عرض/كامبردج بوك ريفيوز

يقدم أحمد يوسف في هذا الكتاب الضخم جهداً بارزاً في وصف ورسم صورة تفصيلية جامعة للجالية المسلمة في الولايات المتحدة على ضوء الأوضاع المتوترة والتخويفية التي تمر بها هذه الجالية منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

 

سمة الكتاب الأساسية هي ارتباطه بالهجمات الإعلامية والقضائية المتكررة على مؤسسات تلك الجالية ورموزها وممثليها بهدف إضعافها وإضعاف تأثيرها سواء المحلي داخل الولايات الأميركية أو خارجها عن طريق قطع صلاتها بالمنظمات والمؤسسات الإسلامية.

 

وعلى العموم يمكن إبداء ملاحظة نقدية على طريقة تقسيم الكتاب وتوزيع موضوعاته وحجم كل قسم وعدم تناسب الأقسام فيما بينها، إذ الكتاب ينقسم إلى خمسة أقسام متباينة الأهمية والحجم.

 

- العنوان: المسلمون الأميركيون.. جالية تحت الحصار

- المؤلف: أحمد يوسف

- عدد الصفحات: 724

- الناشر: مجموعة يسر للنشر، واشنطن

- تاريخ النشر: 2004

الحلم الأميركي للمسلمين

يتحدث القسم الأول بإيجاز عن تاريخ وجود الجالية المسلمة في الولايات المتحدة وعن بداية مرحلة الهجرات وقدوم دفعات من المسلمين إلى القارة الأميركية ابتداء من عقد الستينيات من القرن الماضي وحتى الآن.

 

كما يتحدث عن تأسيس اتحاد الطلبة المسلمين باعتباره نشاطاً ريادياً ركز على الطلبة والفئة الشبابية في الجالية المسلمة وتبنى قضاياها, ثم يعرج كذلك على مرحلة مأسسة العمل الإسلامي النشط وتوزعه إلى منظمات ومؤسسات تفصيلية متخصصة.

 

العنوان الذي يحمله القسم "الحلم الأميركي للمسلمين" بليغ وفيه إدانة للحلم الأميركي بشكل عام وهو الحلم الذي لم يستوعب بقية المكونات الاجتماعية والإثنية في المجتمع الأميركي وعلى رأسها الجالية المسلمة.

 

فمئات الألوف من المسلمين الذين هاجروا إلى القارة الأميركية إما هرباً من الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلدانهم, أو بحثاً عن حياة كريمة ومصونة في الولايات المتحدة وجدوا أنفسهم بعد مرور عقود من الزمن محاصرين بكم هائل من القوانين والشبهات التي تدور حولهم والتهم التي تنظر إليهم طابوراً خامساً, ودع عنك فكرة تحقيقهم "للحلم" الأميركي الخاص بهم.

 

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت الموجات الأولى من المهاجرين المسلمين الوصول إلى "العالم الجديد" مدفوعة بالبحث عن فرص العمل, وهو نفس الدافع الذي كان وراء الهجرات الأوروبية، ووصل إلى الشواطئ الأميركية مهاجرون من الشرق الأوسط ومن جنوب آسيا ومن مناطق القارة الأفريقية شمالاً ووسطاً, وتوزعوا في الولايات المختلفة بأميركا.

 

غير أن الكتاب لا يتوقف كثيرا عند التفاصيل لرصد تيارات تلك الهجرة وإنما يكتفي ببضع صفحات, فلا يخصص فصلا للمهاجرين المسلمين منذ اكتشاف القارة، مع أن هناك إشارة عابرة في الكتاب إلى أن تجارة العبيد التي كانت قد انتشرت في القرون من الخامس عشر وحتى أوائل العشرين كان أغلبها يقوم على الاتجار بأفارقة مسلمين.

 

بل إن أولئك العبيد كانوا يعانون اضطهادا مزدوجاً من قبل أسيادهم, لكونهم عبيداً أولا ولكونهم مسلمين لا يدينون بدين سادتهم ثانيا.

 

"
المسلمون الذين هاجروا إلى القارة الأميركية هرباً من الأوضاع السياسية والاقتصادية أو بحثاً عن حياة كريمة وجدوا أنفسهم بعد عقود محاصرين بكم هائل من القوانين والشبهات والتهم
"
ويتوقف الكتاب بتفصيل شديد عند تحول النمط الديمغرافي للمهاجرين المسلمين حيث غلب عليهم الطلبة والشباب القادمون من مختلف البلدان الإسلامية لاستكمال درجاتهم الجامعية، مبينا أنه في عقد السبعينيات من القرن الماضي وصل عدد الطلبة أولئك إلى نصف مليون فغيروا من ناحية عملية شكل وطبيعة الجالية المسلمة.

