عرض/ حسن السرات

هذا كتاب جاء على قدر من الله. جاء والناس يتجادلون في الزلزال المدمر الذي أصاب العالم عامة، وآسيا خاصة، ثم انتقلت آثاره من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب لتكشف عن أقنعة ووجوه وعقائد وأفكار، وتظهر اندماج العقيدة في السياسة، ثم ذهاب السياسة وبقاء العقيدة، ولتبين أيضا أن العالم وطن كبير، وأن الوطن عالم صغير، إذ يتدافع المتدافعون في كل بلد وقارة، فمنهم من ينظر إلى الأحداث على أنها آيات، ومنهم من ينظر إليها على أنها مجرد ظواهر صماء.

 

- العنوان: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري

- المؤلف: د. طه عبد الرحمن

- عدد الصفحات: 320

- الطبعة الأولى: 2005

- الناشر: المركز العربي الثقافي، الدار البيضاء، المغرب

وفي غمرة التدافع تنصب المحاكم السريعة، كأننا في ثكنات عسكرية للرايخ النازي أو الكرملين الستاليني، فلا نقاش يفتح، ولا حجج تقدم، ولا سجال يستمر، وإنما هي أوامر حازمة بضرورة الاعتذار عن القيل والقال والرأي والرأي الآخر. ويا أسفا على محنة فكر الهداية، ويا بؤس فكر المقصلة والوصاية.

 

وفي هذا السياق يأتي كتاب الدكتور طه عبد الرحمن "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" بعد كتابيه "سؤال الأخلاق" و"الحق العربي في الاختلاف الفلسفي" كجزء من الشهادة الفلسفية للدكتور طه عبد الرحمن على هذا العالم، ليثبت أن العالم وطن واحد مهما حاولت بعض الأمم التسلط وفرض نفسها مثالا للعالم، وليثبت أيضا أن القيم والأخلاق الإسلامية هي وحدها التي يمكن أن تنظم العالم وتضع المعايير لجميع الأمم بحيث لا يطغى بعضها على بعض ولا يفرض بعضها ثقافته على بعض.

 

أسئلة هذا الزمان وأجوبة هذه الأمة
"الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" آخر كتب هذا المفكر عمل لا ينحصر في قضايا الواقع، وإنما يشتغل على كل قضايا العقل، سواء تعلقت بما هو كائن أو بما ينبغي أن يكون، ولذلك حق له أن يجيب بالإثبات عن السؤال الملح الذي وضعه فيقول إن للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن
أسئلة زمانها.

 

ومن ثم استقر عزمه على الاستغناء عن ذكر التفاصيل بإبراز الروح التي تميز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى، ولو كانت أشد بأسا منها، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق، ولو كانوا من بني جلدتها.

 

الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تتجلى -حسب الدكتور طه عبد الرحمن- في حقيقتين اثنتين، إحداهما الإيمان الذي يتوصل إليه بالنظر الملكوتي في الآيات.

 

والثانية هي التخلق، ويتوصل إليه بالتعامل مع مختلف الأشخاص والأمم، أي بالعمل التعارفي بوصفه مؤسسا للعمل التعاوني.

 

وقبل أن يجيب فيلسوفنا عن سؤال كيف تجتمع الخصوصية الإسلامية مع الكونية؟ فرق في القول بالكونية بين "مبدأ الكونية" و"واقع الكونية" لينشطر السؤال بهذا التفريق إلى فرعين، أولهما كيف نجمع بين الخصوصية الإسلامية ومبدأ الكونية؟ وبالتالي كيف نجمع بين الخصوصية الإسلامية وواقع الكونية؟.

 

وبأسلوبه المنطقي ومنهجه المناظراتي يبطل طه عبد الرحمن التضاد بين الخصوصية والكونية، لتكون الخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية جامعة لا مفرقة.

 

"
الأمة المسلمة لا تجيز لنفسها الاستبداد بالجواب عن أسئلة هذا الزمان ولو أنها أولى بها من غيرها بحكم الخاتمية والشهادة على العالم، وعلى العكس من ذلك استبدت أمة الغرب بالجواب
"
ويؤكد طه عبد الرحمن أن الأمة المسلمة لا تجيز لنفسها الاستبداد بالجواب عن أسئلة هذا الزمان ولو أنها أولى بها من غيرها بحكم الخاتمية والشهادة على العالم، وعلى العكس من ذلك استبدت "أمة الغرب" بالجواب، وقطعت الطريق على غيرها بحكم قوتها وطغيانها.

