عرض/علاء بيومي
مؤلفة كتاب "اليمين الراديكالي.. الناخبون والأحزاب في السوق الانتخابي" الصادر عن مطابع جامعة كامبريدج الأميركية -أكبر دار نشر أكاديمية بالولايات المتحدة- هي بيبا نوريس أستاذة العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأميركية وذات الإنتاج الأكاديمي الواسع والقدرة المتميزة على استخدام أساليب التحليل الكمي.

يعتمد كتاب "اليمين الراديكالي" على تحليل قواعد بيانات ضخمة عن وجود ونشاط 43 حزبا يمينيا راديكاليا في 39 دولة ديمقراطية عبر العالم، بما في ذلك بعض أكبر الدول الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا.

- الكتاب: اليمين الراديكالي.. الناخبون والأحزاب في السوق الانتخابي
- المؤلف: بيبا نوريس
- عدد الصفحات: 368
- الناشر: كامبريدج يونيفرستي برس، نيويورك
- الطبعة: الأولى 2005

صعود الأحزاب اليمينية الراديكالية
أهمية الكتاب تنبع من عدة أسباب يأتي على رأسها كونه يصدر عن أكبر دار نشر أكاديمية أميركية في فترة تشهد صعودا لليمين ببلدان عديدة عبر العالم وانتشار التوجهات المعادية للمهاجرين والأجانب والتعددية الثقافية في أكبر الدول الديمقراطية.

وهنا تشير بيبا نوريس إلى أن الأحزاب اليمينية الراديكالية تكاد تكون قد تلاشت في البلدان الغربية في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، ولكن مع مطلع عقد السبعينات من القرن العشرين بدأت في العودة والظهور على الساحة السياسية الأوروبية والغربية.

وخلال عقد الثمانينات ازدادت هذه الأحزاب قوة حتى تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحقيق مكاسب كبيرة في الانتخابات التشريعية ببعض البلدان.

فخلال الفترة بين عامي 2000 و2004 تمكنت الأحزاب الراديكالية من الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين بالنمسا، و13.6% ببلجيكا، و25.5% بكندا، و12.6% بالدانمارك، و13.2% بفرنسا، و16.3% بإيطاليا، و10.4% بنيوزيلندا، و14.5% بالنرويج، و29.5% بسويسرا.

أكثر من ذلك حققت هذه الأحزاب نجاحات في بعض بلدان المعسكر الشيوعي التي تبنت الديمقراطية حديثا، مثل التشيلي (44.2% من الأصوات)، ورومانيا (21%)، هذا إضافة إلى روسيا (11.5%).

كما حققت تقدما في الولايات المتحدة على المستوى الشعبي والجماهيري خلال عقد التسعينات، ولكنها لم تتمكن من الوصول إلى الكونغرس الأميركي.

وقد زاد عدد تلك الأحزاب في بعض الدول الديمقراطية لتصل إلى خمسة في سويسرا، وثلاثة في كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وحزبين في كل من بلجيكا والدانمارك واليونان وهولندا والنرويج ورومانيا والسويد.

"
أسباب صعود وهبوط الأحزاب اليمينية نتاج للتفاعل بين قوى العرض والطلب في السوق الانتخابي وليس رد فعل على الهجرة والبطالة والعنصرية فحسب
"
رفض النظريات السائدة
السبب الثاني لأهمية الكتاب هو هدفه، إذ يسعى إلى شرح أسباب صعود اليمين الراديكالي في الدول الديمقراطية العرقية والديمقراطيات الناشئة. وتوضح نوريس –بهذا الخصوص- أن انتشار الأحزاب اليمينية الراديكالية في دول عديدة وتنوعها وتنوع ظروف تلك المجتمعات، دفعتها –كباحثة أكاديمية- إلى رفض التفسيرات المطروحة على الساحة ومحاولة البحث عن نظرية أكثر شمولا وعمقا.

وهنا ترى أن النظريات التي تذهب إلى أن انتشار هذه الأحزاب في البلدان الأوروبية مرده مشاكل الهجرة والتعددية الثقافية والبطالة نظريات هامة ولكنها لا تكفي وحدها لتفسير أسباب صعود اليمين الراديكالي، نظرا لعدة أسباب مثل انتشار مساندة هذه الأحزاب في أوساط بعض الفئات الغنية لأسباب عنصرية، وعجزها عن الوصول إلى البرلمان في دول تستقبل موجات عالية من الهجرة مثل ألمانيا وبريطانيا والسويد.

كما ترفض القول بأن انتشار هذه الأحزاب اليمينية يعود إلى كاريزما ونجاحات تلك الأحزاب وأجنداتها المتطرفة، حيث ترى المؤلفة أن هذه النظريات هامة ولكنها تركز على النجاحات فقط ولا ترصد أسباب الضعف والهزائم، والأسباب التي دفعت الناخب في الدول الديمقراطية للإقبال عليها.