 

تضاف إلى ذلك نسبة التوالد العالية بين المسلمين التي زادت من عددهم, وكذا عدد المتحولين إلى الإسلام خاصة في أوساط المساجين من الأفارقة الأميركيين. وهنا يرصد الكتاب نشوء وتطور وانتشار الإسلام وسط الأفارقة الأميركيين وخاصة مع بروز جماعة "أمة الإسلام" على يد أليجا محمد في ثلاثينيات القرن الماضي, ثم تسلم لويس فرقان لخلافته بعد موته في السبعينيات.

 

وبسبب الأهمية المركزية للطلبة العرب يفرد أحمد يوسف جزءاً موسعاً من هذا القسم لتأريخ حركة نشاطهم ممثلة في اتحاد الطلبة المسلمين الذي تأسس عام 1963 وغيره من المؤسسات, وهو جزء غني بالتوثيق التاريخي والمعلومات خاصة أن المؤلف نفسه كان ناشطاً ويعمل في قلب تلك المؤسسات.

 

لكن ما يلفت الانتباه هو غياب المؤسسات الطلابية غير "الإسلامية التوجه" لأنه من المتوقع أن الكثير من الروابط الطلابية العربية كانت ذات خلفيات قومية أو يسارية خلال الحقب الناصرية والاشتراكية التي وسمت البلدان العربية, وهذه الروابط لا نرى لها أثراً في الكتاب.

 

وكلاء الإسلاموفوبيا

القسم الثاني من الكتاب يأتي تحت عنوان "وكلاء الإسلاموفوبيا" أو "التخويف من الإسلام" وهو مخصص لدراسة إنتاج وآراء مجموعة من الباحثين والصحفيين الأميركيين (الإسرائيليين في معظمهم) حول الإسلام والتخويف منه.

 

وهنا يقدم المؤلف أحمد يوسف سرداً غنياً ومفيداً في تتبع تطور الفكر المعادي للإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة, وأثره في تصنيع الصورة العامة للمسلمين هناك.

 

وضمن القائمة التي يرى يوسف أنها الأهم في تشكيل الوعي العام الأميركي تجاه المسلمين وقضاياهم نرى جوزيف بودانسكي وجوديث ميلر وستيفن إيمرسون وريتا كاتز.

 

وإذا كان هؤلاء يقومون بمهمة تشويه سمعة الإسلام والتخويف منه على الصعيد الشعبي فهناك قائمة أخرى أكثر خطورة تضم محرضين ومخوفين يقومون بنفس تلك المهمة لكن على الصعيد الرسمي وتحت ستار أكاديمي. ومن هؤلاء يعد الكتاب مارتن كريمر ودانيال بايبس وروفين باز وبرنارد لويس.

 

العديد من هذه الأسماء معروف لدى القراء العرب, وحتى غير المعروفين منهم فإنهم يشتركون مع البقية في اعتبار الإسلام خطراً على الولايات المتحدة وعلى شعبها، وأن لا فرق هناك بين إسلام معتدل وإسلام متطرف ولذا يجب معاملة كل المسلمين من منظور الاشتباه فيهم.

 

وينشر هؤلاء البنية التحتية الفكرية للتيارات والآراء العنصرية ضد المسلمين، بل إن واحدا منهم, وهو دانيال بايبس نشر مقالات دعا فيها إلى إنشاء "مراكز تجميع عنصرية" للمسلمين لكون أحيائهم هي مرتع الإرهاب.

 

وهذه المراكز هي النظير لما كانت تقوم به ألمانيا النازية في حق اليهود, كما هي أيضاً النظير لما قامت به الولايات المتحدة إزاء الأميركيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية حين نظر إليهم على أنهم طابور خامس.

 

"
العبيد الذين جلبوا إلى أميركا من أفريقيا كانوا يعانون اضطهادا مزدوجاً من قبل أسيادهم لكونهم عبيداً أولا ولكونهم مسلمين لا يدينون بدين سادتهم ثانيا
"
كابوس المسلمين في أميركا

هذا هو عنوان القسم الثالث من الكتاب, وهو قسم قصير لا يتناسب حجمه مع الأقسام الأخرى، وفيه ثلاثة أجزاء أولها -وهو أكثرها أهمية- يتناول ملاحقة تاريخية مفصلة لمسار الأحداث, والقوانين, والضغوط التي واجهتها الجالية المسلمة بعد تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية.

 

في البداية يؤكد يوسف موقف الجالية المسلمة الذي لم يتردد في إدانة تلك التفجيرات بكل قوة واعتبارها عملاً إرهابيا لا يقره الإسلام، كما يورد نص رسالة وجهتها الجالية إلى الرئيس الأميركي جورج بوش تضمنت ذلك الموقف, ووقعتها أهم تسع منظمات إسلامية.

