عرض/ إبراهيم غرايبة
يطرح المؤلف في هذا الكتاب مظاهر الخلل في المجتمعات الإسلامية، ويحاول أن يجيب عما يثيره الناس في الغرب من الأسئلة حول الإسلام، ويحاول الإجابة على أسئلة مثل: لمادا يكرهوننا؟ وهل يتفق الإسلام مع الديمقراطية؟ هل يضطهد الإسلام النساء؟ هل يدعو القرآن إلى العنف؟

ويبدو الكتاب أيضا استجابة للاهتمام المتزايد بالإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وما اتضح من وجود قوي للإسلام على المسرح العالمي في القرن الحادي والعشرين من خلال انتشاره السكاني وامتداده السياسي.

ابن خلدون والتماسك الاجتماعي

يبدي المؤلف وهو أستاد كرسي ابن خلدون للدراسات الإسلامية والعلاقات الدولية بالجامعة الأميركية في واشنطن، وكان أستادا بجامعة هارفارد تأثرا بنظريات ابن خلدون، ويعرض فكرة العصبية التي تميز بها ابن خلدون في فلسفته عن التاريخ.






 

 

 

 


- اسم الكتاب:
الإسلام تحت الحصار
- اسم المؤلف: أكبر أحمد
- ترجمة: عزت شعلان
-عدد الصفحات: 232 الطبعة: الأولى 2004
- الناشر: دار الساقي، لندن وبيروت

وللعصبية جانبها السليم وجانبها المريض، فالعصبية الطيبة الخيرة هي التي تؤدي الى التماسك في المجتمع والتضامن والتعاون بين فئاته وطبقاته، بحيث يتم التوازن فلا تطغى طبقة على طبقة، وتتضافر بذلك الجهود كلها في سبيل المصلحة العامة.

لكن العصبية الذميمة المريضة هي التي تؤدي الى الفرقة والتناحر والصراع، وتنتهي الى خلخلة الاستقرار وشيوع الكراهية والأحقاد وقد يصل الأمر الى العنف و هو ما يسميه المؤلف العصبية المفرطة.

وفي جانب معين من ذلك أشار الكاتب إلى ما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي يراها ترتبط بانهيار العصبية (عوامل التوحيد والتقاليد الثقافية في العالم الإسلامي) ونشوء أحوال سياسية جديدة مثل خلق دولة باكستان وإسرائيل، وثورة إيران، والحروب الأهلية في الجزائر وأفعانستان وآسيا الوسطى، ونشوء جيوب واسعة من الفقر والهجرة والغضب في العالم الإسلامي.

ويمثل الطالبان نموذج العصبية المفرطة، فهم مجتمع قبلي متماسك، واستولوا على السلطة السياسية في كابل، وأصبحوا حكام الدولة، وأدى نقص الخبرة والتدريب في الحكم إلى فشلهم، وتحولت فكرتهم في الاستبعاد التي كانت مصدر قوتهم إلى مصدر ضعف، وشوهت العصبية لديهم، ومارسوا العصبية المفرطة، وهو أمر له القدر نفسه من الأهمية، وبالغوا في ميلهم الفطري إلى وضع النساء والأقليات في طوائف خاصة، وتعرض ذلك للفساد الكبير، وأصبح تعاملهم قاسيا، وخرج على المبادئ الأولية للعصبية وأدى إلى الانحلال.

ولا تمثل طالبان المثل الوحيد على العصبية المفرطة، فالجماعات الأخرى تعكس العصبية المفرطة كذلك بطريقة مختلفة، وهذه تشمل رجال الدين المسلمين في إيران، والمستوطنين اليهود في فلسطين، ومليشيات الصرب في البلقان، والجماعات الهندوسية في الهند.