في المقابل تقدم نوريس نظرية بديلة –هي عماد كتابها– تصور أسباب صعود وهبوط الأحزاب اليمينية الراديكالية على أنه نتاج للتفاعل بين قوى العرض والطلب في السوق الانتخابي.

وهنا تصور المؤلفة العملية السياسية في المجتمعات الديمقراطية بسوق انتخابي يخضع لقوى العرض والطلب من قبل الناخبين والأحزاب، فالأحزاب تقدم السلعة التي تجذب الناخبين وتستجيب لحاجات الرأي العام المتغيرة والمتنوعة، أما الناخبون فيستخدمون أصواتهم كعملة لشراء السلع الحزبية الأكثر استجابة لحاجاتهم.

وينظم هذا السوق قواعد رسمية مثل القوانين التي تتحكم في عملية الترشيح وجمع التبرعات والوصول إلى البرلمان، وقواعد غير رسمية مثل الثقافة والقيم السائدة التي ترفض أفكارا معينة كالأفكار العنصرية أو التوجهات المعادية للديمقراطية.

وتقول نوريس إن ميزة النظرية الحالية أنها شاملة تركز على أبعاد مختلفة لأسباب صعود هذه الأحزاب مثل ظروف المجتمعات الديمقراطية والناخبين التي تمثلها قوى الطلب، وخصائص هذه الأحزاب وعلاقتها بالأحزاب الأخرى التي تمثلها قوى العرض، وقواعد الممارسة السياسية التي تمثلها قواعد العملية الانتخابية أو قواعد السوق الانتخابي كما تسميها المؤلفة.

وتتميز هذه النظرية بطبيعة ديناميكية تؤمن بأن قوة الأحزاب اليمينية الراديكالية هي نتاج لتفاعل قوى مختلفة، ومن ثم قد تتعرض هذه الأحزاب للهزيمة والأفول إذا لم تتمكن من مواكبة تغيرات السوق الانتخابي وتقلباته تماشيا مع تغير حاجات المواطن وتغير القواعد القانونية والثقافية التي تحكم هذه السوق.

"
خوض الأحزاب الراديكالية الانتخابات وفوزها فيها يعطيها نفوذا كبيرا على مستويات مختلفة، لذا يمثل منع هذه الأحزاب من خوض الانتخابات ضربة قوية لها
"
أسباب الصعود
وفقا للنظرية السابقة تسلط نوريس الضوء على ستة أسباب رئيسية ساهمت معا في صعود الأحزاب اليمينية الراديكالية في الدول الديمقراطية خلال العقود الأخيرة.

السبب الأول- القواعد القانونية التي تحكم العملية الانتخابية وطبيعة الأحزاب التي يسمح لها بخوض الانتخابات، وهنا توضح نوريس أن خوض الأحزاب اليمينية الراديكالية الانتخابات وفوزها فيها يعطيها نفوذا كبيرا على مستويات مختلفة، لذا يمثل منع هذه الأحزاب من خوض الانتخابات ضربة قوية لها.

وقد يحدث هذا المنع على مستويات مختلفة مثل جعل عملية ترشيح ممثلي الأحزاب الصغيرة صعبة كما هو الحال في أميركا، حيث يشترط القانون في بعض الولايات أن يتمكن كل مرشح من حصد عدد معين كبير من التوقيعات حتى يسمح له بخوض الانتخابات، ما يمثل تحديا قويا للجماعات الراديكالية الصغيرة بصفة عامة.

كما تنص قوانين بعض الدول الديمقراطية –كألمانيا وإسبانيا– على منع الأحزاب المتطرفة والمعادية للديمقراطية من خوض الانتخابات.

أما الدول الاشتراكية التي تحولت حديثا إلى الديمقراطية –مثل روسيا البيضاء– فتسيطر عليها نظم سلطوية تقطع الطريق على صعود هذه الأحزاب بطرق مختلفة ومباشرة في بعض الأحيان.

وهنا تشير المؤلفة إلى ضرورة عدم المبالغة في الحديث عن دور القواعد القانونية في التأثير على صعود الجماعات اليمينية الراديكالية، حيث ترى نوريس أن هذه القواعد يمكن أن تحد من قدرة هذه الجماعات على الوصول إلى البرلمان، ولكنها لا يمكن أن تحد من قدرتها على كسب تعاطف بعض الناخبين وأصواتهم.

وكقاعدة عامة ترفض بيبا نوريس المبالغة في الحديث عن دور أي سبب من الأسباب الرئيسية لصعود اليمين الراديكالي، حيث ترى أن قوة هذه الأسباب تكمن في تفاعلها مع بعضها بعضا وقدرتها مجتمعة على تشكيل البيئة المناسبة لصعود اليمين.

السبب الثاني- وجود بعض القواعد الاجتماعية المساندة لليمين الراديكالي في بعض المجتمعات الأوروبية، وهنا ترى المؤلفة أن الفقر والبطالة ليسا أسبابا كافية لانتشار الفكر اليميني، فالعنصرية والعداء للمهاجرين قد لا يكونان نتاجا للبطالة والفقر بقدر ما هما نتاج لأفكار وتوجهات عنصرية سائدة.

