عرض/سكينة بوشلوح

ما موقع دولة القانون في الفضاء العربي الإسلامي؟ أهي واقع وحقيقة أم مجرد شعار وأسطورة؟ تلك هي المشكلة التي طرحها كتاب "دولة القانون في العالم العربي الإسلامي بين الأسطورة والواقع" لمؤلفه الدكتور أحمد خروع، وهو حاصل على الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة غلاسكو في أسكتلندا، وقبل ذلك على الماجستير في الدراسات الدولية من الجامعة الأميركية في واشنطن، ويعمل حاليا أستاذا محاضرا بكلية الحقوق في جامعة الجزائر.

 

بين المثالية والواقعية في الطرح وبين الذاتية والموضوعية في التحليل، تأرجح كلام المؤلف بحجة الطابع الفكري للموضوع الذي يتناوله والذي يشكل فضاء رحبا يسمح بالتعبير الحر البعيد عن الحكم النهائي والفصل في القول.

- عنوان الكتاب: دولة القانون في العالم العربي الإسلامي بين الأسطورة والواقع

- المؤلف: د. أحمد خروع

- عدد الصفحات: 195

- الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية/ الجزائر

- الطبعة الأولى: 2004

بداية وقبل أن يتطرق لدولة القانون في العالم العربي، يمهد المؤلف للموضوع بالحديث عن مصداقية دولة القانون على أرض الواقع، مشيرا إلى الجرائم التي ترتكب جهارا في حق الأبرياء سواء في الشيشان أو في فلسطين أو في شمال أفريقيا وجنوبها، وإلى تورط المسؤولين الكبار والرجال المحيطين بهم في قضايا الرشوة ونهب المال العام وعجز العدالة عن ردعهم وتطبيق حكم القانون بحقهم، ليقر في الأخير بأن دولة القانون مجرد أكذوبة أو حيلة قانونية لا وجود لها لا في الغرب ولا في الشرق.

 

ويعيب على نفسه إقناع الناس بما لم يكن هو نفسه مقتنعا به فيقول "ثم عندما نصعد على منابرنا في الجامعات ونواجه طلابنا، لا نجد حرجا في إقناعهم بأن الدولة القانونية حقيقية وبأن نظريتها نظرية علمية ترتكز على أركان وأسس قاطعة".

 

الأسباب التي تدفع المسلم العربي إلى محاولة كشف القناع عن دولة القانون عديدة، اختزلها المؤلف في ثلاثة أسباب رئيسية منها موجة العنف والإرهاب التي تجتاح الدول العربية في السنوات الأخيرة والتي عرفت ذروتها الجزائر ومصر وسوريا. ثم تكالب العالم الغربي واعتداءاته المتكررة على العالم العربي الإسلامي ونعته بالإرهاب والاستبداد.

 

وآخرها حاجة المجتمع العربي إلى نظام سياسي متين يرتكز على نظرية علمية موضوعية تسمح له بتجاوز العقبات والعوائق الداخلية من تطرف ديني وجمود تقليدي وتقوقع في أحضان الأصالة المزيفة. وهنا قد ينتبه القارئ إلى حاجة المجتمع العربي إلى نظام سياسي متين يسمح في المقابل بالصمود في وجه كل وافد من تطرف وغزو أخلاقي وفكري وانصهار في أحضان التبعية والتقليد.

 

"
أزمة النظام السياسي العربي هي أزمة مشروعية، أي أنه يفتقر إلى ثقة الشعب وتزكيته، وكل نظام تنقصه ثقة الشعب نظام لا مصداقية له يستند أساسا إلى العنف والقهر ويسقط في دوامة الاستبداد
"
النظام السياسي العربي الإسلامي

الهيكل التقليدي للمجتمع العربي -حسب المؤلف- قبلي البنية يقوم على أساس النعرة القبلية ويستند فيه الملك إلى القوة والغلبة، وإذا التحم بالوازع الديني تحول إلى خلافة، وإذا خمل وتقهقر أصبح سلطة وملكا عضوضا. ومن ثم يؤكد أن ابن خلدون أدرك أن الخلافة حالة استثنائية في الملك الذي هو بطبيعته تسلط وغلبة، فالملك لا يتحول إلى خلافة راشدة إلا إذا تطعم بالوازع الديني الذي هو هداية ربانية وحدث خارق للعادة.