"
لا تمثل طالبان المثل الوحيد على العصبية المفرطة، فالجماعات الأخرى تعكس العصبية المفرطة كذلك بطريقة مختلفة، وهذه تشمل رجال الدين في إيران، والمستوطنين اليهود في فلسطين، ومليشيات الصرب في البلقان، والجماعات الهندوسية في الهند
"
فالداعون إلى الاستبعاد يخلقون الحواجز ويؤمنون بالطبقات، أما الداعون الى الاشتمال فهم على استعداد للتسامح والتعامل مع الآخرين بل الاستماع إليهم والتأثر بهم، والمشتملون هم أولئك المؤمنون بأن الحضارة الإنسانية واحدة في الأساس، مهما فرقتنا الأديان أو الثقافة أو اللغة.

هذه المراجع الفكرية موجودة في كل مجتمع إنساني، فكثير من المتمسكين بالديانات في تيارها العام متشددون ولا يقبلون ببساطة حتى أولئك الذين ينتمون إلى مذهب مختلف من الديانة نفسها. ويرى المؤلف أن المعركة الحقيقية في القرن الحادي و العشرين ستكون بين المشتملين والمستبعدين.

الإسلام تحت الحصار
كأن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ردت العالم إلى حالته البدائية العصبية، وكان الإحساس بالعصبية المفرطة واضحا مع ما يصاحبه من البارانويا والارتياب، وشعرت معظم الديانات والمجتمعات أنها تحت الحصار، فقد أذاع التلفزيون الأميركي أخباره ومناقشاته تحت عنوان "أميركا تحت الحصار"، وشعر الإسرائيليون أن العرب يحاصرونهم، واشتكى الهنود من تسلل جيرانهم المسلمين المعتدين، وظهر أن الولايات المتحدة وإسرائيل والهند في حال شلل أمام الانتحاريين المسلمين، ولم يكن لديهم جواب على العنف سوى مزيد من العنف.

وأحس المسلمون أنهم مهددون بصفة خاصة بعد الأحداث، سواء كانوا أغلبية أو أقلية في حياتهم، وبدا أن كل مسلم على ظهر الأرض صار محل اتهام بارتباطه الديني، وأصبح أي تعبير عن هوية المسلم مخاطرة بالخوف من الاشتباه به في النشاط الإرهابي، وشعر المسلمون أن عقيدتهم الإسلامية تحت الحصار.

وكانت قد بدأت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين فكرة عامة غير محددة في الغرب تتصور أن العدو العالمي الجديد بعد سقوط الشيوعية سيكون الإسلام، وتبلورت الفكرة يوم 11 سبتمبر/ أيلول وتبع ذلك إعلان بوش عن حملة صليبية على الإرهابيين المسلمين.

وقد تضامنت وسائل الإعلام الخاصة مع المؤسسات الرسمية في روح قوية من الوحدة العارمة، وكان من الواضح أن هذا الشحن الإعلامي والنفسي هو أكثر من حملة عسكرية يشنها البنتاغون ليحارب جماعة صغيرة تختبئ في كهوف أفغانستان.

"
بعد أحداث سبتمبر بدا أن كل مسلم على ظهر الأرض محل اتهام، وأصبح أي تعبير عن هوية المسلم مخاطرة بالخوف من الاشتباه به في النشاط الإرهابي، وشعر المسلمون أن عقيدتهم الإسلامية تحت الحصار
"
وأصبح المعلقون على القضايا الإسلامية على نحو مفاجئ في جميع وسائل الإعلام، وكان أكثر ما قالوه عنصريا ومتحاملا من الناحية الدينية، وكان تحاملهم عدوانيا متخفيا في هيئة التعليق الجاد، ودار حديث صريح عن غزو الولايات المتحدة لدول إسلامية بعد أفغانستان، مثل العراق وسوريا وإيران وليبيا، وحتى السعودية، ونوقشت الفكرة والبلدان ايضا في وسائل الإعلام.

بدأت الحرب غير محددة في أهدافها أو نهايتها، وأوحت بشرور لا يمكن قياسها، ونتائج لا يمكن التنبؤ بها، وكانت حربا غير متوازنة بين طرفين، أحدهما متفوقفي التصنيع ويسيطر على العالم، والثاني لا يزال في مرحلة ما قبل التصنيع فقيرا قبليا،ِ يتكلم بلغات مختلفة، ويعيش في ثقافات مختلفة، والشيء المشترك الوحيد بينهما هو انعدام الفهم في نظرة كل منهما إلى الآخر.

