عرض/إبراهيم غرايبة
تستحضر الرواية لكاتبها الروائي رشيد الضعيف أجواء بغداد وظروفها في فترة الصراع بين الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد على الخلافة، ورغم أن الرواية تاريخية في قالب روائي سردي فإنها بلا شك تقدم ظلالا وتداعيات حول العراق وبغداد اليوم في هذه الظروف الخاصة الاستثنائية، التي ربما تشبه بغداد في تلك المرحلة من الصراعات والفتن.

ورشيد الضعيف روائي لبناني جريء، صدرت له من قبل عدة روايات، مثل "تصطفل ميريل ستريب، 2001" و"إنسي السيارة، 2002" و"ليرننغ إنغليش، 1998" و"ناحية البراءة، 1997" و"غفلة التراب، 1991".

-الكتاب: معبد ينجح في بغداد
-المؤلف: رشيد الضعيف
-
عدد الصفحات: 222
-الناشر: دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005

الغناء زينة الدول والمجتمعات
كان الغناء في التاريخ العربي وبخاصة في بغداد والحجاز والأندلس واحدا من الفنون التي يحفل بها الخاصة والعامة، وكانت مجالس الغناء والطرب بمستوياتها الاجتماعية المتعددة تجذب الناس والشعراء والمغنين، ويتنافس فيها الأعيان والأثرياء على الإنفاق لأجل الغناء وشراء الجواري والعبيد وتدريبهم.

حتى إن بعض الأشراف والأثرياء كانوا يزورون قبر المغني خفيف بن سريج وينحرون الإبل بجواره لكثرة ما أحبوا غناءه، وكان معبد بن وهب يجعل السامعين ومنهم الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك يرقص في المجلس.

ويقال إن عطاء بن أبي رباح لقي ابن سريج مرة، فقال له: إنك تفتن الناس بأغانيك الخبيثة، فقال له: أسألك بالله أن تسمع مني أغنية واحدة، وأقسم بالله إن أمرتني بعدها بالتوقف عن الغناء لفعلت، فغنى ابن سريج بشعر جرير:

إن الذين غدوا بلبك غادروا
وشلا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي
ماذا لقيت من الهوى ولقينا

فاضطرب عطاء اضطرابا شديدا، وأمضى نهاره لا يكلم أحدا، يردد فقط هذا اللحن، ولم يعد يتعرض لابن سريج بعد ذلك بشيء ولا يزعجه ولا يتعرض لأحد من المغنين.

وفي تلك المرحلة كان إبراهيم الموصلي ثم ابنه إسحاق هما نجوم الغناء العربي، وكانا يغنيان في قصر هارون الرشيد ويجزل لهما العطاء، وممن شغل بالغناء من أشراف العرب إبراهيم بن المهدي أخو هارون الرشيد، وأخته علية.

ومعبد بن رباح بطل الرواية كان مغنيا في الحجاز، وسعى في الهجرة إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية في أواخر أيام الأمين بن هارون الرشيد، فتتداخل أحداث الصراع والغناء والسيرة الشخصية في تلك المرحلة التاريخية من الصراع بين الأخوين (الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد) على الخلافة.

ونتعرف مع الأحداث السياسية أيضا على الحياة الثقافية والفنية المعقدة والثرية في تلك الفترة، وعلى الجوانب المعتمة في التاريخ العربي والإسلامي مما نحب ألا ينشر ويتداول.

كان معبد يرعى الغنم لأسياده، ولكنه كان شاعرا ومغنيا مجيدا، وبحث عن فرصة للغناء، ولكن أهله وأسياده صدوه بقسوة، وبدأ يتردد على "خليدة" جارية جميلة الغناء يقصدها الناس من مختلف الطبقات في بيتها فتغني لهم، وقد تعلمت الغناء على بنت ابن سريج، فأعجبت به وبغنائه، وعلمها بعض أشعاره وألحانه.

وكانت خليدة في رعاية العزى وهو من أشراف العرب وقادتها وولاة الأمين، وقد منحها لخزيمة بن خازم من أشراف بغداد ومن المقربين إلى الخليفة الأمين، وكان يعرف بحب الغناء حبا لا يوصف، ودعا له العزى ما استطاع من الجواري المعروفات بالحسن والغناء، فأعجبته خليدة.

وغنته خليدة لمعبد:
فلوكان لي قلبان عشت بواحد
وخلفت قلبا في هواك يعذب

فطرب خزيمة طربا ذهب بعقله، وقام ووضع لحيته فوق الشمعة التي كانت تضيء المكان وأحرقها، وطلب من خليدة ألا تعيد الأغنية أبدا مخافة أن يحفظها أحد، وأخذها معه إلى بغداد، وخلفت معبدا في الحجاز، ولكنها لم تسعدها حياة بغداد على ثرائها ورقيها فمرضت وماتت.

