عرض/ عبد الحكيم أحمين

هذا الكتاب إجابة على أسئلة من قبيل: لماذا يتعاطف المسلمون والعرب مع العراق في محنته الحالية؟ وماذا قدم هذا البلد للإسلام والعروبة والإنسانية جمعاء؟ ولماذا كان محط أطماع القوى العظمى في كل الأزمنة والأمكنة كما كان محطة نهايتها؟! 

- العنوان: العراق في القلب.. دراسات في حضارة العراق.

- المؤلف: د. علي القاسمي

- عدد الصفحات: 288

- الناشر: المركز العربي الثقافي، الدار البيضاء، المغرب

- الطبعة: الأولى 2004


والكتاب عبارة عن دراسات وعروض كتب لعراقيين ومحاضرات نشرها الدكتور علي القاسمي في عدة منابر إعلامية ثم جمعها في كتاب "العراق في القلب.. دراسات في حضارة العراق" بعد أن سألته ابنته عن سر تردد كلمة العراق على ألسنة الكل في المغرب حيث يقيم ويعمل مستشارا لمكتب تنسيق التعريب التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالعاصمة المغربية الرباط.

 

وتطرق القاسمي للحضارة العراقية الحديثة وإنتاجها الأدبي من خلال التنقل بين "كتب الدرس والأنس من العراق إلى الأندلس"، و"نظرات في القصة العراقية الحديثة" في شخص القاص العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، و"أحمد الصافي النجفي.. شاعر بين الأمواج المغرقة والنيران المحرقة"، و"محمد مهدي الجواهري.. الشاعر والملك"، والأديب والمترجم "عبد الحق الفاضل.. هو الذي رأى"، و"عبد الوهاب البياتي.. الشاعر".

 

كما أنه عاد بالقارئ إلى أصل حضارة العراق العظيمة بحديثه عن "السومريون قوم نوح"، و"ملحمة غلغامش"، و"عشتار إلهة الحب والخصب والجنس"، و"الحياة الاجتماعية والفكرية في زمن الفقيه أبي حنيفة وأثرها في آرائه"، و"تجليات العمارة الإسلامية في تخطيط مدينة بغداد العريقة".

 

"
في سومر أنشئت أول مدرسة نظامية في تاريخ البشرية واخترعت عجلة العربة ودولاب الفخار والمحراث والسفينة الشراعية ووضع النظام العددي العشري وقسمت الدائرة إلى 360 درجة
"
التاريخ يبدأ من سومر

اقتبس القاسمي هذه المقولة من عنوان أحد كتب العالم الأميركي نوح كريمر التي تعتبر من البديهيات لدى المؤرخين، وتؤكد أنه لا وجود للتاريخ بمعناه العلمي الدقيق من دون وجود سجل مدون للأحداث يعود إليه المؤرخ، وقال إن السومريين سكان جنوب العراق هم الذين ابتدعوا الكتابة وجعلوا تلك المهمة ممكنة التحقيق.

 

فقبل أكثر من خمسة آلاف سنة أبدع السومريون الكتابة المسمارية على ألواح الطين، وهو النظام الكتابي الذي ظل مستعملا في العالم المتحضر خلال ألفي عام. وفي سومر أيضا أنشئت أول مدرسة نظامية في تاريخ البشرية، واخترعت عجلة العربة ودولاب الفخار والمحراث والسفينة الشراعية، ووضع النظام العددي العشري، وقسمت الدائرة على 360 درجة.

 

وفي الألف الثانية قبل الميلاد ظهرت في العراق الحضارة البابلية التي وحد ملكها حمورابي شمال البلاد "آشور" وجنوبها "سومر" في مملكة واحدة عام 1750ق.م، وجمع قوانين المملكة في مدونة واحدة، وترجم تلك القوانين إلى لغات الشعوب التابعة لإمبراطوريته، فكان في بابل أول جهاز للترجمة.