ما الخلل؟
ما الخلل في المجتمع الإسلامي؟هل يتعلق الأمر بالإسلام أم هي العولمة؟

لقد أنشأت العولمة الارتباك واليأس، ويقول كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة إن الملايين من الناس حول العالم لا يرون في تجربة العولمة عاملا في التقدم، وإنما قوة للتفكك اشبه بالإعصار في قدرته على تدمير الحياة والأعمال والتقاليد.

ورغم أن رؤية المسلمين للعالم هي رؤية عالمية، ففي القرآن الكريم "ولله المشرق والمغرب فِِأينما تولوا فثم وجه الله" وكان التاريخ الإسلامي تطبيقا للعالمية واستيعاب التعددية الجغرافية والعرقية واللغوية والسياسية فإن العولمة الحالية تبدو في نظر زعيم إسلامي مثقف مثل محاضر محمد تحديا هائلا ومخيفا، وتهديدا للمسلمين وعقيدتهم، ولا تتيح مجالا للتفاؤل بمستقبل للمسلمين في القرن الحادي والعشرين.

فشل القيادة عند المسلمين
تواجه المجتمع الإسلامي في عصرنا أزمات رئيسية تتعلق بالقيادة، ولا تؤثر هذه الأزمة على الشعوب الإسلامية وحسب، وإنما تؤثر كذلك على علاقاتها بالدول الأخرى، لقد فشل زعماء المسلمين في تحقيق العدل أولا، ثم فشلوا ثانيا في خلق الظروف المناسبة لتحقيق الإحسان والعلم في مجتماعاتهم.

ويدرك المسلمون حيثما كانوا وجود الأزمة في مجتماعاتهم، وإن كانوا لا يعرفون تفسير ابن خلدون لانهيار المجتمع. وهم يستجيبون حسب أفكارهم وقدراتهم. وقد تعرفنا إلى استجابتين متعارضتين على نطاق واسع بين استجابات كثيرة، وتتمثل في الدعوة الأساسية للاشتمال على الأمم بحق حوار وتفاهم، أما الاستجابة الأخرى فهي تشجع على الأنشطة التي تدعو الى الاستبعاد والمواجهة والرفض.

إن الداعين الى الإستجابة الأولى يرغبون في الحوار والتوافق وهم على وعي بالمجتمع الإنساني العام، وعندهم أن المصير الإنساني مشترك، وأن المستقبل كفيل بالتقارب بين مختلف الناس والمجتمعات، وهم يستلهمون عقيدتهم.

أما الذين يتخذون الجانب المعارض، الذين يؤمنون بالاستبعاد فهم يستلهمون عقيدتهم كذلك، لكنهم على كل حال يفسرون عقيدتهم بطريقة حرفية ضيقة، فالذين يختلفون عنهم يخرجون عن الحدود وهم على استعداد لرفض أولئك الذين لا يشاركونهم في أسلوب تفكيرهم، ولو تم ذلك بالعنف غالبا.

ولا يقتصر غضبهم مع ذلك على أولئك الذين يؤمنون بديانات أخرى، وإنما يوجه أيضا للأفراد في مجتمعهم نفسه الذين يفكرون على نحو مختلف.

نحو نموذج عالمي جديد
يرى المؤلف أنه إذا كان لنا أن نمنع العالم من الانزلاق إلى أزمة بعد أزمة والانتقال من منطقة اشتعال إلى أخرى فنحن جميعا بحاجة إلى إعادة التفكير على نحو جذري في العلاقة بين ديننا والأديان الأخرى أي تقدير أصيل جديد لكل دين.

وما لم يكن هناك التزام بالحوار والتفاهم فسوف يكون التقدم ضئيلا ولن يكون هناك أمل في تحويل العملية التي خلقت العصبية المفرطة، وما أعقبها من عالم مليء بالعنف والكراهية، ولن يتأتى التفاهم دون تقدير لعمق الشعور بغياب العدل والعلم والإحسان في العالم الإسلامي.

