عرض/إبراهيم غرايبة

يراجع رضوان زيادة في كتابه هذا أيديولوجيا النهضة كما تجلت في الخطاب العربي المعاصر عبر نوعيها الاستلهامي والإيهامي، أي ذاك الذي يستلهم عصر النهضة وذاك الذي يوهمنا بالنهضة. ويرى زيادة أن بعض هذه الأنواع يحمل نوعا من الجدية والعمق، ولكن الكثير منها لا يعدو أن يكون محض إنشاء وبلاغة.

 

- العنوان: أيديولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصر

- المؤلف: رضوان زيادة

- عدد الصفحات: 202

- الطبعة الأولى: 2004

- النشر: دار الطليعة، بيروت

سؤال النهضة وهاجس الهوية

أضحى سؤال النهضة هاجسا يشغل بال الكثير من المثقفين والمفكرين العرب، ونشأت أيديولوجيا نهضوية شغلت بتكثير عدد المثقفين المؤمنين بها وجلب المزيد من أهل السلطة العربية المقتنعين بأطروحتها كي تستطيع أن تحقق حلمها في بناء مجتمع نهضوي حضاري جديد.

 

لكن الكلام الكثير عن النهضة لا ينتج نهضة بالضرورة، بل يمكن أن يكون حاجبا أو حاجزا يمنعنا من امتلاك شروطها الحقيقية، تماما مثلما قال ماركس إن الأيديولوجيا تحجب الواقع وتغشيه، وهو ما تفعله الآن بالضبط أيديولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصر.

 

والمؤكد أن الخطوات اللامحدودة الأثر التي يرحب بها المثقفون على استعجال والديمقراطيون العرب باعتبار أنها خطوة في الاتجاه الصحيح تفقد بسرعة رصيدها أو مخزونها الاجتماعي الذي يضمن حيويتها وفاعليتها، وبذلك تدرك المجتمعات العربية وعبر وعيها اللاشعوري أن مثل هذه الخطوات الوهمية لن تثمر شيئا، وأنها ستنتهي حالما تنتفي الحاجة إليها، وهذا ما يفسر حجم الإحباط واليأس العالق بنفوس أفراد المجتمعات العربية والذي كاد يقتل أحلامها حتى أثناء نومها.

 

 ولذلك يرى الكاتب أن المطلوب ليس إعطاء نوع جديد من المخدر نسميه النهضة، ذلك أن المجتمعات العربية أصبحت تدرك عن يقين أن ما تعيشه يتعدى الخراب، وأن ما تطمح إليه ليس نهضة جديدة، وإنما مجرد وقف للخراب الذي لا يكاد يعرف قاعا يصل إليه.

 

"
الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلدان العربية تؤهلها يوميا للدخول في حرب أهلية ينتظرها الجميع على خوف ووجل
"
وفي سياق النهضة يطرح دائما مفهوم الهوية، وهو على درجة عالية من الصعوبة والتعقيد، ذلك لأنه بالغ التنوع في دلالته واصطلاحاته، وهذا ما ينفي الطرح التبسيطي والاختزالي الذي يتم تداوله للمفهوم في الخطاب العربي المعاصر.

 

ومن المعلوم أن تصاعد الحديث عن الهوية يتلازم طرديا مع الأزمات التي يتعرض لها الكيان الحضاري لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب أو حتى فئة اجتماعية داخل المجتمع الواحد.

 

وبعد عرض مطول لأفكار النهضة ومشروعاتها التي بدأت في النصف الثاني من القرن الـ 19 وتتابعت في أجيال متلاحقة بدءا برفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وهي أفكار غلب عليها التوجه إلى الحكام وليس المجتمعات، فإن المشروع المعاصر لا يكون بتمثل هؤلاء الرواد وجعلهم أمثولات مناقبية منزوعة عن زمانها وحدودها الجلية، بل التساؤل عما تبقى من الطهطاوي وغيره، وعما عطل إمكانية إعمال العقل من مناهج خطابية وابتسارات منهجية، وضغوط سياسية واجتماعية، وعن مواضع وحيثيات تجاوزنا ما جاء بها منذ قرن من الزمان.

