عرض/كامبردج بوك ريفيوز
هذا مؤلف جديد لمايكل مور سوف يثير ضجة مماثلة لكتبه السابقة, وهو الآن من الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة.
 
الفكرة بسيطة, مفاجئة, غير متوقعة, لكنها بالغة التأثير. فهي ببساطة مجموعة من رسائل جنود وضباط أميركيين من أفغانستان والعراق أرسلت إلى المؤلف, وكلها ناقمة على الحربين وعلى بوش وعلى السياسة الأميركية العمياء التي قادتهم لخوض حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل كما يقول معظمهم.
 









 

- اسم الكتاب: هل سيثقون بنا ثانية؟ رسائل من جبهة الحرب - المؤلف: مايكل مور
-عدد الصفحات: 218
- الطبعة: الأولى 2004

-الناشر:
بنغوين, لندن

يقولون إنهم لا يعرفون سبب وجودهم هناك ويموتون برخص لا سبب له إلا توحش إدارتهم في واشنطن ومخططاتها التي لا يعرف أحد إلى أين ستقود أميركا والعالم.

أما المؤلف فهو يقود "حملة صليبية" كما يصفه البعض ضد جورج بوش شخصياً وإدارته المدججة بالمحافظين المتطرفين. وهو صوت أميركي احتجاجي لم يهدأ طيلة السنوات الماضية ومنذ أن فاز بوش لأول مرة بالانتخابات سنة 2000 ضد المرشح الديموقراطي آل غور.
 
في السنوات الأخيرة تحول مور إلى رمز من رموز المعارضة الشاملة لبوش وسياسته وحروبه الخارجية, وأصبح أحد أهم الشخصيات العامة في الولايات المتحدة التي تعارض بجرأة لا نظير لها. وحاولت إدارة بوش أكثر من مرة ما بوسعها كي تمنع كتبه وأفلامه.
 
حلقة بمعارضة صاخبة
"
كان حضور مور البارز من خلال كتابه الشهير "رجال بيض أغبياء" وفيه شن حملته الأولى على بوش واتهمه بأنه سرق الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2000
"
كتابه هذا لا يمكن مراجعته أو فصمه عن مسيرة كاتبه وعن كتبه الماضية، فهو مكمل لها ويأتي في سياق "حملته الصليبية" ضد بوش.
 
بدأ سطوع نجم مور على الصعيد الأميركي والعالمي، إثر حملته على السلاح الموزع والمنتشر بين الأميركيين في الولايات المختلفة والذي ينشر العنف والقتل في المدارس وغيرها.
 
وقد أنتج فيلماً شهيراً كانت تلك القضية محوره الأساس, على إثر تعدد حوادث اقتحام مدارس من قبل مسلحين وقتل تلاميذ صغار في جرائم هزت المجتمع الأميركي.
 
كان سؤال مور آنذاك: كيف ولماذا يتوفر السلاح بوفرة مخيفة بين أيدي الأميركيين؟ ووجد الجواب: إنه لوبيات السلاح والشركات المصنعة المتحالفة معها.
 
آنذاك كان هجوم مور على تلك اللوبيات التي كانت في غالبها من الحزب الجمهوري الذي يمقته مور, والتي يمتد نفوذها من مناطق الريف الأميركي ويصل إلى بعض أفراد لجان الكونغرس العسكرية المتحالفة مع شركات صناعات الأسلحة الخفيفة.
 
كان ذلك الكتاب هجومه الأول على المؤسسة الأميركية وعلى تحالفات المحافظين مع الرأسماليين على حساب الشعب الأميركي.
 
غير أن حضوره البارز كان من خلال كتابه الشهير "رجال بيض أغبياء" وفيه شن حملته الأولى على بوش واتهمه بأنه سرق الفوز في الانتخابات الرئاسية التي خاضها ضد غور المرشح الديموقراطي.
 
سنتها أثير لغط كبير حول فوز بوش, وحول التلاعب بالأصوات ثم إعادة فرزها, ثم الحكم الذي أصدرته لجنة قضائية قامت حولها شبهات التحيز مع بوش.
 
في نفس الكتاب انتقد مايكل مور سذاجة الأميركيين بقسوة, وطالبهم بالتيقظ لما يدور حولهم وكيف يتم التحكم في مستقبلهم ومستقبل بلادهم.
 