إن المساعدة في خلق النموذج الإسلامي تكون على ذلك هدفا أساسيا للجميع، مسلمين وغير مسلمين على السواء الذين يريدون التوافق والسلام العالمي.

وعن الأولوية عند العالم الإسلامي في المستقبل، وكيف يمكن للغرب أن يقدم أفضل المساعدة، فإن المؤلف يرى أن الخطوات الأولى هي الكف عن تمثيل الأخر بالشيطان، وأن يتوقف المسلمون عن تصور أن المؤامرة العالمية تحيط بهم من كل جانب.

"
التحدي الذي يواجه الحضارة الإنسانية في القرن 21 يتعلق بالمشاركة الخلاقة في حوار الحضارات، والبحث عن التوازن الداخلي بين الحاجات والتقاليد في المجتمعات المحلية وبين عالم تتزايد فيه السيطرة من جانب الشركات الدولية والهموم السياسية
"
إن العالم الإسلامي بحاجة إلى تطبيق الديمقراطية وضمان نجاحها، وإن كانت الممارسة الديمقراطية في العالم الإسلامي مخيبة للآمال، وهي قرينة الفساد وسوء الإدارة، فلا بديل لها في النهاية. إنها النظام الوحيد الذي يسمح بإزاحة الفاسدين مع أقل قدر من الاحتكاك.

فينبغي على زعماء المسلمين أن يشعروا بالقلق على الاتجاهات الاجتماعية والإنسانية في بلادهم، حيث إن معدل النمو السكاني عندهم من أعلى المعدلات العالمية، ونسبة التعليم من أدناها، والأرقام المتعلقة بالخدمات الصحية غير مرضية، والفجوة بين النخبة الثرية الفاسدة والغالبية من السكان تزداد اتساعا بصورة مخيفة ويحدث هذا كله حين تكون هناك نسبة كبيرة من السكان من الشباب العاطلين عن العمل.

وأعظم ما يواجهه المسلمون اليوم بالفعل من تحديات عظيمة هي تحديات داخلية، إنهم بحاجة إلى بناء جديد لتصور الإسلام بحيث يشمل العدل والاستقامة والتسامح وطلب العلم، وهي تمثل الحضارة الإسلامية الكلاسيكية، لا مجرد التمسك بالشعائر، ولا مجرد قواعد الإسلام الخمسة، ولكنها بناء كامل.

واختزال حضارة راقية إلى شعائر بسيطة يشجع على الإجابات البسيطة من قبيل البنادق والمتفجرات مثلا، إن التقوى والفضيلة يتحكم فيهما الآن العمل السياسي وهو غالبا ما يساوي العنف، ولا يقابل الاستقامة الأخلاقية أو الروحانية.

في المقابل فإن الغرب بحاجة الى الاستجابة للعالم الإسلامي بالاستماع أولا إلى ما يقوله المسلمون ثم محاولة فهم الإسلام ثانيا، وقد تتضح صورة الرغبة العامة في تقديم العون للعالم الاسلامي مع شيء من الصبر والفهم.

إن الغرب يحتاج إلى التخفيف من رد الفعل العصبي المتوفر تجاه المسلمين واعتبار أي مسلم من الأصوليين، ومن واجب الغرب أن يتعلم كيف يكبح ويتحكم في اتجاهاته نحو الهلع من الإسلام.

لقد جاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وكأنها تدفع العالم نحو فكرة صدام الحضارات، ولكنها حملت في الوقت نفسه دعوة ملحة للحوار، والتحدي الذي يواجه الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين يتعلق بالمشاركة الخلاقة في حوار الحضارات، والبحث عن التوازن الداخلي بين الحاجات والتقاليد في المجتمعات المحلية، وعالم تتزايد فيه السيطرة من جانب الشركات الدولية والهموم السياسية، والالتزام بالبحث عن حلول عالمية للمشكلات الدولية الشائعة التي تواجه المجتمع الإنساني والسعي في سبيل نظام عادل رحيم يدعو للسلام.

المصدر : غير معروف