 

وأمام هذا الواقع الظالم بات مشروعا أن تتصدى الأمم الأخرى لهذه الكونية القاهرة، وبات لزاما على الأمة المسلمة أن تكون في طليعة المقاومين المتصدين، إذ يقع عليها أكثر من غيرها واجب تغيير المنكرات فيه، وأشد هذه المنكرات "العنف الفكري"، وذلك بالكشف عن المفاسد الإيمانية والمفاسد الأخلاقية، أي النهوض بكل من "النقد الإيماني" و"النقد الأخلاقي".

 

مصدر العنف

قل لي بأي طريقة تنظر إلى الكون وآياته، أقل لك هل أنت مصدر للعنف أم مصدر للسلم والتسامح. هذه القاعدة استنتاج لما ذهب إليه الدكتور طه عبد الرحمن في بداية الباب الأول من "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري" وهو يشرع في النقد الإيماني للواقع الكوني، نقد يكشف أن "العنف الذي يصدر عن الواقع الكوني في مجال الإيمان يتمثل في كونه يسلك في التعامل مع الآيات والقيم تعسفا وتصنعا ما دامت الآيات لا تعدو كونها الظواهر عينها وقد تلبست بها القيم، والظواهر إنما هي الآيات وقد انتزعت منها القيم.

 

ويتمثل السلوك ثانيا في حصر القيم في نطاق الثقافة لقطع طريق الوصول إلى الإيمان، ولتجرد بواسطة العقل وتخزن في الذاكرة، ومعلوم أن حصول الإيمان إنما يكون بالقيم المشهودة لا بالقيم الموهومة.

 

النقد الإيماني للعنف الذي يمارسه الواقع الكوني في مجال الآيات، يشتغل الدكتور طه بالكشف عن مظاهر انتقاله إلى النظر الملكي وتعقب آثاره، كما يبين عناصر الجواب الإسلامي عن هذه المظاهر والآثار في مستويات ثلاثة هي، مستوى اختلاف القيم حيث أوضح كيف أن دفع الصدام القيمي يمكن تحقيقه متى توسلنا بالنظر الملكوتي الذي يربط القيم بمجالها الأصلي -أي الآيات- هذا الربط الذي ينتج منه وصل العقل بالإيمان، ووصل الثقافة بالفطرة ووصل السياسة بالخير.

 

والمستوى الثاني، مستوى القيم الإسلامية الموصولة بالآيات الحية في القلوب، التي يريد الواقع الكوني في طوره الأميركي وكذلك في طوره الأوروبي تدميرها، تدميرا تجلى في مفاسد أربع تحرم هذه الأمة من حقها في الاختلاف الثقافي والفكري، إحداها "الاستتباع الثقافي" والثانية "التخريب الثقافي" والثالثة "التنميط الثقافي" والرابعة "التلبيس الأخلاقي".

 

ولدفع هذه المفاسد تحتاج الأمة إلى الاشتغال بتثقيف الواقع الكوني على مقتضى العقل الملكي المؤسس على العقل الملكوتي بقدر ما تحتاج إلى أن تجدد تثقيف نفسها.

 

ويمكنها أن تدفع المفاسد الأربع المذكورة سابقا بمجموعة من القيم المقابلة اثنتان تدفعان عنها الاستتباع وهما "التحرر الثقافي" و"التكافؤ الثقافي"، واثنتان تدفعان عنها التخريب، وهما "التظلم الثقافي" و"الإعداد الثقافي"، واثنتان تدفعان عنها التنميط، وهما "التعارف الثقافي" و"التكامل الثقافي"، واثنتان تدفعان عنها التلبيس وهما "تخليق الثقافة" و"تديين الثقافة".

 

أما المستوى الثالث وهو تفضيل القيم الأميركية، فقد حمل فيه الدكتور طه عبد الرحمن حملة فلسفية منطقية على نخبة المثقفين الأميركيين التي تولت التأسيس للأفضلية الأميركية في بيانها الذي أصدرته عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الذي كان الغرض منه الاستدلال الأخلاقي على وجوب محاربة "الإرهابيين".

 

وهذا البيان انبنى على "مبدأ التساوي في الكرامة" و"مبدأ دور الحكومة" و"مبدأ طلب الحقيقة" و"مبدأ الاختيار الديني" و"مبدأ القتل الديني"، وهي مبادئ برهن طه على أنها ليست مبادئ كونية غير نسبية ولا هي مبادئ متسقة غير متناقضة، بحيث ينبغي أن يضاف إليها مسلمات أخرى تضاد ثلاثا منها، وهي "مبدأ التفاوت في الحقوق" و"مبدأ الاستبداد بالرأي" و"مبدأ الاستهتار بالدين".

