عرض/ مركز الزيتونة للدراسات
الكتاب الذي بين أيدينا هو خلاصة رؤية 16 من أبرز الأساتذة المتخصصين في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية لقانون العودة الإسرائيلي -الصادر يوم 5 يوليو/تموز 1950- وأهدافه، ومراحل تطوره، وتأثيره على الصراع الدائر في فلسطين.

 








 

- اسم

- الكتاب: قانون العودة الإسرائيلي وأثره على الصراع في فلسطين
- تحرير:  د. داود عبد الله
-عدد الصفحات: 343
- الطبعة: الأولى 2004

-الناشر: مركز العودة الفلسطيني، لندن

ولكن ما نخشاه عادة من قراءة الكتب التي يتعدد مؤلفوها هو تفاوت المستويات وعدم ترابط المواضيع والفصول، غير أن هذا الكتاب نجح في تجاوز هذه المشكلة، وتمكن من تقديم طرح شامل عميق متكامل للموضوع. وقد بدا واضحاً ذلك الجهد الذي قام به محرر الكتاب في هذا المجال.

 

ولعل هذا الكتاب من أبرز الكتب –إن لم يكن أهمها- التي ناقشت هذه القضية المركزية في المشروع الصهيوني بشكل علمي جاد يعكس وجهة النظر الفلسطينية العربية، وبطريقة تتجاوز الطروحات العاطفية الإنشائية.

 

كان من الواضح أن مصدري الكتاب اهتموا بمخاطبة العقل الغربي من خلال إصداره بالإنجليزية، وهو ثمرة أعمال مؤتمر مركز العودة الفلسطيني الذي انعقد في العاصمة البريطانية لندن في أبريل/نيسان 2002.

 

والكتاب يتوزع على أربعة فصول يقع أولها تحت عنوان "من الماضي"، وفيه يراجع كل من عبد الوهاب المسيري، ومصطفى أبو صوي، وداود عبد الله، ومجدي حماد الظروف التاريخية التي تطور فيها هذا القانون من زوايا مختلفة. أما الفصل الثاني فهو بعنوان "جمع الشتات"، وفيه يتم الكشف عن آليات تنفيذ الهجرة اليهودية، وهو محور اشترك في البحث فيه كل من أسعد عبد الرحمن، وسلمان أبو ستة، ونصير عاروري، ومايكل بريور.

 

الفصل الثالث يقع تحت عنوان "بناء الدولة الإثنية"، وفيه يشارك كل من جعفر الهادي حسن، وراسم الخمايسي، ومحمد أبو الهيجا، وهو محور يركز على تأثير قانون العودة الإسرائيلي واتخاذه ذريعة لتأسيس الدولة الإثنية اليهودية الصرفة. أما الفصل الرابع فيقع تحت عنوان "القضايا القانونية والمستقبل"، وفيه يشارك كل من شفيق المصري، ومنير شفيق، وحسين شعبان، وسهيل الناطور، وجورج جبور.

 

من الماضي

"
قانون الترانسفير هو القانون الذي يشتمل على الهدف الأساسي لبناء دولة إسرائيل، بل هو الحجر الأساس للمشروع الصهيوني وهو تحويل إسرائيل من دولة لمواطنين إلى عالم مفترض لليهود
"
عبد الوهاب المسيري
في هذا الفصل يحاول الدكتور عبد الوهاب المسيري بداية أن يحلل قانون العودة الإسرائيلي من خلال تفريغه من مضمونه القانوني وإخضاعه لمقاييس تاريخية اجتماعية أوسع وأبعد من الفضاء القانوني. وفي سبيل ذلك يبدأ الدكتور المسيري بالتأكيد على أن الصهيونية ليست عقيدة دينية، ولكنها أيدولوجيا سياسية استمدت حياتها من جذور أوروبية عميقة ومعقدة، واشتملت على مدارس عدة منها العام ومنها الاشتراكي ومنها الديني ومنها العمالي، وغيرها.

 

بعد ذلك يحلل المسيري المزاعم الصهيونية الدينية التي تبرر احتلال فلسطين وإقرار وتنفيذ قانون مثل قانون العودة، وذلك من خلال الغوص في المزاعم الدينية التي تم استغلالها لتغطية المشروع الاستيطاني الصهيوني، ومنها أن فلسطين أرض الميعاد، وأن الشعب اليهودي هو شعب الله المختار الذي طالما تاق إلى العودة إلى الأرض التي وعده الله بها، إلى مقولة أن اليهود هم عرق متميز، وليس انتهاء بفكرة جمع اليهود تحضيراً لظهور المسيح المخلص.