 

لقد جاء الإسلام وأخرج العرب من ظلمات الجهل إلى نور الحكمة والهداية الربانية فمكنهم في الأرض واستخلفهم فيها، فأحسنوا الخلافة وبسطوا نفوذهم شرقا وغربا وأسسوا دولا وملكا واسعا وحضارة مشرقة. ولما انحل الوازع الديني وتلاشى المجد، استعاد الملك طبيعته وأصبح سلطة مستبدة وتفرق بين القبائل وظهرت دويلات، ودخل العرب في مرحلة الانحطاط إلى أن دهمهم الاستعمار وألحق الخراب بأوطانهم.

 

يكاد المؤلف يجزم أن العرب لم يعرفوا للوطن والوطنية معنى في تاريخهم الطويل، إذ لا وجود لهذين اللفظين في لسانهم وأشعارهم، اللهم إلا بعض التلميحات المتناثرة هنا وهناك حول أوطان العرب ومعاقلهم.

 

أما المفهوم الاصطلاحي للوطنية فدخل مع الغزو الاستعماري وجاء امتدادا للحركة القومية التي انفجرت في أوروبا، وهو الأمر الذي يفسر صعوبة تأقلمها مع الفكر العربي واصطدامها بالحركات الثورية الداخلية المتمثلة في الحركات السلفية عموما، كالحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية وجمعية العلماء المسلمين في الجزائر والمدارس العلمية الحديثة من مثل مدرسة الشيخ محمد عبده.

 

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن الحكم على جميع الحركات السلفية في رفضها فكرة الوطنية، ذلك أن جل هذه الحركات أعلنت رفضها للفكرة الاستعمارية لا للفكرة الوطنية، وربما كانت تشجب انتماءها للوطن المستعمَر لا انتماءها لوطنها وإقليمها.

 

النظام في مراد المؤلف يأتي بمعنى الترتيب والتنسيق بين أجزاء متناثرة وربطها في وحدة فعالة وخلاقة، ومنه ترتيب الظواهر الاجتماعية المختلفة في هيكل متناسق مترابط يضمن التعايش الاجتماعي ويحقق الوئام والاستقرار.

 

وعليه ينبه المؤلف إلى أنه يجب عدم إغفال حداثة النشأة لهيكل النظام العربي الذي لم يمر على تشكيله زمن طويل، وبالتالي فهو في الحقيقة شبه نظام أو هيكل مؤسس للتعايش الاجتماعي في طور التكوين ما زال لم يكتسب الآليات والأجهزة والمؤسسات التي تسمح له بالتحكم في عملية الإشراف والتنسيق والموازنة التي تشكل روح النظام، ومن ثم يتساءل المؤلف: ما هي أزمة النظام العربي الإسلامي؟ هل هي أزمة النظرية المفقودة أم أزمة الواقع المضطرب؟

 

السلطة مركزة بشكل فادح وفاضح بين يدي السلطان -رئيسا كان أو ملكا- وما عداه مجرد تعابير شكلية أو تدابير مؤقتة قدمت كتنازلات ظرفية لمواجهة طوارئ خارقة.

 

وإجابة على ذلك يقرر أن أزمة النظام السياسي العربي هي أزمة مشروعية، أي أنه يفتقر إلى ثقة الشعب وتزكيته، وكل نظام تنقصه ثقة الشعب نظام لا مصداقية له يستند أساسا إلى العنف والقهر ويسقط في دوامة الاستبداد.

