عرض/ عاطف عبد الحميد
في معالجة سلسة وشيقة يهدف كتاب "أن تكون هنديا" للدبلوماسي الهندي بافان فارما إلى الإبحار في الشخصية الهندية، فمقابلة الفرد بالجماعة والفقر بالثراء والواقع بالأمل تمثل الأفكار الأساسية التي تسري بين دفتي هذا الكتاب.

لا يغرقنا الكتاب في المشكلات السياسية أو القضايا الإقليمية، كما لا يخدعنا بالاحتفاء بالصورة الجمالية لأكبر ديمقراطية في العالم، فالهدف الأساسي له تفصيص المجتمع من الداخل لدرجة تكاد تنبعث معها رائحة الهند الشهية التي نشتمّها مبهورين في الأسواق والمعابد والميادين.

- الكتاب: أن تكون هنديا
- المؤلف: بافان فارما
- عدد الصفحات: 238
- الناشر: بينغوين بوكس
- الطبعة: الأولى/ 2005

من الصورة للواقع

يستهل الكتاب رحلته بمقارنة الصورة التي يعرفها الناس عن الإنسان الهندي بالواقع الذي يعيشه هذا الإنسان. ويتفق المؤلف مع إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" في أن الصورة التي يعرفها العالم عن الهندي هي صورة استعمارية مغلوطة.

تطورت صورة الهندي عبر التاريخ لدى سكان العالم من الهندي "الحكيم" أو "الفيلسوف" إلى الهندي "المتعبد الورع" لتصل في العهد الاستعماري إلى "الكسول البليد" و"الخادم الأمين".

وفي حالات كثيرة زاوجت الصورة الاستشراقية بين الهندي الغارق في خرافات الجن وأساطير الآلهة وبين الهندي البارع الحاذق، أو بين الهندي الخانع والهندي الثائر.

وفي آخر أيام الاستعمار البريطاني في الهند أضاف غاندي بعدا جديدا للصورة النمطية عن الهندي بنشره سياسة اللاعنف، حينذاك سافرت صورة الهندي عبر المحيطات لتعلن ميلاد قوة جديدة لا نظير لها في التضحية والتحمل.

يعترف الكتاب بأن سياسة اللاعنف وإن ساعدت أخيرا في تحقيق الهند استقلالها، إلا أنها كانت قد جلبت كوارث متوالية حين تمكن الغزاة –كل الغزاة- من إخضاعها بسهولة عبر الألف سنة الماضية، بداية بسيوف المسلمين وانتهاء ببارود الإنجليز.

لم تتغير صفة اللاعنف التي يتسم بها الهندي كثيرا بامتلاك بلاده السلاح النووي الرادع للغزاة والانفصاليين. علينا في المحصلة أن نرى صورة الهندي -ينصحنا المؤلف- كمرئية تقترب ألوانها من التنوع والثراء أكثر ما تدنو من الارتباك والتشوش.

وإذا أدركنا هذا التنوع ربما نقتنع بأنه لا يوجد في الهند ما يمكن تسميته بمجتمع "الأغلبية"، فالوطن الهندي مليء بمجموعات الأقليات التي تجمعها ظاهريا الثقافة الهندوسية. ويتم فرز هذه الأقليات إما على أساس الطبقة أو المهنة، الثراء والغني، المستوى التعليمي، أو الطائفة والعرق، وهو ما يجعل ذلك البلد محيطا هائلا من الهويات شبه المنفصلة وإن بدت متلاصقة وسكنت متجاورة.

الطبقة والآلهة

"
الديانة الهندوسية تشغل مساحة مهيمنة في حياة الهندي، فالكثيرون يتعبدون ورعين والبعض ينتخبون من الدين ما يوافق هواهم وطموحاتهم المالية
"
لا تكتمل صورة التناقضات في حياة الهندي إلا حين يشبع الكتاب نظام الطبقات الهندوسي ما لذع من النقد. فهنا نجابه أسوأ نظام للتفرقة الطبقية عرفته الديانات، فتحت دعوى القدر الإلهي يعيش ملايين البشر في فئة المنبوذين في الدرك الأسفل من المجتمع. ويتساءل المؤلف: عن أي تسامح وتحمل نتحدث؟

لقد ترك تاريخ التفرقة الطبقية آثاره على البناء الهرمي للمجتمع، فغدت شخصية الهندي منذ التاريخ غير مستعدة لقبول التهميش فحسب، بل ومتفاخرة إن كان لها صلة، حقيقية أو وهمية، بأحد من أبناء الطبقات الأعلى. هكذا ترك الهندي نفسه منساقا، في تناغم قدري، مع هذا الترتيب العنصري.

ويبدو أن المؤلف لم يقتنع بعد بجدية الجهود التي تبذلها الدولة لإعادة تأهيل المنبوذين وإتاحة الفرصة لهم في المجتمع، بحجز مقاعد مخصصة في الجامعات والوظائف الحكومية.

فهو لم يقوّم تلك البرامج، ولم يأت حتى على ذكرها، واستمر في كيل الثقيل من النقد متجاوزا مرحلة جلد الذات إلى تشخيص الأزمات النفسية التي عاناها الإنسان الهندي. ومن هامش تلك الأزمات ينتخب المؤلف مشكلة الاستهواء الديني.