 

وهذا لن يتم إلا بإعادة الاعتبار لمفهوم النهضة القائم على الإلمام بالزمانية، ووعي حدود الخطاب الإصلاحي باسم النهضة، والتحول عن الاستئناف والنسخ والترداد إلى الإقرار باستقلال اليوم عن الأمس، والدعوة إلى صياغة سؤال النهضة مجددا.

 

ولكن المطلوب هو صياغة السؤال الخاص بنا، والمكون لفكرنا الحامل لسياقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودون ذلك يبقى سؤال النهضة جرحا نازفا، لا أمل من الشفاء منه.

 

الأزمة.. العرب وأسباب تخلفهم

يستدعي الاجتماع السياسي العربي الراهن إعادة النظر في أسسه البنيوية، فقد  تحول النظام السياسي إلى شيء أشبه بالسلطة المحتكرة لكل المجالات الحيوية في المجتمع، وتزايدت الفجوة بين الدولة والمجتمع حتى انتهت السلطة إلى أن أصبحت عدو المجتمع تتورط في عمليات المذابح والقتل العشوائي التي تقودها ضد المدنيين من مواطنيها، مثل ما حصل في الجزائر والعراق.

 

إن النظام السياسي العربي يبدو غير عابئ بمفهوم الشرعية الذي ينبني عليه وجوده، فشرعيته غالبا ما يحصل عليها من خلال العنف والأمن، وهكذا أصبحنا في سؤال متكرر عن المخرج العربي من الأزمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بعد أن أرهقنا السؤال المتكرر الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه.

 

والقراءة البانورامية للعالم العربي تبرز بوضوح نهايات هذا العالم في القرن الـ 21، فالجزائر والعراق اللتان كانتا مرشحتين للوصول إلى مصاف الدول الأوروبية حسب تقرير الأمم المتحدة منتصف السبعينيات بسبب قدراتهما الذاتية الضخمة وإمكانياتهما البشرية، انتهتا الآن إلى شبه حرب أهلية، لا تكاد تهدأ حتى تتصاعد، مما أعادهما إلى ما تحت الصفر، ومما حفز الولايات المتحدة لاحتلال العراق بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل.

 

وتبددت بعيدا أحلام التنمية وأوهام التقدم، وأصبحت الجزائر عرضة للفساد، وأخذ النزاع الأهلي شكله السافر في تورط الدولة في عمليات القتل أثناء صراعها مع الجماعات الإسلامية المسلحة.

 

"
النهضة في الخطاب العربي المعاصر هي قدر الأمة لا محالة مدركته مهما طال بها الزمن غير أن الزمن مر والنهضة تزداد بعدا ونأيا
"
والعراق المقسم والمهدد، خرج من حصار طويل أنهك قواه الذاتية على مدى اثني عشر عاما، بعد أن كانت الدكتاتورية قد أنهكته أيضا على مدى عقود، أما قدراته البشرية والعلمية فقد تبددت في المهاجر، وخضع في النهاية لاحتلال أجنبي.

 

والدول الأخرى التي ناضلت شعوبها أوائل القرن من أجل تحقيق الاستقلال وإنجاز الجمهوريات الدستورية التي تضمن المشاركة الشعبية الأوسع تحولت إلى جمهوريات وراثية.

 

وتبقى الحرب الأهلية المآل الكامن في المستقبل، فالأوضاع السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلدان العربية تؤهلها يوميا للدخول في حرب أهلية ينتظرها الجميع على خوف ووجل.

 

لكن رغم ذلك يبقى التحليل السياسي الاجتماعي الأكثر إقناعا بقدرته على قراءة أزمة المجتمع العربي  بالرغم من تركيزه الشديد على قراءة ذلك وفق الإطار التاريخي، في حين تبدو المناهج الأخرى الفكرية والاقتصادية والتربوية عاجزة عن تفسير التحولات الاجتماعية.