 

وفي عهد الآشوريين عرفت عاصمتهم مدينة نينوى شمالي العراق أول مكتبة ضخمة في التاريخ. ونظرا للموقع الإستراتيجي لبلاد الرافدين شهدت البلاد صراعا بين الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، ثم وصل إليها الرومان الذين تخلوا عنها للبارثيين عام 249 ق.م، وجاء بعدهم الساسانيون الذين اتخذوا قسطفيون عاصمة لهم. وأخيرا حرر العرب المسلمون العراق بعد معركة القادسية عام 635م.

 

لكن الكثير من الباحثين الغربيين يعتبرون أن أصل السومريين ليسوا من الشعوب السامية العربية لأن لغتهم تختلف عن اللغات السامية، مرجحين قدوم السومر من أرمينيا وشرق بحر قزوين من شمال العراق واستقروا في الشرق الأوسط في العصر الحجري حوالي عام 8000 قبل الميلاد.

 

لكن القاسمي معتمدا على الدكتور العراقي بهاء الدين الوردي في كتابه "قوم نوح"، يقدم أدلة على أن أصل السومريين من العرب العاربة.

 

لقد قدم العرب العاربة من جزيرة العرب واستقروا في جنوب العراق حيث بنوا مدنهم من مثل أور وأروك على نهر الفرات بمحاذاة الصحراء التي قدموا منها، ثم توجهوا في أنحاء البلاد شمالا وشرقا.

 

ويقول القاسمي لو أنهم كانوا قدموا من الشمال –مثلما ادعى الغربيون- لأسسوا مدنهم في شمال العراق لا جنوبه، ويتفق هذا مع موجات الهجرة من جزيرة العرب إلى بلاد الرافدين حيث بنى عرب سد مأرب مدن الحيرة والأنبار وأبله على ضفاف الفرات بمحاذاة الصحراء، وبنى عرب الفتوحات الإسلامية البصرة والكوفة على نفس النهر.

 

كما أن بعض علماء الآثار عثروا على جماجم للسومريين لا تختلف في شكلها عن جماجم الشعوب العربية السامية.

 

وتشكل قصة الطوفان التي حدثت في زمن نوح عليه الصلاة والسلام جزءا من تاريخ السومريين الذين بدؤوا مسيرة المدنية اليوم، فهم أول من اخترع الكتابة وأسس المدارس النظامية وغيرها من الأمور.

 

وقع الطوفان في أواسط الألف الرابعة قبل الميلاد نتيجة عوامل بعضها طبيعي وبعضها خارق للعادة، فقد صاحبت أحد فيضانات نهري دجلة والفرات أمطار خارقة وأعاصير مدمرة وزلزال، مما أدى إلى اجتياح مياه الخليج المدن السومرية اجتياحا استمر سبعة أيام بلياليها، ولحق الموت والدمار سكان سومر إلا من اعتصم بسفينة نوح عليه السلام.

 

سفينة نوح لم تستقر بعد الطوفان على جبل أرارات في أرمينيا حسب ما يذهب إليه الغربيون الذين يرون أنها أبحرت من جنوب العراق إلى شماله لتستقر بالجبل، بل من الطبيعي -يؤكد القاسمي- أن تسير السفينة نحو الجنوب باتجاه مجرى نهري دجلة والفرات وفيضانهما لتستقر على الأرجح في موقع "كوديا" قرب مدينة نصر القديمة.

 

نوح لم يكن إلا واحدا من الأنبياء والرسل الذين تعاقبوا على السومريين والأكاديين الذين عاصروهم وخلفوهم في حكم العراق، ومنهم إبراهيم وصالح ويونس عليهم الصلاة والسلام الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم بتسلسل زمني تاريخي أثبتت بحوث علم الحفريات العالمية الحديثة مصداقيته، فقد ولد إبراهيم الخليل في مدينة أور السومرية حوالي عام 1800ق.م أي حوالي 1700 عام بعد نوح، وأخذ في دعوة قومه إلى التوحيد ونبذ الشرك وعبادة الآلهة.

