عرض/ كامبردج بوك ريفيوز

في عصر ما قبل الفضائيات ربما كانت نشرات الأخبار في التلفزيونات المحلية العربية سبباً من أسباب حالات السكتة القلبية عند المواطنين العرب! فعندما غزا صدام حسين الكويت في أغسطس/آب 1990 تلعثمت الكثير من تلك التلفزيونات وخاصة في منطقة الخليج ولم تدر كيف تغطي الخبر. وبعضها تجاهل الأمر لعدة أيام في ارتباك واضح رغم أن كل العالم كان يتحدث عنه طوال أربع وعشرين ساعة.

 

- العنوان: مقليات الحرية.. حريات مقلية

- المؤلف: سائدة كيلاني

- عدد الصفحات: 233

- الناشر: معهد الأرشيفات العربي, عمان

- تاريخ النشر: 2004

في الأردن وخلال مرض ووفاة الملك الراحل الحسين بن طلال, تتهكم مؤلفة الكتاب سائدة كيلاني الإعلامية والباحثة الأردنية, بأنه في حين كان العالم يتابع لحظة بلحظة تطورات مرض الملك, كان التلفزيون الأردني يبث برامج وثائقية عن ألوان الطبيعة ومعناها وتأثيراتها!

 

إضافة إلى ذلك تقتبس كيلاني بعض الأرقام التي تقول إن بث التلفزيونات المحلية موزع بين تغطية أنشطة رئيس أو ملك أو أمير الدولة وبين برامج ذات صبغة دينية, وهي البرامج التي تأخذ ما نسبته 40 إلى 50% في بعض الدول وتصل إلى 60% في حالة السعودية. وتزداد البرامج الدينية في شهر رمضان لتصل إلى 80% في بعض التلفزيونات.

 

وفيما يتعلق بالأخبار فالصورة مضحكة, تقول كيلاني على سبيل المثال إن المشاهدين في أي دولة عربية هم آخر من يعرف بشأن بلدهم, لأن التلفزيون ببساطة لا يقول شيئاً. حتى لو كان البلد في خصومة أو صراع مع بلد مجاور فإن هناك تعتيماً تاماً يضرب على الأخبار المتعلقة بتلك الخصومة, أو أن كل الأخبار تتوجه لتهيل التهم والشتائم للبلد المعني.

 

ولو زار رئيس دولة "س" دولة "ص" فإن اللازمة المكررة في نشرة الأخبار ستقول التقى سمو فلان بن فلان, أو سيادة الرئيس, أو جلالة الملك, مع سمو علان, أو سيادة رئيس دولة (س) وناقشا القضايا المشتركة التي تهم البلدين, وأكدا على عمق العلاقة الأخوية المشتركة والمصالح التي تربط بين الشعبين, هذا حتى ولو تشاتما في الاجتماع وخرجا من دون أن يودع أحدهما الآخر!

 

"
الفضائيات العربية, وتحديداً الجزيرة واقعة بين سندان الحكومات العربية ومطرقة الضغط الأميركي الذي وصل به الأمر مؤخراً إلى اعتبارها شبيهة بالتنظيمات الإرهابية
"
تغيير المشهد وبروز الجزيرة

على عكس هذه الصورة الكاريكاتورية جاءت الفضائيات العربية لتقلب المشهد رأساً على عقب, فما عادت مواكب الملوك والأمراء والرؤساء تستولي على الزمن الأطول في التلفزيون, وأصبحت نشرات الأخبار تنقل أخباراً حقيقية للمرة الأولى تقريباً في تاريخ الشاشات العربية الإخبارية.

 

وعوضاً عن الرؤساء وعلية القوم أصبح المشاهدون العرب يعرفون وجوه مقدمي البرامج ومذيعي الأخبار في الفضائيات الكبرى وكأنهم جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي العربي العام.

 

وترصد كيلاني بروز قناة "الجزيرة" سنة 1996 كنقطة انعطاف مفصلية في تاريخ الإعلام العربي عامة, وليس التلفزيوني فحسب. لكن الأمر لم يتوقف عند الجزيرة إذ لحقتها مجموعة من الفضائيات مثل أبوظبي, والعربية, والمنار, وإل بي سي, والمستقبل, وغيرها.

 

تستعرض كيلاني التأثيرات المباشرة والسريعة للفضائيات العربية وتلاحظ كيف أن عشرات الملايين من المشاهدين العرب تركوا تلفزيوناتهم المحلية وأصبحوا من المداومين على الفضائيات العربية مما شكل حالة غريبة في الإعلام بشكل عام. إذ أصبح المصدر الرئيسي للإعلام العربي وحتى المتعلق بالقضايا المحلية يقع خارج إطار سيطرة الحكومات ويكسر كل التابوهات المعروفة.