 

"
فرض القيم والمبادئ على الأمم الأخرى إنما هو عنف صريح يمارسه المثقفون الأميركيون عليها فضلا عن الحكام الذين سخروهم في هذا العنف الفكري
"
كما أوضح طه كيف أن أهم مسلمة مقررة، وهي المسلمة الخامسة، أي مبدأ القتل الديني، تنبني على مغالطة كبرى وهي "مغالطة إنسان القش" تندرج تحتها مغالطات فرعية أخرى وهي "مغالطة الالتباس" و"مغالطة الإتيان بالمثل" و"مغالطة التأثيل" و"مغالطة الابتذال" و"مغالطة المرافعة الخاصة".

 

وأظهر طه أن أصحاب البيان الأميركي لم يقعوا في التهافت الملكي فقط، بل وقعوا أيضا في الانفصال الملكوتي الذي تجلى في إقرارهم بالتسيب الديني وتأرجحهم بين تصرفات ثلاثة أحدها "سوء النظر الملكوتي" أي أن يروا الآيات بغير ما ينبغي أن ترى، والثاني "تصنع النظر الملكوتي" وهو أن يتكلفوا رؤية الآيات حيث لا ترى، وأخيرا "فقد النظر الملكوتي"، أي أن يروا الآيات حيث ينبغي أن ترى.

 

وهكذا نصل مع طه إلى أن فرض القيم والمبادئ على الأمم الأخرى إنما هو عنف صريح يمارسه المثقفون الأميركيون عليها، فضلا عن الحكام الذين سخروهم في هذا العنف الفكري.

 

الواقع الكوني والنقد الأخلاقي

لا يقصد الدكتور طه عبد الرحمن بالنقد الأخلاقي محاكمة الأمة أو الأمم التي تندفع في فرض الواقع، وإنما يقصد تقويم قدرتها على العمل الثقافي، كما جاء في مقدمة الباب الثاني "الواقع الكوني والنقد الأخلاقي".

 

وهذا النقد الأخلاقي الذي قام به طه يكشف "أن العنف الذي يصدر عنه في مجال الأخلاق يتمثل في كونه يسلك في التعامل مع الأمم طريق العمل التعاوني، لا طريق العمل التعارفي المطلوب في هذا التعامل".

 

وهنا يتولى الفيلسوف المغربي الكشف عن  ثلاثة من أشكال الوقاحة والتصلب الذي يصيب أخلاق الأمة، الوقاحة الأولى هي "وقاحة الاستعلاء" والثانية هي "وقاحة الإنكار" والثالثة "وقاحة الاجتثاث".

 

الوقاحة الأولى لا تنضبط إلا بمبادئ الأخلاقية مثل "مبدأ الاحترام" و"مبدأ الاعتراف" و"مبدأ التصويب". ولأن العمل التعاوني الحالي حد من الفائدة العملية لهذه المبادئ لم يبق سوى اللجوء لمبدأ إسلامي يرتقي بالتعامل بين المجتمعات إلى رتبة العمل التعارفي العليا وهذا المبدأ هو بالذات "مبدأ الحياء" الذي يوجب على الأمة الاستحياء من غيرها بقدر ما يوجب الاستحياء من خالقها، فضلا عن الاستحياء من الذات فيما لا يرضيه.

 

الوقاحة الثانية أي وقاحة الإنكار تتجلى في الفكر الازدواجي المعيار، حال الفكر الأميركي الذي يقسم العالم إلى محور خير هو المحور الأميركي ومحور شر هو الآخر. وهذه الوقاحة لا يدفعها إلا مبدأ إسلامي ثان يرتقي بالتعامل بين الأمم إلى رتبة العمل التعارفي الصحيح وهو "مبدأ الجهاد الأخلاقي" القاضي "بضرورة التداخل بين الذات والآخر كما يورث الأمة التي تأخذ به جهادية أخلاقية صريحة، ومقتضاها أن الأمة ينبغي أن تخلص في كل فعل تأتيه، وتحسن في كل وقت، وتبذل النفس عند الضرورة، منزلة في كل هذه الأعمال غيرها من الأمم منزلته".