 

فالأزمة المجتمعية والسياسية التي يعيشها العالم العربي لها بلا شك ظلال تربوية وفكرية وثقافية لكنها لا تعدو أن تكون لاحقة بالأزمة الرئيسية وتابعة لها، ولم تكن بحال من الأحوال سببا في حدوثها أو ترسيخها.

 

النهضة بالخطاب العربي المعاصر

إذا كان الصراع بين الأيديولوجيات في العالم العربي قد خلق أزمة مستعصية في العديد من مجالات الثقافة السياسية والفكر السياسي، فإن مستقبل الأيديولوجيا في العالم العربي يمكن أن يتصل عموما بمستوى الضغط أو القلق على المستوى الفردي.

 

ذلك أن انتشار الأيديولوجيا لا يصدر عن اختيار عقلاني، وكذلك استمرارها أو أفولها، وإنما يلعب غياب الاستقرار النفسي والمادي للمجتمعات العربية دورا في تحريضها على إنتاج نوع جديد من الأيديولوجيا، يستعيد أمجاد الماضي الزاخر وبنفس الوقت لا يبتعد غورا عميقا في الماضي البعيد.

 

إن العرب يعيشون الآن في حالة أشبه ما تكون بارتحال جماعي إلى عصر النهضة، والارتحال يعني فيما يعنيه التفكير في العصر الذي نرحل ونهاجر إليه لنفكر من خلاله، وهنا يصعب علينا تجاوز المجال الذي وضعنا أنفسنا فيه ما دمنا نحن من أراد التفكير لمستقبله من خلال سلفه وماضيه.

 

إذ أننا وبالعودة إلى بدايات طلب النهضة في سبعينيات وثمانينيات القرن الـ 20 نجد أن النهضة في الخطاب العربي المعاصر هي قدر الأمة لا محالة مدركته مهما طال بها الزمن، غير أن الزمن مر والنهضة تزداد بعدا ونأيا، بل وبمنطوق هذا الخطاب نفسه أصبحت النهضة سرابا لا يمكن إدراكه مع عودة الاحتلال الأجنبي لجزء جديد من الأراضي العربية المتمثلة في الاحتلال الأميركي للعراق.

 

"
الخلل في الخطاب العربي عن النهضة ينبع من عدم تبلور مفهوم شامل للنهضة وعدم التمييز بين خطوات سياسية واقتصادية تندرج في سياق عملية إصلاحية
"
المجال الزمني للمشروع النهضوي

تبنى مركز دراسات الوحدة العربية إجراء مثل هذه الدراسة الشاملة التي تهدف إلى تحديد الخطوط العامة للشكل والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للوطن العربي مع مطلع القرن الـ21، وذلك على أساس مسارات بديلة تحددها مشاهد بديلة للعمل العربي المشترك.

 

المشروع ينطلق من الفكر النهضوي العربي وهو يعتبر أن الفكر العربي يمثل الانطلاقة النهضوية للمستقبل العربي الذي يقوم على ثلاثة مشاهد مستقبلية انطلاقا من شكل العلاقة بين الأقطار العربية، وهو المعيار الذي يعتمده المشروع.

 

المشهد الأول هو مشهد التجزئة، وينطلق من افتراض استمرار الأوضاع الراهنة لجهة التجزئة والتبعية للخارج والتعثر في تحقيق التنمية، والسماح لإسرائيل بالمزيد من التوسع الإقليمي وفرض هيمنتها السياسية على المنطقة.

 

أما الثاني فهو مشهد التنسيق والتعاون وينطلق من مبدأ الترشيد والاستخدام الأمثل للموارد العربية المتاحة في إطار المعطيات السياسية الراهنة, وهو يعبر عن أشكال وسيطة من التنسيق والتعاون بين كل أو أغلب أقطار الوطن العربي، ويطلق المشروع على هذا المسار اسم المشهد الإصلاحي.