 

كذلك الأمر بالنسبة للأفكار والأطروحات التي كان الحديث عنها يعتبر من الممنوعات, حيث أصبح من المعتاد متابعة برامج ساخنة تناقش قضايا لم يكن بالإمكان التعرض لها سابقاً.

 

وتتساءل الكاتبة ماذا لو كانت هذه الفضائيات متوفرة في عصر المد الناصري والقومي؟ وكيف كان سيكون دورها في مناخ سياسي وشعبي متحرك وغاضب؟ ففجأة, وفي مناخ مغلق في المنطقة, أصبحت معظم القضايا الحساسة تناقش علناً وعلى شاشة التلفزة.

 

فالمعارضات السياسية التي كانت تحارب أو يتم تجاهلها وكأنها غير موجودة أصبحت مرئية أمام الجميع وتعرض وجهات نظرها مهما كانت متطرفة وتدخل البيوت عنوة رغم إرادة السلطات.

 

وهنا فإن الاحتجاج الرسمي القادم من الحكومات العربية على ما تبثه قناة مثل الجزيرة لا ينقطع. بل إنه قد وصل في العديد من الأحيان إلى سحب السفراء وتأزم العلاقات الدبلوماسية بين قطر الدولة الراعية وبعض البلدان العربية.

 

وفوق هذا وذاك, وفي مرحلة ما بعد حرب أفغانستان تطورت احتجاجات وضغوطات إضافية على الجزيرة والإعلام الفضائي العربي  وكان مصدرها هذه المرة الغرب والولايات المتحدة تحديداً. وكانت إسرائيل قد التحقت قبل ذلك بقائمة المحتجين بزعم أن ما يبث على الهواء يؤلب العداء ضدها وهو منحاز للفلسطينيين ويصور الجيش الإسرائيلي بصورة وحشية.

 

وبهذا أصبحت الفضائيات العربية, وتحديداً الجزيرة, واقعة بين سندان الحكومات العربية ومطرقة الضغط الأميركي الذي وصل به الأمر مؤخراً إلى اعتبارها شبيهة بالتنظيمات الإرهابية.

 

شعبية الأخبار والترفيه على الفضائيات

"
عدد الذين صوتوا للمتنافسة الأردنية ديانا كرزون تجاوز مليون ونصف، وهو ما يفوق عدد الأردنيين الذين يصوتون في الانتخابات البرلمانية الدورية بالأردن
"
تلاحظ كيلاني أيضاً أن شعبية الفضائيات لا تقتصر على ما تقدمه تلك الفضائيات المتخصصة في الأخبار من تغطيات إخبارية تتعدى الأسقف المعتادة والبرامج الحوارية والنقاشات والتقارير التي تخترق الممنوعات التقليدية. بل هناك عدد كبير من الفضائيات الترفيهية استطاعت أن تجذب إليها جمهوراً غير مسبوق أيضا. ومن تلك الفضائيات إل بي سي والمستقبل (وهي إخبارية ترفيهية منوعة) وكذلك روتانا وغيرها.

 

وتذكر المؤلفة أن برنامجاً مثل سوبر ستار على قناة المستقبل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية مهمة, واستطاع أن يستولي على اهتمام ومتابعة عشرات الملايين من المشاهدين العرب بشكل مدهش.

 

والطريف والغريب في الأمر أن البرنامج الذي يقوم على تنافس بين مواهب غنائية شابة من البلدان العربية والتصويت بالهاتف من قبل الجمهور لتفضيل متنافس على آخر تمكن من دفع الناس إلى التفاعل معه والتصويت بالهاتف وحتى الخروج للتظاهر والاحتجاج بخلاف العديد من البرامج السياسية الحوارية الساخنة التي لا يبلغ حجم متابعيها أو المتفاعلين معها هاتفياً أو عبر الإنترنت إلا جزءاً بسيطاً من المتابعين أو المتفاعلين مع البرامج الترفيهية.

 

وتقول كيلاني إن عدد الذين صوتوا للمتنافسة الأردنية ديانا كرزون تجاوز مليون ونصف وهو ما يفوق عدد الأردنيين الذين يصوتون في الانتخابات البرلمانية الدورية بالأردن.