 

بعد ذلك يسرد المؤلف تسلسل الأحداث, بل تدهورها, على صعيد تنامي العداء والشكوك حول المسلمين في الولايات المتحدة. فنقرأ عن القوائم المتلاحقة التي صارت تصدرها وزارة العدل والأف بي آي متضمنة أسماء مسلمين مشتبه فيهم. ثم تلا ذلك تجميد أرصدة 27 من أفراد ومنظمات إسلامية خيرية تجمع  التبرعات في أميركا.

 

بموازاة ذلك قام الرئيس بوش بزيارة تهدئة إلى مسجد المركز الإسلامي في واشنطن محاولاً الفصل بين من قاموا بالعمليات الإرهابية وبقية المسلمين في الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يحل دون تصاعد التوتر وزيادة شعور الجالية بالعزلة والاتهام. فنظم زعماء الجالية ومنظماتهم اجتماعا طارئاً في أكتوبر لمحاولة اتخاذ إجراءات وقائية.

 

غير أن الأحداث كانت أسرع من قدرة تلك الجالية على إيجاد حلول, إذ صدر في 26 أكتوبر/تشرين الأول قانون "الباتريوت آكت" أو "التوحد والتعاضد من خلال تبني الوسائل المناسبة لمكافحة وصد الإرهاب". وهذا القانون اعتبرته كثير من منظمات حقوق الإنسان انتهاكا للحريات المدنية الأميركية ومنح صلاحيات شبه مطلقة للشرطة والأجهزة الأمنية من وراء ظهر السلطة القضائية.

 

في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السنة 2001, ساء الوضع أكثر إذ اقتحمت الأف بي آي أماكن عمل وبيوت للجالية المسلمة بدعوى الاشتباه في وجود أعضاء من تنظيم القاعدة, كما تم استدعاء أكثر من 5000 شاب مسلم للتحقيق معهم.

 

وغني عن القول أن مثل هذه الحملات تركت انطباعا عاماً في الأوساط الشعبية الأميركية بأن كل مسلم متهم بأنه إرهابي ما لم يثبت العكس.

 

وقد غذت ذلك الانطباع تصريحات عنصرية من المدعي العام جون أشكروفوت ضد الإسلام قال فيها إن الإسلام دين يحض أتباعه على الموت ويطلب منهم إرسال أبنائهم كي يموتوا.

 

يتابع أحمد يوسف رصد كل التطورات بتواريخها وأسماء صانعيها على جبهة تدهور الأوضاع الإسلامية, من اعتقالات ومداهمات وإغلاق. ويمثل هذا السجل التاريخي إضافة نوعية حقيقية وعلمية مهمة يقدمها الكتاب على صعيد التوثيق الدقيق لأهم ثلاث سنوات ونصف أعقبت تفجيرات سبتمبر/أيلول.

 

وفي نفس القسم يتوقف المؤلف عند حدثين يعطيهما أهمية خاصة, وهما إغلاق مؤسسة الأرض المقدسة, ومطاردة من اشتبه في أنهم أنصار أو أعضاء في حماس أو قريبين منها.

 

"
دانيال بايبس نشر مقالات دعا فيها إلى إنشاء مراكز تجميع عنصرية للمسلمين لكون أحيائهم هي مرتع الإرهاب كتلك التي قامت بها ألمانيا النازية لليهود والولايات المتحدة للأميركيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية
"
قيادات وأنصار

القسم الرابع من الكتاب هو مجرد تعريف موسع بأهم القيادات الإسلامية المعتقلة أو التي طوردت, إضافة إلى أسماء مثقفين ومفكرين أميركيين شرفاء وقفوا مع الجالية المسلمة ضد الاضطهاد المتزايد الذي تتعرض له.

 

وضمن أسماء القيادات التي تعرضت للمطاردة والسجن نقرأ عن سامي العريان وعبد الرحمن العامودي وعبد الحليم الأشقر وجميل أمين وصبري سميرا, وغيرهم. أما ضمن قائمة المثقفين الأميركيين المناصرين لقضايا الجالية المسلمة فنقرأ أسماء أنتوني سوليفان وجون أسبوزيتو وبول فندلي وسينثيا مكيني ووليام بيكر وجون ساغ.

 

تصفية عن طريق القانون

القسم الخامس توثيقي أيضا, ويتضمن تفاصيل العديد من القضايا القانونية التي رفعت ضد جمعيات أو منظمات أو شركات تتبع للجالية المسلمة وعمادها المطالبة بتعويضات خيالية بمئات الملايين.

 

والهدف من تلك القضايا, كما يحلل أحمد يوسف, هو تحطيم الجالية المسلمة مالياً وإفلاس واجهاتها الأهم.

 

وهكذا فإن أهمية كتاب أحمد يوسف القصوى تكمن في الجهد التوثيقي الهائل المبذول فيه. إنه وثيقة تاريخية فيها إدانة لبلد الحرية والديمقراطية والحلم الأميركي.

المصدر : الجزيرة