عرض/إبراهيم غرايبة

يقدم هذا الكتاب مجموعة من الأفكار النقدية حول تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول (2002) والثاني (2003) انطلاقا من تساؤل عن سر الاهتمام الدولي وتبعا لمقالات نشرت حولهما. ويرى المؤلف أن المدعو إليه هو المجتمع الذي يحمل "معرفة" تابعة لـ "مجتمع المعرفة العالمي"، ولسنا أمام خيار بين علم وجهل، وإنما أمام مشروع لتبعية جديدة يراد لنا أن نذهب إليها بأقدامنا ونحن نظن أننا نخرج من الجهل إلى المعرفة.

 

- العنوان: تنمية إنسانية أم عولمة؟

- المؤلف: منير شفيق

- عدد الصفحات: 165

- الناشر: دار الطليعة، بيروت

- الطبعة الأولى: 2004

التجزئة والدولة القُطرية

يبرز التقرير (2002) أهمية التعاون العربي في فصله الثامن، وهي النقطة التي يمكن أن ترى إيجابية فيه وإن لم تحظ النظرة العامة إلا بمرور خاطف من دون تركيز أو اهتمام، ودون أن يضع الكاتب في حسبانه إشكالية التجزئة والمشروع القطري الذي ينزع إلى عدم التعاون والتنسيق، كما لم يضع في حسابه النظام العالمي السائد وتداعياته من قبل.

 

فهو لا يرى في إشكالية التجزئة مشكلة عربية عربية، وهي في الوقت نفسه إستراتيجية دولية إزاء البلاد العربية، ومن ثم فهي أكبر معوقات التنمية بعد العامل الخارجي.

 

المطالبة بالتعاون العربي تقتضي تشخيصا دقيقا لهذه الإشكالية، إشكالية فشل محاولات العمل العربي المشترك، مع إبقاء الإستراتيجيات الدولية وسياسات المشروع الصهيوني إزاء المحافظة على حال التجزئة والفرقة فيما بين الدول العربية وتغذية التناقضات فيما بينها، ما لم يحدث هذا التشخيص ويربط بالعامل الخارجي تبقى الدعوة إلى التعاون العربي ضمن إطار التمني وإن كانت الضرورة تحتمها والقناعة بأن لا مخرج من ورطة الوضع العربي ولا فرصة للنهوض إلا بها على الأقل.

 

وهذا ما لم يحدده التقرير الأول بتركيزه فقط على النواقص الداخلية المتمثلة في نقص الحرية ونقص المعرفة ونقص تمكين المرأة من ممارسة حرياتها.

 

وتناول التقرير موضوع الاحتلال الإسرائيلي مسطحا، فقد حصر كل المشاكل في الاحتلال ولم يرها في الصهيونية وإستراتيجيتها وتهديدها للأمن القومي قطريا وعربيا.

 

كما لا يعطي أهمية للعامل الخارجي (الإستراتيجية الأميركية بخاصة) في دعم الاحتلال والحيلولة دون تنفيذ أي قرار دولي لإنهائه.

 

وبالنسبة لموضوع العولمة، فالتقرير يقدم العولمة تقديما اختزاليا، بحصرها في التطورات التقنية والمعرفة الكثيفة والسوق الحرة والقرية العالمية، ولم ير فيها جوانب الأمركة والهيمنة والاحتكار والنهب الاقتصادي غير المحدود، محتفظا بصورتها التي رسمت في التسعينيات.

 

وكان من سوء حظ التقرير وهو يخرج إلى النور أن يجد أن الكثير مما أشار إليه حول العولمة وما قدمه من صورة للوضع العالمي ومستقبله، قد أصبح موضع إعادة نظر حتى من أميركا نفسها التي انسحبت من 14 اتفاقية دولية، وراحت تسعى لإعادة المفاوضات حول اتفاقية التجارة العالمية.

 

"
يقدم التقرير العولمة تقديما اختزاليا يكاد يحصرها في بعض التطورات التقنية  والسوق الحرة والقرية العالمية دون أن يرى فيها جوانب الأمركة والهيمنة والاحتكار والنهب الاقتصادي غير المحدود
"
التنمية الإنسانية والحرية

أشار التقرير إلى عرض سريع لأبعاد محددة في التنمية تعتبر كافية لتحقيق التشغيل الكامل والقضاء على الفقر في البلدان العربية، كما أنه لا يمكن تحقيق الفائدة المرجوة من مجموعة السياسات هذه إلا بتنفيذها كحزمة واحدة متضافرة.