 

الجانب السلبي من البث الفضائي

لكن الصورة العامة لما تبثه هذه الفضائيات, وكما تشير كيلاني, ليست زاهية كليا. وهي تعدد جملة مما تراه سلبيات تلحق بالأداء الإعلامي لهذه الفضائيات، ومن ذلك سيطرة رأس المال المحافظ عليها بما يؤثر في مضمون البث والمادة الإعلامية, وقلة الاهتمام بمسائل حقوق الإنسان والمرأة والقضايا الاجتماعية بشكل عام, وانحياز مقدمي البرامج لوجهات النظر المحافظة على حساب وجهات النظر الليبرالية, ثم ضعف تغطية الدول العربية في شمال أفريقيا والدول المسلمة غير العربية.

 

مقابل ذلك تقول المؤلفة إن المبالغة والتضخيم في تغطية الأخبار السياسية يعطي انطباعات مغلوطة وأحياناً معاكسة تماماً للواقع, فمثلاً عند تغطية بعض الأخبار الفلسطينية يظن المشاهد "أن فلسطين سوف تغزو إسرائيل" أو "أن أفغانستان سوف تهزم الولايات المتحدة" أو "أن العراقيين سوف يحطمون الجيش الأميركي في أم المعارك"!

 

"
ما تريده الولايات المتحدة من الجزيرة وغيرها هو أن تكون مثل فوكس نيوز الأميركية المتحاملة والمؤيدة بلا تردد لتيار المحافظين الجدد والإدارة الأميركية وكل ما تقوم به
"
أميركا والفضائيات العربية

ترصد المؤلفة كيف تطور الموقف الأميركي إزاء الفضائيات العربية من مرحلة الترحيب والتأييد في حقبة ما قبل حرب أفغانستان, إلى مرحلة النقد والاتهام بل وحتى القصف العسكري للمكاتب (كما حدث في كابل وبغداد).

 

ورغم أن القنوات العربية خاصة في أوقات الحرب تحرص على منح وجهة النظر الأميركية مساحة واسعة جداً, عن طريق نقل المؤتمرات الصحفية للناطقين الرسميين, أو الخطب والتصريحات الرسمية للقادة, فإن النقد الأميركي حاد وغاضب على الفضائيات العربية وخاصة الجزيرة التي لم يشفع لها أنها وفرت منبراً متوازناً لوجهة النظر الأميركية والعراقية قبل وخلال الحرب؛ لأن ما تريده الولايات المتحدة من الجزيرة وغيرها هو أن تكون مثل فوكس نيوز الأميركية المتحاملة والمؤيدة بلا تردد لتيار المحافظين الجدد والإدارة الأميركية وكل ما تقوم به.

 

وبسبب تفاقم النقمة في واشنطن على الفضائيات العربية فقد قررت الإدارة الأميركية إنشاء أبواق إعلامية أميركية ناطقة بالعربية تباشر مهمة مخاطبة المشاهدين العرب وذلك بهدف "دحض التشويه الإعلامي الذي تقوم به الفضائيات العربية". ولهذا الغرض أنشأت راديو "سوا" وتلفزيون "الحرة", وكلاهما فشل في تحقيق الهدف المرجو.

 

وتتهكم الكاتبة وتقول إن المستمعين الشباب في البلدان العربية ممن يتابعون راديو "سوا" يستمتعون بما تبثه الإذاعة من أغنيات شبابية حديثة, لكن في حال توقف تلك الأغنيات وحلول موعد النشرة الإخبارية فإن الكل يدير المؤشر إلى إذاعة أخرى!

 

بين مقليات الحرية والحريات المقلية!

ما تريده الولايات المتحدة إعلاميا إذن, وكما يُفهم من الكتاب, هو حرية إعلامية على المقاس الأميركي. وإذا لم تتغير الوسائل الإعلامية لتتسق مع تلك الرغبة فإن الضغط الأميركي سيتواصل عليها.

 

"
نوع الحرية الإعلامية الذي تريده واشنطن للإعلام العربي هو حرية مقلية حسب المذاق الأميركي ليس إلا
"
وتنقل لنا الكتابة بتهكم كيف غير الكونغرس الأميركي اسم شرائح البطاطا المقلية من "فرنش فرايز" (French Fries) التي هي تسمية اصطلاحية ترجمتها الحرفية "مقليات فرنسية" وهي مشهورة في عالم الوجبات السريعة, إلى "فريدم فرايز" (Freedom Fries), ويعني ذلك "مقليات الحرية". وسبب تغيير التسمية هو أن فرنسا لم تغير موقفها من الحرب على العراق.

 

وعلى المنوال نفسه فإن نوع الحرية الإعلامية الذي تريده واشنطن للإعلام العربي هو حرية مقلية حسب المذاق الأميركي ليس إلا. ومن دون أن يخضع العالم بما فيه الإعلام العربي لما تريده واشنطن فإن مقليات الحرية المعروضة عليه سوف تتحول إلى حريات مقلية ومسلوقة ومفروضة!

المصدر : غير معروف