وبعدها, أصدر مور كتابين آخرين في نفس الإتجاه هما "السجل الرسمي لفهرنهايت 11 سبتمبر". أهمية ذلك المؤلف تكمن في نقضه لكل مبررات حربي بوش ضد أفغانستان والعراق, وهو نقض من الداخل ويعتمد على وثائق وتسجيلات لعلاقات بوش وشركائه (ديك تشيني, بول وولفويتز, إلخ...) مع شركات ولوبيات النفط. وأيضاً كتابه "أين بلدي يا صديقي؟".
 
فهرنهايت 11/9 والكتاب
"
رسالة فهرنهايت تقول إن بوش وإدارته يرسلون الشبان الأميركيين ليموتوا في بقاع العالم دفاعاً عن مصالح شركات النفط التي يساهم فيها بوش والنخبة الداعمة له, أو عن أحلام المحافظين الجدد في السيطرة على العالم
"
لكن الضربة المؤلمة جداً التي وجهها مور لبوش وإدارته والتي هي خلفية كتابه الأخير "هل سيثقون بنا ثانية؟ رسائل من جبهة الحرب" كانت في إنتاجه وإخراجه فيلم "فهرنهايت 11/9" الوثائقي الهوليودي والذي ذاع صيته وعرض لأشهر طويلة ليس فقط في أميركا بل وفي كل العالم.
 
رسالة الفيلم تقول: لا للحرب التي لا تخدم مصالح أميركا والأميركيين الذين لا يعرفون ما يخطط لهم, بل تخدم بوش والحلقة الضيقة حوله.
 
الفيلم أثار حنق بوش وأثار غضبة المحافظين على مايكل مور وحاولوا بشتى السبل إيقاف عرضه عن طريق الضغط على الشركات المنتجة, أو الإستديوهات المتعاونة مع مور, وصولاً إلى الهيئات الأميركية العليا التي تضبط صناعة السينما وتراقبها.
 
لكن تلك المحاولات لم تنجح إلا في فرض تصنيف فئة عمرية محددة (فوق سن 15) لمن يسمح له بحضور الفيلم الذي تحدث عن أن كل مبررات الحرب ضد العراق مفتعلة وليس لها علاقة بالمسوغات التي أعلنت آنذاك.
 
ولاحق الفيلم آليات تجنيد الأميركيين لتلك الحرب، وكيف أن غالبيتهم كانت إما من العاطلين عن العمل من متعاطي المخدرات أو المحبطين على هامش المجتمع, أو من المهاجرين من أميركا اللاتينية الذي وعدوا بمنحهم الجنسية إن هم التحقوا بالحرب في أميركا.
 
يقابل مور في الفيلم عدداً من أولئك الشبان, ويقابل الضباط الذين جندوهم, ويشرح للمشاهدين مقدار سخف العملية كلها وكيف أن احتياجات أولئك اليائسين تم استغلالها بطريقة بشعة.
 
إضافة إلى ذلك يصور عائلات بعض الجنود ويقابلهم عدة مرات, مرة بداية الحرب ومرحلة الخداع الإعلامي الذي سقطت فيه تلك العائلات بوهم أن أبناءها ذهبوا للحرب دفاعاً عن أميركا, ثم يقابلهم بعد مرور فترة على الحرب ومقتل أبنائهم وانكشاف الخديعة بالنسبة لهم وسقوط الشعارت التي استخدمها بوش لتجييش الشعب الأميركي خلفه.
 
استطاع الكاتب أيضاً في الفيلم تضمين لقطات تبين تفاصيل تعامل بوش وارتباكه خلال الساعات القليلة التي أعقبت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وكيف لازمه الشلل ولم يعرف كيف يعالج الموقف ثم أختفى.
 
رسالة الفيلم أن بوش وإدارته يرسلون الشبان الأميركيين ليموتوا في بقاع العالم دفاعاً عن مصالح شركات النفط التي يساهم فيها بوش والنخبة الداعمة له, أو عن أحلام المحافظين الجدد في السيطرة على العالم. الفيلم أثار عاصفة من التأييد العالمي، وقد مُنح جوائز عدة من ضمنها جائزة الأوسكار الرفيعة أميركياً.
 