 

ثم يخلص المسيري إلى القول إن قانون الترانسفير هو القانون الذي يشتمل على الهدف الأساسي من بناء دولة إسرائيل، بل هو الحجر الأساس للمشروع الصهيوني، وهو تحويل اسرائيل من دولة لمواطنين إلى عالم مفترض لليهود لطالما كانوا يعيشون في شوق إلى العودة إليه حسب المزاعم الصهيونية، وهو يعني من ناحية أخرى حرمان الفلسطينيين من حق العودة إلى أرضهم وديارهم. ويضيف في نهاية ورقته أن نظام الفصل العنصري الذي يعتمد على مثل هذا القانون هو الذي أدى إلى عزل فلسطين عن المنطقة وإشعال فتيل الصراع فيها.

 

أما الأستاذ مصطفى أبو صوي فقد حلل قضية العودة والخلاص من خلال مراجعة نقدية لمقالة كتبها شلومو غوبرمن، وهو مدّعٍ عام إسرائيلي متقاعد، حيث وضع أبو صوي في ورقته أسس فهم المعاني الدينية لهجرة اليهود، حيث يقول إنه مما لا شك فيه أنه من الصعب جداً على الصهيونية أن تنظر إلى الأرض المقدسة غير تلك النظرة التي يرون أن لهم فيها حقاً حصرياً. ويضيف أن التحدي الذي يواجه اللاهوت اليهودي يكمن في كيفية شرح عقيدة الخلاص اليهودي التي من أجلها يسوّغون احتلال أرض شعب آخر، وإعاقة كل مسارات العدالة والقانون.

 

وقدم الدكتور داود عبد الله دراسة تحت عنوان "قانون العودة الإسرائيلي.. تقييم لجذوره ودوافعه التاريخية"، وهي عبارة عن مراجعة مفصلة لجذور القانون وتطوره عالج فيها عدة عناوين أهمها: وضع اليهود في أوروبا قبل قيام الحركة الصهيونية، هرتزل ومؤتمر بازل، قضية الهجرة وطرد السكان الأصليين من فلسطين، كما تحدث عن موقف المجتمع الدولي من قانون العودة الفلسطيني، ليخلص إلى القول إنه لا يمكن إثبات ادعاءات اليهود بأرض فلسطين.

 

أما الدكتور مجدي حماد فقدم دراسة مقارنة حول التشابه بين الكيان الصهيوني في فلسطين وبين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث رأى أن المشكلتين لهما جذور تاريخية اجتماعية مشتركة، فالنظامان لهما ارتباط وثيق بالتركيبة الاجتماعية والمصالح السياسية الاقتصادية للدول الغربية التي أمدتهما بكل وسائل القوة، الأمر الذي استمر في الحالة الإسرائيلية بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

 

جمع الشتات

"
ما ورد في الإنجيل من نص حول الأرض وإعادة استعمارها كان له دور أساسي في الأنشطة الاستعمارية، وهذا تماماً ما يربط النصارى بشكل كامل بادعاءات الصهاينة في أرض فلسطين
"
مايكل بريور
تحت هذا العنوان يقع الفصل الثاني من الكتاب، وفيه شارك أسعد عبد الرحمن بدراسة عنوانها "دور الوكالة الصهيونية والمنظمة اليهودية العالمية في تطبيق قانون العودة"، وفيها أوضح دور المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين قبل إقرار قانون العودة.

 

ورأى عبد الرحمن أن هجرة اليهود إلى فلسطين كانت من الناحية العملية أمراً مستمراً طوال أكثر من خمسة عقود سبقت إقرار قانون العودة الإسرائيلي.

 

الأستاذ سلمان أبو ستة قدم بدوره دراسة بعنوان "قانون العودة الإسرائيلي والولاء المزدوج" أوضح فيها وضع المجتمعات اليهودية خارج إسرائيل، وحلل عمليات طرد السكان الفلسطينيين من أرضهم وإحلال الصهاينة مكانهم، واصفاً العملية بأنها تطهير عرقي، كما تطرق إلى الزحف الاستيطاني الصهيوني على الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها. ثم حلل بعدها التناقض بين طلب إسرائيل من المجتمعات اليهودية التي تعيش خارجها عقد لواء الولاء لها، وبين واجبات تلك المجتمعات تجاه بلدانهم الأم التي يعيشون فيها.