"
كانت بغداد منقسمة على نفسها سياسيا في الصراع بين الأمين والمأمون وقد انقسمت أيضا فنيا وغنائيا، وجاءها معبد وهو لا يعلم شيئا عن ذلك، ولا يدري ماذا يفعل
"
بغداد عاصمة الخلافة والغناء
عندما بلغ معبدا خبر خليدة، وأن خزيمة بن خازم أحب غناءه كثيرا عزم على الرحيل إلى بغداد ليبدأ رحلة الغناء فيها، وكان حظه السيئ أنه وصل إليها وهي تخوض الحروب والصراعات وتوشك أن تقع في يد جيش المأمون.

وحين وصل إلى بغداد باع ناقته ليؤمن تكاليف الإقامة، وسأل عن "الفتيان" وهم مجموعة طارت أخبارهم في الآفاق يستضيفون الغرباء ويكرمونهم، يعملون في النهار، ويجمعون بما عملوا في المساء طعاما وشرابا ويمضون الليل مع ضيوفهم ممن يجدونهم من الفقراء وعابري السبيل يسهرون ويغنون.

ويقال إن الخليفة الأمين كان يزورهم في بعض الأحيان متخفيا، وكان من بينهم مغنون تقدموا في الغناء، مثل إبراهيم بن ميمون.

وكما كانت بغداد منقسمة على نفسها سياسيا في الصراع بين الأمين والمأمون فقد انقسمت أيضا فنيا وغنائيا، وجاءها معبد وهو لا يعلم شيئا عن ذلك، ولا يدري ماذا يفعل.

وتعرف عليه وهو يغني في أحد الحمامات التي يرتادها أشراف بغداد أحدهم وأعجب بغنائه كثيرا، وقال له انتظرني حتى أبعث لك أحدا من عندي، وفي المساء جاءه غلام جميل ملثم، وطلب منه أن يعلمه الغناء، ولكن معبد فتن بالغلام.

فانتفض الغلام، وقال: لا تفعل، يقتلك الخليفة، ولكنه لم يسمع كلام الغلام، وأراده لنفسه، فوجده جارية عذراء متخفية بثياب غلام، وخرجت من عنده تبكي!

ودعي معبد إلى منزل الشريف الذي أحب غناءه فأكرمه، وأخبره أنه يبحث عن خزيمة بن خازم، فعلم أنه اختفى بسبب الصراع الدائر، ولا أحد يعلم مكانه.

ونصحه أن يقصد الحانات للغناء، فقد بدأ الأشراف والقادة يقصدونها، ولم يعودوا منذ اشتعلت الحرب يقيمون مجالس للطرب والسمر في بيوتهم، ونصحه بحانة معينة يرتادها النخبة من الناس لا الرعاع والعيارون والسفهاء.

وفي حانة الشط تعرف معبد على "أبي زكار الأعمى" وصارت بينهما صداقة وألفة، وكان أبو زكار من شيعة المأمون الذي بدأ يتغلب، واقترب جيشه بقيادة الطاهر بين حسين من بغداد، وقتل أيضا علي بن عيسى بن ماهان قائد الأمين وأشد خصوم المأمون.

وفي تلك الأثناء هرب إسحاق بن إبراهيم مغني الأمين الأول، هرب مع أولاده وزوجاته وجواريه وآلاته وأمواله، وشعر الأمين بفراغ كبير، فطلب من عمه إبراهيم أن يبحث له عن مغن بديل، وكان معبد بدأ يعرف في بغداد.

امتحن إبراهيم وأخته علية غناء معبد فأعجبا به كثيرا، وصار مغنيا مقربا للأمين، وأعجب بغنائه، ولكن الأمين كان يعد أيامه الأخيرة، وبدأ يستعد للهرب من بغداد، وبينما معبد في هذه الحالة جاءه خادم وسلمه رسالة واختفى، ولما فتحها وجد فيها عبارة واحدة: انج بنفسك، وقتل الخليفة الأمين بعد أيام قليلة.

وهرب معبد إلى البصرة، ونزل فيها وهو حائر لا يعرف أين يتجه، فدعاه فتى رأى حيرته إلى بيت من البيوت، واستقبلته امرأة، وأنزلته في علية في البيت، وطلبت منه ألا يخرج إلا إذا سمحت له.

وبعد أن استقر الأمر بمعبد بن رباح عند هذه المرأة وشعر بالأمان بعد إقامة دامت سنة أخبرها أنه يبحث عن خزيمة بن خازم، الذي كان مستشارا مقربا للأمين، ثم اختلف معه واختفى عن الأنظار.

"
تقدم معبد في الغناء، ووصل إلى المأمون فأكرمه، ولكن قصته مع الجارية وصلت إلى المأمون فغضب عليه غضبا شديدا، وطرده، ولم يجرؤ أحد على إيوائه، حتى صار مشردا يعيش على الصدقات
"
ودلته المرأة على بيت خزيمة، ولكنه علم أنه خرج إلى الأهواز، فركب في سفينة استأجرها رجل لنفسه وعائلته، وبعد أن مضت السفينة في النهر جعلت الجواري يغنين، ثم طلب الرجل من إحدى جواريه أن تغني بلحن معبد بن رباح، فغنت لحنا علمه لخليدة، ولكنها لم تجد أداءه، فلم يتمالك معبد نفسه، وصاح بالجارية: إن أداءك ليس بمستقيم.