 

وهنا يتساءل المؤلف: ما الذي سيجعل عملية التنمية تنحاز للفقراء، هل هي الحكومات؟ أم هي الشركات العالمية أم شركات العولمة المحلية؟ أم ما يسميه القطاع الخاص الناشئ على الخصخصة وإعادة الهيكلة؟ أم مراكز البحوث؟ أم مؤلفو التقرير؟ أم هناك مشروع لحزب الفقراء؟ كيف تكون هنالك إستراتيجية أو حزمة سياسات لا تجيب عمن هي القوى المنفذة وكيف؟

 

لقد تعامل التقرير مع مؤشر متوسط الدخل لإلغائه من خلال منهج "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" وهذا صحيح، لكنه قرر أن يسقط موضوع "الخبز" ما دام الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، فيما نسي أن الخبز ضرورة أساسية لحياة الإنسان.

 

وتراه في أكثر من مناسبة يستخدم المنهج نفسه، فالإنتاج والتنمية الاقتصادية والزراعية على سبيل المثال من الضروريات، لكن هل تكفي وحدها، فالمعرفة جوهرية حتى للإنتاج والتنمية.

 

أما النتيجة فهي إسقاط ما أقر بأنه ضروري ليبقي مكانه غيره كأن تعايش الأمرين غير ممكن أو كأن التركيز على أحدهما يلغي الآخر بدلا من تحديد العلاقة المتبادلة، والتأثير المتقابل فيما بينهما.

 

منهجية التقرير والواقع العربي

التقرير في عنوانه ومتنه ونتائجه تناول المجموعة العربية بكليتها كأنها كتلة واحدة موحدة، مع أن أكثر جداوله وبياناته لا يظهر فيها المجموع العربي، وإنما أدرجت الدول العربية فرادى، وفي الأغلب يدرج بعضها فقط، وهذا يطرح تساؤلا وهو كيف استطاع بهذه الطريقة أن يعمم أو يستخرج معدلات وسطية مبنية على مثل تلك البيانات؟

 

بالإضافة إلى ذلك نجد تناقضا بينا بين مديحه لإنجازات كثيرة ومهمة بما في ذلك إنجازات في مجال الحريات السياسية في الدول العربية فضلا عن مديحه لإنجازات الدول فرادى وبالاسم ثم يعطى الدول العربية صفرا عندما يتحدث عنها كمجموعة.

 

وليس ثمة معيار محدد أو معايير قياس ثابتة يستخدمها التقرير عند إجرائه للمقارنات بين البلاد العربية مجموعة أو مبعثرة و بين غيرها من الدول والمجموعات.

 

يشوب التقرير نقص في البيانات والمعلومات المعمقة والضرورية للقيام بمعاينة شاملة للتنمية الإنسانية، ومع ذلك قام بمعاينة شاملة للتنمية الإنسانية العربية، وخرج بنتائج قطعية لا تردد فيها ولا تحفظ، ولو على سبيل احترام نقص البيانات والمعلومات وسائر النواقص الأخرى.

 

"
تعمد التقرير أن يغفل دور العوامل الخارجية من عهد الاستعمار إلى اليوم في تحمل جزء من المسؤولية في تدهور وضع التنمية العربية وغيرها من المشاكل العربية وجعل كل المسؤولية داخلية عربية صرفة
"
يلاحظ من الجدول آخر التقرير أن المعدل العربي للتنمية الإنسانية العربية، وفقا لمؤشراته ولما حسبه فريق العمل التابع للتقرير، في مستوى متوسط وليس كما أشار إليه في المتن مرارا من أنه متدن جدا.

 

ومن يدقق في الجدول أدناه، يجد أربع دول عربية بدرجة "مرتفع" وإحدى عشرة بدرجة "متوسط" وثلاث دول بدرجة "منخفض" ومثلها بلا درجات.

 

فالمعدل الوسطي يصبح بالضرورة، ووفقا لمنهجه نفسه، في مرتبة متوسط إذا جمعت الدول ذات المعدل المرتفع (4 دول) مع الدول ذات المعدل المتوسط (11 دولة) في مقابل ثلاث دول منخفض ومثلها غير معروف، وهذا نموذج من عدم دقة التقرير في عدد من مواطنه ونوع من التناقض بين متنه وبياناته ولا سيما مقدمته.

 

الفشل مسؤولية العرب

نظرا إلى منهج التقرير وروحه وبعض أحكامه القاطعة وتجاهله لكل ما أشار إليه في القسم الأول، فقد فهم بطريقة محددة من قبل معظم المعلقين في الصحافة الأميركية والبريطانية والإسرائيلية، وردد الفهم نفسه في ما بعد عدد من الساسة في الغرب والدولة الإسرائيلية، ومؤداه أن مسؤولية الفشل تقع على العرب وحدهم.