 

"
مثلما تطل الآلهة عشتار مع إطلالة الربيع لتملأ الأرض خصبا وجمالا، تنهض بغداد من بين الأنقاض والأوجاع لتعاود الإقلاع والارتفاع وتتدهور حتى تصل إلى سوء الحال ثم تزدهر حتى تبلغ قمة العلياء
"
الأساطير العراقية

ويتغلغل القاسمي في التاريخ العراقي لينقل من الأساطير التي تحكي أصل الكون والإنسان والحضارة، أسطورة "عشتار" إلهة الحب والخصب والجنس التي ظهرت أول مرة في سومر جنوبي العراق قبل أكثر من 6000 عام على شكل شخصها المرسوم على الأختام الأسطوانية وبعض المنحوتات، أو برمز النجمة الثمانية التي تشير إلى كوكب الزهرة والتي يدل عليها الخط المسماري.

 

وقد سماها السومريون "عنانا"، وتكمن أهميتها في أن الإنسان أدرك منذ القدم أهمية الغذاء والتناسل وخصب الطبيعة.

 

ونظرا لأهمية عشتار تلك انتقلت عبادتها من السومريين إلى أقوام كثيرين منهم الأكاديون الذين سموها "عشتار"، وشعوب جنوب الجزيرة العربية الذين لقبوها "عاشرا أو عشروت"، والإغريق الذين أطلقوا عليها لقب "إفروديت"، والرومان الذين كنوها "فينوس".

 

هناك أسطورة تحكي تفاصيل رحلة "عنانا" إلى مدينة أوريدو السومرية مركز إله الحكمة والمعرفة "أنكي"، من أجل الحصول على النواميس الإلهية لفنون الحضارة من الإله "أنكي" ونقلها إلى مدينتها "الورقاء" لتجعل منها مدينة متحضرة.

 

ومن تلك الأسطورة برزت ملحمة غلغامش السومرية "الشعرية الفذة التي غدت مثالا تحاكيه آداب الحضارات الإنسانية الأخرى فنُظِمت على غرارها الأوديسا والإلياذة".

 

أخطاء مشهورة عن بغداد

مثلما تطل الآلهة "عشتار" مع إطلالة الربيع لتملأ الأرض خصبا وجمالا، تنهض "بغداد من بين الأنقاض والأوجاع لتعاود الإقلاع والارتفاع" وتتدهور حتى تصل إلى سوء الحال ثم تزدهر حتى تبلغ قمة العلياء.

 

لذلك يقول الدكتور علي القاسمي، "لم تحظ مدينة إسلامية بما حظيت به بغداد القديمة من اهتمام المؤرخين والأثريين، وعناية الأدباء والفنانين، وشغف أصحاب التراجم والسير(..) وأفردوا لأحداثها ولإسهامات أهلها في صنع الحضارة الإنسانية حيزا هاما من أعمالهم ومؤلفاتهم".

 

لكن في خضم ما كتب عن بغداد من المعلومات تسربت "الأخطاء هنا وهناك بسبب التصحيف والتحريف، أو السهو والغلط الناتجين عن قلة البحث والتدقيق، أو بسبب التزوير والتلفيق الناتجين عن التحزب والتعصب".

 

تجمع المصادر التاريخية على أن الخليفة العباسي الثاني أبا جعفر المنصور قد قرر بناء عاصمة له فاختار "موقعا على نهر الصراة بين نهري دجلة والفرات كانت تقوم فيه آنذاك قرية تسمى بغداد" منذ زمن السومريين والبابليين.

 

ويرى القاسمي أن اسم بغداد ليس فارسيا، إذ "وجدت وثائق بابلية تحمل اسم بلدة بغداد تعود إحداها -وهي وثيقة قضائية- إلى أيام الملك البابلي المشهور حمورابي (1792-1750ق.م).. وهكذا فإن اسم بغداد كان قد استعمل قبل ألف عام على الأقل بمعنى الصنم أو الإله فلا يمكن أن يعود إلى اللغة الفارسية".

 

وقد أطلقت على بغداد أسماء كثيرة منها مدينة السلام تفاؤلا بأنها ستكون آمنة مطمئنة، ومدينة المنصور، ومدينة الخلفاء، والزوراء، والصيادة لأنها تصيد القلوب.