فغضب الرجل من تدخله، وقال له: من أنت حتى تتدخل، ثم غنت غناء آخر لمعبد، وأخلت أيضا ببعض أجزائه، فلم يتمالك معبد نفسه وصاح بالجارية: إنك تخلين باللحن إخلالا شديدا، فغضب الرجل وطلب من أعوانه أن يلقوه بالماء، فجعل يصرخ ويستغيث: أنا معبد بن رباح، أنا معبد بن رباح، اقطعوا رأسي إن كنت كاذبا، وغنى غناء جميلا لم يسمع من قبل، ثم أنس بالرجل وأنس به، وأخبره معبد أنه يبحث عن خزيمة بن خزام، فقال له: أنا خزيمة بن خزام.

عاد معبد مع خزيمة إلى البصرة وعلم جواريه الغناء، ثم عاد إلى المرأة التي أقام عندها من قبل، وعندما أراد العودة إلى بغداد بعدما استقرت الأمور للمأمون، وبدأت مجالس الغناء والسمر تعود إلى بغداد، أخبرته المرأة قصة عجيبة.

إنها امرأة عربية من قريش، وخطف النخاسون ابنتها الطفلة الصغيرة، ثم باعوها جارية إلى زبيدة أم الخليفة الأمين، وكانت هي التي واقعها معبد، وحملت منه، وقد أحبته كثيرا، وهي التي أرسلت إليه وهو في قصر الأمين لينجو بنفسه.

وتقدم معبد في الغناء، ووصل إلى المأمون وأكرمه، ولكن قصته مع الجارية وصلت إلى المأمون فغضب عليه غضبا شديدا، وطرده، ولم يجرؤ أحد على إيوائه، حتى صار مشردا يعيش على الصدقات.

ولكن خزيمة الذي أصبح مقربا من المأمون تشفع له، فعاد يغني في مجلس الخليفة مع إسحاق بن إبراهيم الموصلي، واستعاده المأمون غناء بشعر عمرو بن معد يكرب:

إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع

وأجزل له العطاء، وأهداه شارية الجارية التي ولدت منه وهي ملك للأمين في القصة العجيبة التي وردت.

"
عندما تغلب العباسيون لاحقوا الأمويين فقتلوهم وشردوهم ونهبوا قصورهم وضياعهم، بل إنهم نبشوا قبورهم وحرقوا عظامهم ونثروها في الأودية والسيول
"
صراع مهلك لا يتوقف
تأتي في الرواية مع الغناء وأخباره قصص عن الصراع لا تكاد تزول، فقد تغير الرشيد على البرامكة وزرائه ووزراء أبيه، وقتل جعفرا، وسجن عددا كبيرا منهم، ويقال إن عباسة أخت هارون الرشيد أحبت جعفرا، واستدرجته إلى فراشها وحملت منه، وعندما علم الرشيد غضب وقتله.

ثم بدأ الصراع بين الأمين وأخيه المأمون عندما أراد الأمين أن يغير ولاية العهد من أخيه المأمون كما أوصى هارون الرشيد إلى ابنه موسى.

ولكن المأمون الذي كان قائد الجند وواليا على خراسان، أرسل جيشا كبيرا بقيادة طاهر بن الحسين إلى بغداد وفتحها باسم المأمون.

وحاول الأمين الهرب إلى أخيه قبل أن يمسكه طاهر، ولكن هذا أمسكه وقتله، ولم يدعه لأخيه يرى فيه رأيه، فغضب المأمون على قائده، وحزن على أخيه الأمين وبكى كثيرا، وقتل طاهر بن الحسين.

وعندما تغلب العباسيون لاحقوا الأمويين، فقتلوهم وشردوهم ونهبوا قصورهم وضياعهم، بل إنهم نبشوا قبورهم وحرقوا عظامهم ونثروها في الأودية والسيول.

والأمويون من قبلهم استباحوا مكة والمدينة وأجروا مقتلة عظيمة في المهاجرين والأنصار وذريتهم، وأخرجوهم من ديارهم، حتى صارت مقولة الشاعر أبي قطيفة بهذه المناسبة من أجمل ما قيل وغني في الشوق والوجد.

قال:
القصر فالنخل فالجماء بينهما
أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

وعندما دب الخلاف على الحكم في عهد الأمين قال شاعر بغدادي من أنصار المأمون:

أضاع الخلافة غش الوزير
وفسق الإمام ورأي المشير
فعال الخليفة أعجوبة
وأعجب منه فعال الوزير
وأعجب من ذا وذا أننا
نبايع للطفل فينا الصغير.

المصدر : الجزيرة