 

أما المشهد الثالث فهو الوحدة العربية الذي يمثل المسار التحويلي أو التغيير الجذري، وجوهره توحيد مركز صنع القرار السياسي مع احترام التعدد الاجتماعي والثقافي القائم في الوطن العربي، وهو يمثل لب النهضة العربية وآمال المجتمعات العربية كافة.

 

مفهوم النهضة والخطاب العربي

يرى المؤلف أن هناك اضطرابا مفهوميا في تحديد النهضة ومقوماتها، ويعود ذلك في معظمه إلى غلبة الأيديولوجيا على المعرفة بغية تصنيف التاريخ وفق رغباتها.

 

فالخلل في الخطاب العربي عن النهضة ينبع من عدم تبلور مفهوم شامل للنهضة، وعدم التمييز بين خطوات سياسية أو اقتصادية تندرج في سياق عملية إصلاحية، وبين مسار عملية تنموية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة، وتخلق تراكما على هذه الصعد كافة، إذ لا يعقل أن تحدث نهضة ثم تتوقف فجأة ثم يجيء زعيم ملهم لينجز نهضة ويقرر هو نفسه فجأة  أن يوقفها.

 

إن ذلك يعكس عدم الإدراك الكافي لسياق التحولات الدولية وموقع العرب فيها ودورهم وطبيعة تفاعلهم مع العالم.

 

"
من المسموح به للمواطن العربي أن يتحدث عن الديمقراطية وشروطها وأصولها في فلسطين والعراق الواقعين تحت الاحتلال لكنه من الممنوع أن يتحدث عن الاستبداد الداخلي الذي يعيشه
"
فالنهضة باختصار هي مسار عملية تنموية متكاملة، والتنمية هنا لا تعني المؤشرات البشرية والاقتصادية فحسب وإنما تشمل التنمية الإنسانية التي تعرف ببساطة بأنها عملية توسيع الخيارات.

 

وبما أن الإنسان هو محور تركيز جهود التنمية، فإنه ينبغي توجيه هذه الجهود لتوسيع نطاق الخيارات في جميع ميادين سعي الإنسان.

 

ومقياس التنمية الإنسانية هذا لا يتم إلا في إطار مقاربة شاملة تشمل حرية الإنسان وقدرات معرفته والإطار المؤسسي الذي يعمل ضمنه.

 

وبهذا التعريف الشامل تصبح النهضة قرينة التنمية وشقيقتها، فلا تتحقق الأولى من دون إنجاز الثانية، والتنمية لا تتم إلا في إطار النهضة.

 

وقد يكون مناسبا ختام هذا العرض بما بيّنه المؤلف في المقدمة من الدور السلبي (عكس المفترض) الذي تؤديه الفضائيات العربية التي أوجدت عالما افتراضيا بالنسبة للمواطن العربي، يقدم حرية على الشاشة فقط، بدلا من أن تنشئ هامشا حقيقيا من الحرية في المجال السياسي والاجتماعي المعني بذلك.

 

وخلقت هذه الفضائيات نخبتها الإعلامية الخاصة بها وراحت تتطارح آراءها عبرها، ولم تستطع أن ترشد مساحة الحرية تلك باتجاه عملية تغيير ديمقراطي حقيقي، لسبب بسيط هو أن المجال السياسي الذي ما زال يعيش ضمنه المواطن العربي استبدادي.

 

ومن المسموح به أن يتحدث عن الديمقراطية وشروطها وأصولها في فلسطين والعراق الواقعين تحت الاحتلال، لكنه من الممنوع أن يتحدث عن الاستبداد الداخلي الذي يعيشه لأن ذلك ببساطة لا يدخل ضمن إطار المسموح به.

 

ويتساءل رضوان زيادة: هل هو من قدر العرب ألا يشهدوا حريتهم إلا إذا خضعوا للاحتلال؟

المصدر : غير معروف