 

إن النظام السياسي كي يكتسب المصداقية ويحقق المشروعية يجب عليه تحقيق الإجماع حول الثوابت التي يرتكز عليها والتي عادة ما تدور حول ثلاثة محاور: الهوية والإقليم والأولويات وهي الجوهر المطلوب في كيان الدولة والإقليم. وبالنسبة للنظام العربي القائم فهو -وإن كان ينعم بإجماع عريض حول مسألة الهوية العربية الإسلامية- ما زال يعاني من الإرث الاستعماري فيما يتعلق بمشكل تحديد الإقليم، وما زال لم يحقق حتى الآن الاتفاق على الأولويات.

 

"
ما يحز في نفس المواطن العربي هو ذاك التباعد الشاسع الذي يعيشه بين واقعه اليومي من قهر واستبداد وبين ما يمنحه القانون من مكانة مرموقة
"
السيادة العربية

جل الدساتير العربية تنص موادها على أن السيادة ملك للشعب وتجعلها ركيزة أساسية تبني عليها نظمها القانونية، لكن ما يحز في نفس المواطن العربي -حسب المؤلف– هو ذاك التباعد الشاسع الذي يعيشه بين واقعه اليومي من قهر واستبداد وبين ما يمنحه القانون من مكانة مرموقة. لماذا هذا الخلل؟ ما القول وما الفعل؟

 

يساير الدكتور أحمد خروع ابن خلدون في تمييزه الملك عن الرئاسة التي هي عصبة صغرى في حين يسمي الملك عصبة كبرى تجتمع فيها العصبيات القبلية وتنصهر، وهو اليد القاهرة التي ليس لها يد قاهرة أخرى، "فالحاكمية" التي كثيرا ما تحدّث بشأنها الإمام أبو الأعلى المودودي –مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان- هي الوعاء الأكبر الذي يكون فيه الملك لله.

 

أما السيادة فهي المصطلح الذي يوظف لتمييز السلطة العليا المطلقة عن المقيدة، وهي في الحقيقة أمر يكشف عمق النظرية العربية الإسلامية واكتمالها، فهي كما يصفها "نظرية تحمل سلفية الطبري وواقعية المسعودي ونظرية الماوردي وتجمعهم في نسق واحد".

 

ويرى المؤلف أن عجزنا عن بناء دولة القانون والسيادة ليس راجعا كما يحلو للبعض ترويجه إلى نقص في النظرية، وإنما إلى انتفاء الهمم لدينا في الوقت الحاضر وفشل القيادات. ويقر بأن الدولة العربية حقيقة موجودة، وأن النظرية العربية الإسلامية للدولة أيضا موجودة، لكن التطبيق على أرض الواقع -أهم دعائم النظرية- يبقى غائبا.

 

إن السمة الشمولية للدولة الإسلامية وكونها دينا ودولة في آن واحد هو ما يخلط الأمور على الدارسين الغربيين ويثير مخاوفهم بدون مبرر، ويدفعهم إلى نعت الدولة الإسلامية بالدولة المناقضة لمفهوم الدولة الحديثة التي هي أولا وقبل كل شيء دولة القانون.

 

دولة القانون

يرى المؤلف أن المفهوم المطلق لفكرة دولة القانون ممزوج بالمثالية لأنها بكل بساطة تهدف إلى تحقيق الفضيلة أو المدينة الفاضلة، وهذا أمر صعب المنال.

 

وحكم القانون الذي يحقق العدل والرخاء والاستقرار والأمن هو الحكم الراشد، وهو المصطلح الذي راج مؤخرا في الأوساط الدولية وبصفة خاصة في أروقة الأمم المتحدة، وهذا الحكم نادر الوجود كندرة الخلافة الراشدة في النظام الإسلامي.

 

لأجل ذلك يجب الاكتفاء بالحد الأدنى المعقول والمقبول في تحديد مفهوم دولة القانون التي تسعى لإرساء قواعده، وتكون المشروعية الدستورية والتعددية السياسية والفصل بين السلطان وحرية التعبير أركانا لها.