 

"
ثلاثة من أشكال الوقاحة والتصلب تصيب أخلاق الأمة، الوقاحة الأولى هي وقاحة الاستعلاء والثانية هي وقاحة الإنكار والثالثة وقاحة الاجتثاث
"

أما الوقاحة الثالثة فهي "وقاحة الاجتثاث" المتجلية في الفكر الأحادي، ولا سبيل إلى دفعها إلا "بالرجوع إلى مبدأ إسلامي ثالث هو "مبدأ الحكمة". "ويقضي هذا المبدأ -والقول لطه- بأن الفكر الإعلامي لا يطيق التخلص من آفاته التي تنحط بعقل الإنسان إلا إذا قام بمقتضى التفكير، وهو تأسيس النظر الملكي على النظر الملكوتي، ويقضي أيضا بأن الفكر الاقتصادي الأحادي (الأناني) لا يقدر على صرف آفاته التي تنحط بسلوك الإنسان إلا إذا وفى بمقتضى التفكر، وهو تأسيس العمل التعاوني على العمل التعارفي، ويقضي أخيرا بأن الفكر المعلوماتي الأحدي لا يتمكن من دفع آفاته التي تنحط بالإنسان في كليته، عقلا وسلوكا، إلا إذا أوفى بمقتضى التفكر، وهو تكامل النظر الملكوتي مع العمل التعارفي".

 

الإيمانية والأخلاقية

هذا الباب الثالث، وهذا الفصل السابع، هو جوهر الكتاب، بل هو جواب الأمة عن أسئلة هذا الزمان. جواب يفصل  فيه طه خصوصيتي "الإيمانية" و"الأخلاقية"، حتى لا ينقلب الإيمان الموروث بالنظر الملكوتي إلى مجرد اعتقاد، وحتى يشتغل بتفعيل إيمانه بقوة.

 

ولا سبيل إلى تفعيل هذا الإيمان إلا بأن يأتي أفعاله على وفق القيم العملية لدينه. وذلك ما يقتضي بذل جهد متميز، "جهد اعتيادي" هو الأدنى، و"جهد ارتقائي" هو الأعلى، ليتمتع المسلم بخاصية الاتصال، إذ "لا ثغرة حكمية في أفعاله" و"لا حبسة وجودية لأفعاله في هذا العالم".

 

ولأن تخلق المسلم ليس بمنأى عن الآفات أيضا كان لزاما أن يقوم بـ"جهد اكتمالي" يختص بـ"فعل إحساني صريح" يتخذ صورة عامة تستمد فيها القدسية من قدسية الصفات الإلهية، وصورة خاصة تستمد فيها القدسية من قدسية ذات الله نفسها.

 

أما الأمة المسلمة فإنها، كما يقول طه "بموجب كونها الأمة الخاتمة، تجمع بين أرسخ تأصيل للتخلق وبين أوسع اتصال للديمومة"، فلا ثغرة قدسية في تعاملها، ولا حبسة ظهورية لها في هذا الزمان فلها "اتصال الكينونة" و"اتصال الديمومة"، ومن ثم يلزم أن "الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان يضع أسسا كونية ليس كمثلها تنوعا ولا توسعا".

 

"
الأمة المسلمة تجمع بين أرسخ تأصيل للتخلق وبين أوسع اتصال للديمومة ومن ثم يلزم أن الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان يضع أسسا كونية ليس كمثلها تنوعا ولا توسعا
"
خلاصة

في خاتمة هذا الكتاب، وضع طه سؤالا مثيرا جدا فقال "لم الخوف من الإبداع؟". وقال إن من يقرأ الردود على الاعتراضات المحتملة على أخلاقية الجواب الإسلامي وعلى مسلماته ومفاهيمه سوف يحصل على جواب شاف كاف للسؤال الخاتم.

 

يصعب على المرء أن يلخص كتابا يفيض بالأفكار ويتدفق عقل صاحبه بالقدرة الفائقة على الاستدلال والاستنباط وتوليد المفاهيم والدلالات على غير ما يتوقع المتخصصون والخبراء والقراء أيضا.

 

ولا يمكن لمقال مثل هذا أن يوجز خلاصة للكتاب، فإنه كتاب لا تلخصه سوى القراءة اليقظة، وهي قراءة لا ينبغي أن يتهيب القارئ منها، فليس هذا الكتاب -ولا كتب الدكتور طه- من شاكلة الكتب المستعصية، بل إن الأسلوب العربي الرصين، والخلفية القرآنية السارية بين السطور تجعل منه صاحبا في السفر والحضر، عذبا فراتا، سائغا للشاربين.

المصدر : غير معروف