 

من الأخطاء ظن البعض أن الخليفة المنصور أنشأ بغداد لتكون معسكرا لجيشه مثل بقية المدن العسكرية وأن تحصيناتها الدفاعية وأسوارها وأبراجها وخنادقها وأنفاقها أوحت لذلك البعض أنها مدينة عسكرية، في حين رأى البعض الآخر أن نموها وازدهارها وانتقال العلماء والفنانين وغيرهم إليها وانتشار المراكز العلمية والثقافية فيها يدل على أنها مدنية، والحقيقة أنها كانت "مدينة ملكية خالصة".

 

كما أن المستشرقين ادعوا أن جعفر المنصور اغتصب الأرض التي بنيت عليها بغداد عن طريق العمل الإلزامي، إلا أن القاسمي كذب ادعاءهم بدليلين فقهي وسياسي.

 

فالمنصور عرف عنه اطلاعه وتبحره في العلوم الشرعية والتزامه الديني، ومن أبسط المبادئ الإسلامية ألا تكون الأرض التي تبنى عليها بغداد مغتصبة. أما السياسي فهو أن المنصور كان يدرك قيمة العدل في إعمار المدن والبلدان، كما كان يدرك أن الظلم يقود إلى الخراب.

 

من الأخطاء الشائعة عن بغداد القول إن الإمام أبا حنيفة تولى الإشراف على بنائها والعمال الذين شيدوها.

 

وفنذ القاسمي هذا الخطأ الذي يرد في أعمال كثيرة منها موسوعة "حضارة العراق"، من خلال الإشارة إلى أن أبا حنيفة كان يتجاوز السبعين من العمر عندما بدأ المنصور عام 145هـ بناء المدينة، إضافة إلى ترفع أبي حنيفة عن المناصب الحكومية في الدولتين الأموية والعباسية بالإضافة إلى تقدير المنصور واحترامه للعلماء.

 

"
الاعتقاد بأن بغداد أول مدينة مدورة في تاريخ العالم خاطئ، إذ سبقتها مدن أخرى مثل أور والورقاء التي كانت من أشهر المدن السومرية المسورة على هيئة شبه دائرية والتي أنشئت قبل بغداد بنحو أربعة آلاف سنة
"
الاعتقاد بأن بغداد أول مدينة مدورة في تاريخ العالم خاطئ، إذ سبقتها مدن أخرى مثل أور والورقاء التي كانت من أشهر المدن السومرية المسورة على هيئة شبه دائرية والتي أنشئت حوالي 4000 عام قبل بغداد. وكذلك مدينة واسط العراقية وهي آخر مدينة إسلامية بنيت قبل "مدينة السلام" على شكل دائري.

 

وكذب القاسمي قول بعض المستشرقين إنه لا وجود لتخطيط أصيل ومتميز لمدينة بغداد الإسلامية وإنها مجرد تقليد عمراني للمدن الأوروبية، وقال إن الخليفة المنصور كانت له خبرة في بناء المدن الإسلامية مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وغيرها، وكانت له رغبة قوية في تصميم انفرادي لبغداد التي تميزت بخصائص المدينة الإسلامية كالوحدة والتوحيد والزخرفة استلهاما للمعاني القرآنية.

 

وهكذا بعبقرية عراقية يكشف الدكتور القاسمي سر العراق وتطلع الكل إليه مطمئنا إياهم قائلا إن "العراق يا ابنتي هو الجناح الأيمن لصقر الوطن العربي الناشر جناحيه بإباء وشمم من الخليج إلى المحيط، فإذا كان صقرنا اليوم مهيض الجناح، فلا بد للجرح أن يندمل غدا، ولا بد للصقر أن يحلق ثانية في أجواء العلا والمجد والسؤدد.

 

سينهض العراق غدا من بين الأنقاض مثل عنقاء آشورية تنتفض من رمادها وتحلق في أعالي السماء، وستقوم عشتار تنشر الحب والخصب والنماء بعد الدمار الذي حل بالبلد جراء الغزو والاحتلال الأميركي الإنجليزي". 

المصدر : غير معروف