 

ويلمح المؤلف إلى أن الغرب يوهم غيره في خطبه السياسية والأكاديمية بأنه حليف دولة القانون ومؤمن بها، ويسعى إلى تكريسها لأجل التعايش الاجتماعي، وهو في الحقيقة لا يولي اهتمامه في معاملاته إلا لشيء واحد، ألا وهو المصلحة المادية بما لها من معنى ضيق وأناني، إذ تلك هي القاعدة الأساسية للعبة السياسية كما نص عليها فقهاؤهم، وكما قال أحدهم وهو الزعيم تشرشل "أنا مستعد للتحالف مع الشيطان لهزم الخصم".

 

"
الغرب يوهم غيره في خطبه السياسية والأكاديمية بأنه حليف دولة القانون ومؤمن بها، ويسعى إلى تكريسها لأجل التعايش الاجتماعي، وهو في الحقيقة لا يولي اهتمامه في معاملاته إلا لشيء واحد، ألا وهو المصلحة المادية بما لها من معنى ضيق وأناني
"
إن فشل التجارب السابقة للدول العربية في إرساء دولة القانون أحدث في الصف العربي والإسلامي جرحا كبيرا لا يعرف وقت التئامه، ففي الجزائر مثلا تبنت الحركات الإسلامية المتطرفة حسب وصف المؤلف، شعار "لا ميثاق لا دستور، قال الله قال الرسول" للتعبير عن رفضها للنظام الذي لا يحتكم إلى القانون لا إلى الشرع، وهذا في حد ذاته شيء طبيعي يصدر عن المجتمعات الإسلامية كمحاولة للدفاع عن النفس والتشبث بالهوية والأصالة في مواجهة حملة التغريب، وعليه فإن التطرف السياسي والديني إنما مصدره تطرف آخر يقابله، هو تطرف السلطة.

 

ومن هنا يرى المؤلف أن الشغل الشاغل الذي يجب أن يتصدر قائمة انشغالات رجالات الفكر والسياسة والفقه وغيرهم هو الاجتهاد في توفير الأدوات الفكرية والنظرية للإجابة بفعالية ونجاعة على الإشكالات المطروحة في واقع المواطن العربي، وترشيد العقل العربي، وتبني منهجية عقلانية مستنيرة تكون هي العماد لانطلاقة جديدة نحو ترسيخ دولة القانون.

 

الدولة العربية الإسلامية الحالية التي هي في غالبها دول وطنية وضعية في هيكلها ومظهرها دينية في بعدها وبنيتها، متناقضة بين خطابها وممارساتها، فهي تطمح لأن تكون دولة الإنتاج والمردودية الرأسمالية وفي نفس الوقت تنص دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة. هي ببساطة تريد أن تظفر كما يقول المثل الشعبي "بالزبدة وثمنها".

 

إن حل المسألة يكمن في معرفة الإسلام معرفة حقيقية وتعريفه تعريفا جامعا مانعا كدين ودنيا وعقيدة وشريعة وكلمة وثقافة وديانة وحضارة، فالشمولية التي تميز بها الإسلام حقيقة تاريخية تجلت في مظاهر سياسية واجتماعية متعددة عبر التاريخ. والمطلوب منا اليوم هو التفكير في الممكن الأمثل الذي نستطيع تحقيقه والذي يتوافق مع معطيات العصر دون التخلي عن قيمنا ومبادئنا.

 

ويخلص المؤلف إلى أن الهدف من إرساء قواعد دولة القانون هو دعم ركائز الأمن والاستقرار والطمأنينة والسلم في المجتمع، مما يسمح للمواطنين بإنتاج معاشهم وإشباع حاجياتهم الدنيوية من أجل التفرغ لحمد الله على نعمه وعبادته من أجل كسب رضاه وعفوه في الآخرة.

 

ولهذا فإن الإنسان المسلم لا يكاد يفقه قول أولئك الذين بهرهم الغرب بعبقريته التكنولوجية والذين أصبحوا يعتقدون بأنه يستحيل على المسلم بلوغ ما بلغه الغرب من تطور إلا إذا وضعنا الإسلام جانبا وتخلصنا من قيوده أو سياجه الدوغماتي (المتحجر) كما ينعته المفكر الجزائري محمد أركون في كتابه "إسلام اليوم".

المصدر : غير معروف