ويدعم المؤلف فرضيته بالاستشهاد بأشهر ما قدمه التلفاز الهندي من أعمال فنية ذات بعد ديني، حين عرض مسلسلا طويلا يتناول ملحمة "المهابهاراتا".

ولأن بطل الملحمة هو الإله "كريشنا" فقد تعلق المشاهدون بالممثل الذي شخص صورة ذلك الإله بشكل مهووس. لم تكن مفاجأة إذن أن ينتخب ذلك الممثل، الذي لم يجرب السياسة يوما، عضوا في البرلمان في أول انتخابات تشريعية أعقبت عرض المسلسل.

بهذه الحادثة ذات الدلالة يلج الكتاب إلى الديانة الهندوسية التي تشغل مساحة مهيمنة في حياة الهندي، الكثيرون يتعبدون ورعين، والبعض ينتخبون من الدين ما يوافق هواهم وطموحاتهم المالية.

ويركز الكتاب على إله شهير في حياة الهندي هو الإله "جانيش" الذي يصور في المعابد بصنم له جسم إنسان ورأس فيل. ليس هناك من عمل يقوم به الهندي إلا وجانيش حاضر فيه.

ولأنه إله الثروة والرزق، تقدم القرابين إليه قبيل أي مشروع تجاري، كما توضع أصنامه في البيوت والمحال التجارية، وتلصق صوره على عجلات الريكشا التي يجرها المعدمون أملا في زبائن أسخياء.

ينصحنا المؤلف أن نفهم العلاقة بين الإنسان الهندي وجانيش كعلاقة براغماتية وليست شكلا من أشكال نفاق الآلهة. ولا يتركنا لخيالنا قبل أن يمضي بنا في صور ملونة من المناسبات والطقوس، فيقف بنا هنيهة في معبد تيريوباثي لنحصي معه عوائد النذور والتبرعات التي تفوق مائة مليون دولار سنويا.

من تيريوباثي يغادر بنا الكتاب إلى طقوس عيد الأنوار الذي يحرص فيه ملايين الهندوس على ترك نوافذ وأبواب بيوتهم مفتوحة طوال اليوم والليلة حتى يفتحوا الطريق أمام الإلهة "لاكشمي" -إلهة الرزق والبركة أيضا- عساها تلج من أي منها فتجود على عبادها بسعة العطاء.

"
الصورة المتدينة للهندي تخفي وراءها كثيرا من صور الفساد التي تجتاح المجتمع
"

بين العوز والثراء
الصورة المتدينة للهندي تخفي وراءها كثيرا من صور الفساد التي تجتاح المجتمع. هنا يتهرب أصحاب الشركات من دفع الضرائب دون خوف من أن يحاسبهم أحد، كما تمضي تعاملات الأموال السوداء تستنزف 40% من اقتصاد الدولة وتضخها في جيوب الناهبين.

وبحمية وطنية، وربما بحماسة دينية تسعى إلى الخلاص من الذنوب، يقع المؤلف في شرك التعميمات فيصور لنا الطلاب في المدارس والجامعات يشترون الاختبارات ليحصلوا على شهادات علمية لا يستحقونها، ويتجول بين مواقع على الإنترنت تعرض في وضح النهار استعدادها لتقديم رسائل الماجستير والدكتوراه لمن يدفع، فنخرج من بين السطور وقد تجسدت الهند أمامنا مجتمعا غرق في الفساد حتى أذنيه.

وحين يشعر المؤلف أننا قد لا نصدق تعميماته يستشهد بما قدمته المنظمات العالمية التي وضعت الهند في ذيل قائمة الدول ذات الشفافية الاقتصادية. وكأنه يقول ألا تصدقوني؟

ويستشهد المؤلف بمقال في صحيفة تايمز الهندية تساءلت فيه "عما إذا كان شيء ما ينبت في تربة الهند الخصبة يدس في عروق الإنسان حيل الغش وأساليب الفساد".

من الفساد على مستوى الدولة إلى الفساد على مستوى الولاية يضع الكتاب عدسة مكبرة على ولاية بيهار -أفقر ولايات الهند- حيث لا يستطيع 55% من السكان تأمين وجبتين في اليوم لأطفالهم.

ولأن الهند بلد العجائب بقدر ما هي بلد المتناقضات، يروي لنا الكتاب قصصا شيقة عن أناس عاديين يعملون في جمع القمامة وفرزها، وعن أولئك المشبوهين الذين كانوا بالأمس مجهولين في زحمة شوارع مومباي ودلهي لا يمتلكون إلا القليل ليصبحوا اليوم على قائمة أغنى أغنياء الهند مشكلين العالم السري للنخبة الثرية.

تعيش النخبة الثرية في الهند حياة بالغة الترف على حساب الأغلبية المسروقة من الشعب، وهى حياة لا يجد المؤلف خيرا من التعبير عن حالها مما قاله المفكر الأميركي نعوم تشومسكي حين زار الهند في 1996 فأعرب متأثرا "لقد رأيت من ثراء النخبة في الهند ما لا عيني رأت في أي مكان في الدنيا".