 

وتحت عنوان "الإنجيل وإعادة استعمار أو إسكان فلسطين.. وجهات نظر الصهيونية المسيحية والكنائس الأخرى"، قدم مايكل بريور دراسة قال فيها إن الإنجيل استخدم لإلهام الناس بالقيام بأكثر الأعمال بربرية، ورأى أن ما ورد فيه من نصّ حول الأرض وإعادة استعمارها كان له دور أساسي في الأنشطة الاستعمارية، وهذا تماماً ما يربط النصارى بشكل كامل بادعاءات الصهاينة في أرض فلسطين.

 

"المجتمع اليهودي الأميركي وإسرائيل.. عودة أم مؤسسة أعمال خيرية؟" كان عنوان دراسة الأستاذ د. نصير عاروري الذي راجع تطور العلاقة بين الكيان الصهيوني والمجتمع اليهودي في الولايات المتحدة والذي تحول من مجتمع صغير غير ذي أهمية يحاول إيجاد مكان ما لنفسه وغير مبال كثيراً بتطلعات الحركة الصهيونية، إلى مجتمع ملتزم التزاماً كاملاً بإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، مع حرصه على استقلاليته عن تلك الدولة.

 

بناء الدولة العرقية
الفصل الثالث من الكتاب يركز بشكل كامل على أثر قانون العودة على دولة إسرائيل وكونه الدافع الأساسي نحو جعلها دولة عرقية صرفة، وفيه قدم الأستاذ جعفر هادي حسن دراسة عمل تحدث فيها عن الأوضاع السيئة لمن يعتبرون "غير يهود" وفقاً لتصنيف كبير الحاخامات في إسرائيل الذي يتمتع بحق تقرير من هو اليهودي. وناقش وضع اليهود غير الأرثوذوكس في إسرائيل، والمشاكل التي يواجهونها في "الدولة اليهودية".

 

أما الدراسة التي قدمها راسم خمايسي تحت عنوان "التوزيع الديمغرافي والجغرافي للمهاجرين اليهود في فلسطين" فتتحدث عن النتائج الجغرافية والديمغرافية لقانون العودة الإسرائيلي، وخاصة فيما يتعلق بثرواتهم، والإحصاءات المتعلقة بأعداد المهاجرين وخصائص توزيعهم الجغرافي والديمغرافي.

 

وقدم الأستاذ محمد أبو الهيجا دراسة بعنوان "قانون العودة وأثره على القرى غير المعترف بها.. حالة من التهجير والصراع من أجل الأرض"، رأى فيها أنه من العبث الحديث عن المساواة بين العرب والصهاينة في ضوء قانون العودة، فمن وجهة نظره يجب إلغاء مثل هذا القانون وغيره من القوانين المماثلة في ضوء غياب قوانين الملكية والجنسية.

 

القضايا القانونية والمستقبل

"
المشكلة لا تنبع فقط من الهجرة العرقية لليهود أو من القوانين التي تسمح لهم بأن يصبحوا مواطنين بمجرد دخولهم فلسطين المحتلة، وإنما تنبع أيضا من وجود دولة إسرائيل أساسا
"
منير شفيق
أما في الفصل الرابع فقدم فيه الأستاذ شفيق المصري دراسة بعنوان "قانون العودة الإسرائيلي والقانون الدولي" تحدث في بدايتها عن مخططات هرتزل بضرورة طرد السكان الأصليين بطريقة حذرة وسرية، ليؤكد بعدها المصري أن الاستعمار البريطاني الذي وعد اليهود بوطن قومي في فلسطين، راعى في نصه ضرورة احترام الحريات الدينية والمدنية للسكان الأصليين أو غير اليهود، إلاّ أن الصهاينة لم يعملوا بهذا البند بل حرصوا على طرد السكان الأصليين.

 

ويخلص إلى القول إن هذا القانون هو أداة فعالة في استيراد المواطنين من بلد هجر منه سكانه الأصليون، وقد أعطى هذا القانون الصهاينة حقين في نفس الوقت: حق استيراد المواطنين وحق طرد السكان. ويضيف المصري أن الصهاينة ما زالوا مهووسين بقضية التوازن الديمغرافي بين الفلسطينيين واليهود، ولذلك فإنهم استنادا إلى هذا القانون سيقومون من جهة بتنظيم عمليات هجرة يهودية من جهة، وبمحاولة طرد البقية الباقية من الفلسطينيين في إسرائيل.

 

الدراسة الثانية قدمها الأستاذ منير شفيق تحت عنوان "أهمية عودة الفلسطينيين والهجرة الإسرائيلية في الصراع العربي الصهيوني"، وفيها يرى أن حل الصراع العربي الصهيوني لا يكمن في التنديد بالتمييز العرقي الذي يتضمنه قانون العودة، إذ إن الصراع ليس مبنياً على من يملك حق العودة والاستقرار في فلسطين، بل إن أساس الصراع أن فلسطين للفلسطينيين وأن لهم الحق في تقرير مصيرهم فيها.