 

وبغض النظر عن أي اعتبارات، يرى المؤلف أن التقرير الأول ما كان من الممكن إلا أن يقود إلى تلك النتيجة ومهما قيل عن الخبث والنوايا الشريرة عند مستغليه، وهذا صحيح، تظل المسؤولية في عنق التقرير لما احتواه من خلل متعدد الأوجه في منهجيته.

 

وعندما تعمد التقرير أن يغفل دور العوامل الخارجية من عهد الاستعمار إلى اليوم في تحمل جزء من المسؤولية في تدهور وضع التنمية العربية وغيرها من المشاكل العربية، وجعل كل المسؤولية داخلية عربية صرفة، فإنه يكون قد أخذ بالمنهج المشهور عالميا، من حيث اعتبار قضايا الفقر والمرض والتخلف أو تدهور أوضاع بلدان العالم الثالث التي انخرطت في العولمة، أو التي اتبعت وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مسؤولية تقع تبعاتها على عاتق الفقراء والأوضاع الداخلية.

 

وقد أصبح شعار "الحكم الصالح" يستخدم اليوم من أجل إلقاء المسؤولية كلها على فقراء العالم بلا أي تبرير للفساد، و لإعفاء العولمة من المسؤولية، كل ذلك لابتزاز الدول وانتزاع المزيد من التنازلات.

 

"
لا بد أن يتخلص العرب من فرقتهم وتشرذمهم وإلا فلن تقوم لهم فرصة جادة من أجل إقامة مجتمع المعرفة وبناء التنمية الإنسانية في الوطن العربي
"

مجتمع المعرفة

يركز تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 على مجتمع المعرفة، والمتأمل في النصين الخاتمين للتقرير، يجد أنهما أعطيا الأولوية لضرورة الكفاح لتغيير النظام العالمي السائد وبناء نظام عالمي جديد أكثر عدالة بشرط أن يتخلص العرب من فرقتهم وتشرذمهم، وإلا  فلن تقوم للعرب فرصة جادة من أجل إقامة مجتمع المعرفة وبناء التنمية الإنسانية في الوطن العربي.

 

وهنا يرى المؤلف أنه كان على التقرير أن يتمسك بهذه الخاتمة وروحها ويقيم بنيانه عليها حتى يصل إليها، لا أن يهبط بها في آخر صفحتين بالكتاب كما يهبط المظلي من طائرة محلقة في الأجواء، ولو فعل لاختصر المسافة بين تقريره وناقديه، وبكلمات أخرى إن جوهر هذين النصين هو جوهر النقد الذي يحمله هذا الكتيب للتقريرين.

 

وسيكون من العبث محاولة توفيق هذا الطرح الجديد المتقدم مع سابقه، التقرير الأول ومع بنية التقرير الثاني نفسه، وذلك لأن الإشارة إلى المعوقات الخارجية، وفي مقدمتها العولمة وحماية حقوق الملكية الفكرية، لا تبقيها إلا مجرد سلبيات أو مخاطر تتعايش مع فرص هائلة تتيحها العولمة.

 

لكن أين هذه الفرص في التطبيق العملي على بلدان العالم الثالث بما فيها الأرجنتين التي امتدحها وعاد إلى امتداحها في التقرير الثاني، لكن بالرجوع إلى بيانات 1998؟ والأرجنتين الآن في مأزق هائل وبالتحديد بسبب اندماجها الطليعي في العولمة ولا سيما في عهد الرئيس السابق كارلوس منعم.

 

ومن ناحية أخرى، فقد شدد القرير الثاني أكثر بكثير من سابقه على أهمية التعاون العربي في كل مشاريع الإصلاح والتطوير التي اقترحها لمختلف مجالات المعرفة، إلى حد القول وبحق

"ولن نمل تكرار أن فرصة أي بلد عربي أيا كان في الفوز منفردا في حرب المعرفة هذه تكاد تكون معدومة، ومن ثم فإن درب الفوز تمر عبر تعاون عربي يستهدف الوحدة على صورة منطقة مواطنة عربية حرة."

 

إن تقرير 2003 سار على نهج سابقه وإن اختلف عنه جزئيا بالنسبة إلى إشكالية العلاقة بين الخارج والداخل.