"
طفرة تقنية المعلومات لدى العقول الهندية ظلت كامنة انتظارا للحظة التحرر من الاستعمار فأخرجت قدرات هائلة ستضمن للهند مستقبلا واعدا وعائدا ماليا هائلا
"

ثروة العقول الهندية
من الثروات المهدرة والمنهوبة إلى التوقف مليا عند ثروة الهندي العقلية، والمهارات الحسابية والهندسية منها بصفة خاصة.

الثورة الصامتة في الهند يصنعها اليوم أبناؤها ذوو العقول الماهرة الذين يحركون آلة العمل الإلكترونية في أكثر من 400 شركة حاسوبية عالمية افتتحت لها فروعا في الهند، كما يدفع تلك النهضة أولئك الأذكياء الذين سافروا إلى كبريات الشركات العالمية في الولايات المتحدة والغرب الأوروبي للإسهام في تقنيات البرمجة التي تتطور من ساعة لأخرى.

هل نعلم كم تجني الهند من عائدات المشروعات الإلكترونية التي أقيمت على أراضيها؟ فلننتظر إلى عام 2010 حين يصل الرقم إلى 50 مليار دولار لندرك أن عوائد هذه التقنية تعادل إجمالي صادرات الهند من كافة السلع.

إن المواهب الهندية الحاسوبية ستنقل الهند إلى مرتبة اقتصادية بنفس الدرجة التي نقلت بها صناعة المنسوجات بريطانيا إلى الانتعاشة الاقتصادية الكبرى، بل وستتخطى النقلة التي شكلها النفط في اقتصاديات دول الخليج العربية.

ولا يتوقف الكتاب كثيرا أمام التفاصيل التقنية لكيفية ازدهار صناعة الحواسيب والشرائح الإلكترونية في الهند، وقد يعطينا بعضا من الأمثلة العابرة، ولكنها معبرة، عن مدن مثل بانجالور التي لا يعرفها أغلب سكان العالم، وبفضل المصانع الإلكترونية في هذه المدينة لا تطرح شركة نوكيا العالمية أية جوالات في السوق العالمي دون شريحة بانجالور.

الأكثر أهمية لدى الكتاب الرجوع إلى الجذور التاريخية للتفوق الهندي في الحساب والهندسة، وهو يدلل على أن للهند الفضل الأكبر في تطور علوم الرياضيات الحديثة التي وصلت إلى أوروبا عن طريق العرب الذين عرفت لغتهم كلمة "الهندسة" نحتا من اسم "الهند".

طفرة تقنية المعلومات لدى العقول الهندية اليوم ليست مبتورة عن جذورها التاريخية، هي فقط ظلت كامنة انتظارا للحظة التحرر من الاستعمار فأخرجت القدرات الهائلة التي ستضمن للهند مستقبلا واعدا وعائدا ماليا هائلا.

"
الهندوسية كمميز حضاري تصالحت بدرجة أو بأخرى مع كل من جاؤوا على أرضها باختلاف دياناتهم
"

الهندوسية والإسلام
تمكنت الشخصية الهندية من استيعاب كل من جاء عليها محتلا أو زائرا، عابرا أو مقيما، فصهرت الجميع في بوتقة واحدة. بهذا التقرير يطمئن المؤلف قراء كتابه بأن الهندوسية كمميز حضاري تصالحت بدرجة أو بأخرى مع كل من جاؤوا على أرضها باختلاف دياناتهم.

ما زالت الهندوسية تحيا تحت جلد البوذية وفي عروق السيخية، وهما ديانتان تشكلتا كحركتي اعتراض بروتستانتي على الهندوسية، كما استوعبت تلك الديانة المسلمين الذين أتوا إليها وأخذت منهم وأضافت إليهم.

الهندوسية إذن، يمضي الكتاب، ليست في خطر يشنه عليها المسلمون أو المنصّرون، إن هي إلا فكرة روج لها مجانين العظمة من الأصوليين الهندوس والمحترفين السياسيين الطامعين في أصوات الناخبين.

ولا يختم المؤلف كتابه قبل أن يعرج على حالة المسلمين في الهند، وكيف أنهم دون مستوى التمثيل السياسي، ودون حصتهم الوظيفية في الدوائر الحكومية، ويشكلون أكثر الفقراء في الهند.

لا يعفى قادة هذه الأقلية ومفكروها من تهمة البقاء في خندق الأقلية، وعدم اغتنام فرصة العلمانية في الدولة والمشاركة في مسار الحياة المتسارع. عليهم إذن أن يطوروا تعليمهم، ويعدلوا من مناهجهم التي يدرسونها في جامعاتهم ومدارسهم لصالح مواد أكثر عصرية ودنيوية.

"أن تكون هنديا" عرض بانورامي يمازج بين الفلسفة والدين والأنثروبولوجيا، وهو كتاب لا يثقل قارئه بالمراجع والهوامش والشروحات التفسيرية، بل يأخذ يده بخفة ورشاقة إلى داخل الهند، بلد الألف وجه.

المصدر : الجزيرة