رسائل غاضبة من الجنود
بعد عرض الفيلم في كل مكان, بما في ذلك البلدان التي توجد فيها قوات وقواعد أميركية وأولها العراق وأفغانستان، وصل إلى مور آلاف الرسائل الغاضبة على الإدارة الأميركية أرسلها جنود قالوا إن الفيلم كشف الغشاوة عن عيونهم، وإنهم الآن يتفهمون حملة مور ضد بوش وجهده الكبير لمحاولة الحيلولة دون نجاحه في الانتخابات ثانية.
 
لكن رغم أن حملة مور في إفشال إعادة انتخاب بوش لفترة رئاسة ثانية، فإنه نجح في تشويه سمعة بوش إلى أدنى نقطة ممكنة, وخاصة في أوساط الجيش الأميركي.
 
فعن طريق الإنترنت ووسائط الميديا المختلفة شوهد فيلمه في مناطق هو لم يتخيل أن يهتم بفيلمه فيها أحد. يأتي ذلك على خلفية أن كتبه كانت تحظى بشعبية هائلة بين أفراد الجيش الأميركي، وهو ما أثار ويثير حنق المسؤولين.
 
ولأن مور لم ييأس في حربه الضروس ضد بوش رغم انتصار الأخير، فهو يواصل حملته ويدفع بها إلى مدى جديد في كتابه هذا الذي يضرب على وتر العاطفة الأميركية.
 
الرسائل التي ضمنها المؤلف كتابه ومعظمها وصلته عبر البريد الإلكتروني تنقل صورة مثيرة وفائقة الأهمية عن مشاعر وآراء أفراد الجيش الأميركي وهم في الميدان.
 
"
لأن مور لم ييأس في حربه الضروس ضد بوش رغم انتصار الأخير فهو يواصل حملته ويدفع بها إلى مدى بعيد في كتابه الجديد الذي يضرب على وتر العاطفة الأميركية
"
فهم يكتبون بمرارة فائقة ويقولون لمور إنه عبر تماماً عما يجيش في صدورهم وإنهم يريدون لكل الأميركيين أن يعرفوا حجم الخديعة الذي تعرضوا له، وإنهم ينتظرون على أحر من الجمر اليوم الذي يأتي ويخرجون من الجحيم الذي هم فيه.
 
ويذكر الكاتب أنه قبل أن ينشر رسائل العسكريين كان قد طلب الإذن منهم واحداً واحداً، وعرض عليهم إما أن ينشر الرسائل موقعة بأسمائهم الحقيقية, أو يخفي أسماءهم حتى لا تطالهم أي مساءلة من قبل مسؤوليهم في الجيش.
 
ويضيف مور أنه فوجئ بأن الغالبية القصوى منهم عبروا بجرأة واضحة عن رغبتهم في نشر أسمائهم متحدين مسؤوليهم.
 
وهنا يتوجه إلى البنتاغون في رسالة مباشرة تتضمن المرارة والسخرية في آن معاً، ويقول "إنني أسألكم بحق كل شيء في هذه البلاد (أميركا) وبشكل أساسي المبادئ الأولية للجمهورية الأميركية التي تضمن حرية التعبير ألا تتعرضوا لهؤلاء الجنود الذين يخاطرون بحياتهم من أجلنا واختاروا بشجاعة أن يخبروا بقية الأميركيين بما لا يرونه. ليس ثمة سبب يسوغ معاقبة هؤلاء لأنهم أرادوا أن يقولوا الحقيقة.
 
لكن ما يتفاجأ فيه المرء هو مقدار الإحباط والخوف والنقمة الذي تحمله الرسائل التي يضمنها مور في كتابه. وما يفاجئ أكثر هو بقاؤها في الظل حتى الآن, وهنا يطرح مور السؤال الكبير: لماذا لم تصل المرارات التي تعبر عنها الرسائل إلى الأميركيين ولماذا لا يعرف الشعب الأميركي حقيقة ما يحدث في العراق؟ وهنا يتهم مور الإعلام الأميركي في إخفاء المعلومات الحقيقية انصياعاً وخوفاً من الإدارة الأميركية.
 
فبالتأكيد هناك عشرات إن لم يكن مئات الصحفيين الأميركيين الموجودين في العراق ويختلطون مع أفراد الجيش على اطلاع كبير ولصيق بحالة الإحباط التي يعيشها أفراد الجيش, ومع ذلك فليست هناك تغطية لها.

المصدر : غير معروف