 

وهنا تنشأ بالضرورة إشكالية جديدة هي فقر التقريرين إلى معرفة العلاقة بين عملية إصلاح الذات (أو التغيير الداخلي) وتلك التحديات، وذلك حين يتناول إصلاح الذات كأنها في واد والتحديات المشار إليها في واد آخر. ومن ثم يعتبر الأخيرة عمليا في حالة خمود وانتظار إلى أن يتشكل "مجتمع المعرفة"  وننعم بالحرية وتمكين المرأة من ممارسة حقوقها.

 

أما على المستوى الاقتصادي، فلا علاقة للتقرير بضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والديون الخارجية، فضلا عن عدم معرفته بتأثير النظام الاقتصادي العالمي الجائر في تبادلاته التجارية بحق بلدان العالم الثالث -وليس العرب فقط- سلبيا في التنمية.

 

"
التناقض في التقرير هو الذي يجعله يقول في إحدى صفحاته إنه يجب التركيز على تطوير الإنتاج، وفي صفحة أخرى إنه يجب إعطاء الأولوية لتطوير منظومة الابتكار
"
والعجيب أنه لا يلاحظ كيف تتدخل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأميركا وأوروبا وعدد من الموظفين التكنوقراط ليفرضوا تغيير القوانين المحلية ويحددوا علاقة الدولة والمجتمع بالاقتصاد والخدمات الصحية، والسياسات التعليمية والاجتماعية، والتعريفة الجمركية، والضرائب والسوق وحرية الاستثمار الخارجي وحقوق الملكية الفكرية، وحتى خصخصة الماء والثروات الوطنية الأساسية وصولا إلى فرض الاتفاقات الدولية على القوانين المحلية.

 

ونحن كما يرى المؤلف أمام مشكلة أولويات بين التركيز على الإنتاج والصناعة والزراعة أساسا والتقنيات المرافقة، أو التركيز على تطوير المعرفة في مجال التعليم والتدريب والبحث والتطوير العلمي.

 

وبديهي أن تحديد الأولوية هو الذي يتقرر على أساسه حجم الاستثمار في كل من المجالين، ولكنه مثل وضع العربة أمام الحصان في هذه المعادلة الدقيقة، وهو يقلب الهرم فتصبح قاعدته المعرفة ورأسه النتاج وتطور تقانياته.

 

ولو أن التقرير قال إن العلاقة بين الأمرين متحركة في تبادل الأولوية لكان أكثر توازنا، ولكن سيصبح من الضروري عندئذ أن يحدد لماذا سيركز على هذه الأولوية.

 

هذا الارتباك هو الذي يجعله يقول في إحدى صفحاته إنه يجب التركيز على تطوير الإنتاج، وفي صفحة أخرى إنه يجب إعطاء الأولوية لتطوير منظومة الابتكار.

 

ولكن التدقيق في اتجاه التقرير العام يؤكد أن موضوع التطوير الصناعي والإنتاجي والتقني المصاحب لا يحظى بالأولوية، بل يهبط إلى مستوى متدن أمام أولوية المعرفة، ولهذا يطالب الدولة بأن تتحول من دعم الاستثمارات في التنمية التقليدية إلى المعرفة الكثيفة أو المكثفة على أن تكون الزيادة كبيرة.

 

ثم يتسع هذا الانسلاخ عن الواقع الخاص بمجتمعاتنا ومستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي حين يفهم مقصوده من المعرفة الكثيفة، بأنها المعرفة العلمية والتقانية والبحثية في مستواها العالمي كما هي في المجتمعات الأكثر تقدما.

 

ولو افترضنا جدلا بأن هذه ممكنة التحقيق، لتطلب بناء سقف معرفة في مجتمعاتنا لا علاقة له بأوضاعها المعطاة وحاجاتها النابعة من مستواها الاقتصادي الاجتماعي وإمكانياتها وقتا وجهدا كبيرين، لأن بناءه في الظرف الحالي يجعله سقفا بلا قاعدة ولا جدران.

 

البنك الدولي واقتصاد المعرفة

إن المعادلة هنا مقلوبة على رأسها وغير متوازنة بين تطوير الزراعة والصناعة (وقبل ذلك حمايتهما من التدهور مع الخضوع للعولمة) وتطوير المعرفة بما يتماشى والمستوى الراهن من أنماط الإنتاج والقدرات الإنتاجية، وبما يستتبع تلبية حاجتها من البحث والتطوير وليس حاجات اللحاق بمجتمع المعرفة العالمي والسوق العالمية.

 

وبهذا لا تصبح المعرفة بمعناها الكثيف صاحبة الأولوية وفي توجه ميزانيات الدول، بل تظل تابعة لأولوية دعم الزراعة وحماية الصناعات الوطنية وإقامة السوق العربية المشتركة والتشديد على سياسة التكامل  العربي.

المصدر : غير معروف