السبب الثالث- انتشار فجوة الثقة في الأحزاب والمؤسسات السياسية القائمة في مجتمعات غربية عديدة، وهي ظاهرة تساعد الأحزاب اليمينية الراديكالية على نشر أفكارها المتطرفة مستفيدة من حالة عدم الرضا المنتشرة وسط الجماهير ضد الأحزاب والمؤسسات السياسية الكبرى.

وهذا الأمر يسهل على الأحزاب الراديكالية نشر أيدولوجياتها الرافضة للوضع القائم التي قد لا تقدم بديلا سياسيا حقيقيا، ولذا ترى نوريس أن إشراك بعض هذه الأحزاب في الحكم يؤدي إلى تغير نظرتها وخطابها السياسي.

السبب الرابع- تغير الرأي العام في الدول الديمقراطية نتيجة مرور تلك المجتمعات بأحداث كبرى مثل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، أو بسبب التغيرات الدولية الناتجة عن تحولات العولمة مثل زيادة حركة الأفراد ورأس المال والأفكار عبر الحدود، أو بسبب التحولات الداخلية التي تمر بها المجتمعات الديمقراطية. هذا فضلا عن ظاهرة تغير الولاء الحزبي التي تؤدي إلى عدم ثبات القواعد الجماهيرية للأحزاب، حيث تتغير بتغير الأجيال ومرور الزمن بشكل تدريجي وطبيعي، وهو أمر يفرض على الساسة المرونة والتغير مع الظروف استجابة لرغبات الرأي العام المتطورة.

وهنا تعطي بيبا نوريس اهتماما كبيرا لتبعات ظاهرة العولمة، أو التغيرات الثقافية والاجتماعية التي تعرضت لها المجتمعات الديمقراطية نتيجة لقوى العولمة، مثل الهجرات ودعاوى التعددية الثقافية والدعاوى المضادة لها.

وتقول إن هذه التغيرات الكبرى والعديدة وصمت الأحزاب الكبرى، وإن فشلها في التعامل معها أعطى فرصة للأحزاب الراديكالية للتحرك وملء الفراغ.

السبب الخامس- تحرك الأحزاب الراديكالية النشطة لاستغلال حالة عدم الثقة السياسية في الأحزاب والمؤسسات السياسية الكبرى لنشر أيدولوجياتها المتطرفة.

"
تحرك الأحزاب الكبرى لاجتذاب القواعد الانتخابية بالتعامل مع القضايا الحساسة التي يثيرها اليمين الراديكالي يجعلها تتبنى بعض المواقف اليمينية في بعض الأحيان
"
وهنا تشير نوريس إلى قضية هامة وهي أن المجتمعات التي تعرف الأحزاب الكبرى المهيمنة –كما هو الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا- تجعل من الصعب على الأحزاب الراديكالية نشر أفكارها وبالتالي كسب مقاعد برلمانية نظرا لاحتكار الأحزاب الكبرى قدرا كبيرا من النفوذ السياسي والنفوذ داخل المجتمع.

وترغم الأحزاب الكبرى الأحزاب الراديكالية على التعامل مع القضايا المتعددة التي تتعامل معها الأحزاب الكبرى كقضايا الاقتصاد والأمن والتعليم والرفاهية مما يساعد على كشف أيدولوجيات الجماعات الراديكالية.

على الجانب الآخر تعطي النظم السياسية التي تعرف ظاهرة اقتسام عدد كبير من الأحزاب الكبيرة والصغيرة للمقاعد البرلمانية والسلطة، فرصة أسهل للأحزاب الراديكالية للوصول إلى السلطة والاستمرار في نشر رؤاها.

السبب السادس- سعي الأحزاب اليمينية فور وصولها البرلمان إلى بناء مؤسسات حزبية قوية تستغل فيها نفوذها السياسي والإعلامي لتحويله إلى قواعد جماهيرية أكبر وبنى مؤسساتية قادرة على الحفاظ على هذا النفوذ لفترات أطول.

وتمثل عملية التأسيس هذه تحديا سياسيا كبيرا أمام هذه الأحزاب قد يفشل بعضها في اجتيازه.

خاتمة ونبوءة
تنهي بيبا نوريس كتابها بنبوءة هامة ترى فيها أن صعود اليمين الراديكالي في المجتمعات الديمقراطية يسلط الضوء على قضايا اليمين الراديكالي من طرف الناخبين المؤيدين لهذه القضايا.

وذلك ما يمثل حافزا للأحزاب الكبرى للتحرك بهدف اجتذاب هذه القواعد الانتخابية بالتعامل مع القضايا الحساسة التي يثيرها اليمين الراديكالي وتبني بعض المواقف اليمينية في بعض الأحيان، ما يمثل اختبارا صعبا لهذه الأحزاب بصفة خاصة ولمستقبل الديمقراطية الغربية بصفة عامة.

المصدر : الجزيرة