح الخاصة بهذه السوق، وأورد تطبيقات عملية على أسهم الشركات القطرية.

المصدر : الجزيرة