 

ويضيف شفيق أن المشكلة لا تنبع فقط من الهجرة العرقية لليهود أو من القوانين التي تسمح لهم بأن يصبحوا مواطنين بمجرد دخولهم فلسطين المحتلة، وإنما تنبع أيضا من وجود دولة إسرائيل من أصلها، وهي التي تفتقد إلى الشرعية، تماماً كما أن وجود اليهود في فلسطين غير شرعي.

 

وفي دراسته بعنوان "حق العودة الإسرائيلي في ضوء القانون الدولي" يرى الأستاذ حسين شعبان أنه قبل تحقيق أي تقدم في إيجاد حل عادل وشامل للصراع، فإن على المؤسسات الدولية أن تحصل من إسرائيل على اعتراف واضح لا لبس فيه بالقرار 194 فيما يتعلق بحق الفلسطينيين في العودة.

 

"
تعتمد دولة إسرائيل بشكل كلي على التطور الديمغرافي للصهاينة في أرض فلسطين، ما يعني أن الكيان في خطر لأن التطور الديمغرافي السريع المطلوب ليس متوفراً حالياً، كما أن أرض فلسطين لم تعد ملاذا بالنسبة لليهود
"
جورج جبور
ويضيف الأستاذ شعبان أن إعاقة عودة الفلسطينيين إلى أرضهم جعلت قانون العودة الإسرائيلي قانوناً قائماً على التمييز إذ يفضل مجموعة من الناس على أخرى، وإذا لم يتم إيجاد آلية للقضاء على هذا التمييز فإن أي حل عادل للصراع مع الصهاينة سيبقى مجرد مراوغة.

 

الأستاذ سهيل الناطور قدم في هذا الفصل دراسة بعنوان "ردة الفعل العربية والفلسطينية على قانون العودة الإسرائيلي"، وفيها حلل كيفية تعامل الأدبيات العربية والفلسطينية مع قانون العودة ليصل إلى أن هذه الكتابات محدودة جداً تعالج وجوهاً مختلفة من القانون. فقد حاول بعضها إيجاد الرابط بين الصهيونية وجهود تجميع اليهود في فلسطين، وتحدث بعض آخر عن التمييز الذي حصل ضد الفلسطينيين على ضوء هذا القانون، في حين تناول بعض ثالث موضوع عدم شرعية وجود الكيان الصهيوني وهجرة اليهود إليه. إلا أن هذه الدراسات لم تتم مراجعتها من قبل محامين وخبراء من أهل الاختصاص، ما انعكس جهلاً بين عامة الناس عن طبيعة مجتمع المحتل الصهيوني.

 

وفي الدراسة الأخيرة من هذا الفصل والتي جاءت بعنوان "مستقبل إسرائيل على ضوء قواعد علم الاستيطان والاستعمار"، رأى فيها جورج جبور أن هذا العلم يعطي أفضل التفسيرات ويوفر الأفق الذي يمكن من خلاله تصور مستقبل مبني على تطبيق شرعة حقوق الإنسان العالمية.

 

ويرى أن دولة إسرائيل تعتمد بشكل كلي على التطور الديمغرافي للصهاينة في أرض فلسطين، ما يعني أن الكيان في خطر لأن التطور الديمغرافي السريع المطلوب ليس متوفراً حالياً. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن أرض فلسطين التي كان ينظر إليها بداية على أنها ملاذ لليهود لم تعد كذلك بالنسبة إليهم. ودعا جبور في نهاية دراسته إلى إقامة مراكز دراسات ترصد مستقبل الكيان الصهيوني.


خلاصة
نجح الكتاب إلى حد كبير في إبراز أن قانون العودة الإسرائيلي "تقنين للظلم"، وأنه أحد المحاور الرئيسية الجائرة التي تشكل على أساسها الكيان الإسرائيلي.

 

كما نجح في تفنيد المزاعم الصهيونية بأن فلسطين هي أرض الميعاد بالنسبة للشعب اليهودي، وأكد أن ما حصل من طرد للفلسطينيين هو عملية خارجة عن كل المبادئ والشرائع والقوانين الدولية، وأن ضمان حق الفلسطينيين في أرضهم كفلته كل المواثيق وشرائع حقوق الإنسان واتفاقية جنيف، كما أن النضال الفلسطيني من أجل استرداد الحقوق والعودة إلى أرض الوطن أمر تضمنه الشرائع والمواثيق الدولية.

المصدر : غير معروف