عرض/ علاء بيومي
قراءة كتاب "الإسلام والأميركي الأسود.. نظرة تجاه الإحياء الثالث" ضرورة لكل مهتم بحاضر ومستقبل الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة، وإن كان الكتاب لا يصلح كمقدمة عن الإسلام في أميركا نظرا لهدفه الساعي للوقوف على نظرية متقدمة تفسر أسباب انتشار الإسلام في الولايات المتحدة ومستقبله هناك، ودور الأفارقة الأميركيين أو المسلمين الأميركيين السود كما يسميهم المؤلف.

-الكتاب: الإسلام والأميركي الأسود: نظرة تجاه الإحياء الثالث
-المؤلف: شرمان جاكسون
-الناشر: أكسفورد يونيفرسيتي برس، نيويورك
-عدد الصفحات: 235 
-الطبعة: الأولى 2005

لذا لا يحتوي الكتاب على سرد لتاريخ المسلمين في أميركا أو لمنظماتهم وتعدادهم وأماكن تواجدهم كما هو الحال في المقدمات التعريفية، كما يتميز الكتاب بدرجة من التعقد والصعوبة الناتجة عن جمل المؤلف الطويلة والمركبة ولغته المليئة بالمصطلحات الأدبية والفلسفية، وعشرات الحجج التي يمتلئ بها الكتاب والتي تدفع القارئ للتوقف وإمعان النظر كل عدة صفحات بشكل لا يخلو من إجهاد ومثابرة فكرية.

ويمتلئ الكتاب بهذه الحجج التي تتحدى الفهم المتعارف عليه لتاريخ ومستقبل الإسلام في أميركا بأسلوب نقدي لا يخلو من تحدٍّ وشكوى واعتراض ومهاجمة ونقد لدور العنصرية البيضاء والأفارقة الأميركيين والمسلمين السود والمسلمين المهاجرين وفهم العالم الإسلامي المعاصر للإسلام، لدرجة قد تدفع القارئ غير الصبور أو المنطلق من معتقدات أيدولوجية قوية إلى عدم إكمال قراءة الكتاب لما يحتوي عليه من أفكار ناقدة لجهات عديدة ومختلفة.

ولكن عدم الانتهاء من قراءة الكتاب حتى فصله قبل الأخير -على الأقل- مضرة لأنه في مقدمته وفصوله الخمسة يحتوي على عدد يصعب حصره من الحجج المثيرة، كما يؤجل المؤلف مقترحاته وحلوله إلى نهاية الفصل الرابع ما يجعل الانتهاء من قراءة الكتاب ضرورة مرهقة لا مفر منها وإن كانت مفيدة.

المؤلف هو شرمان (عبد الحكيم) جاكسون أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة ميتشيغان الأميركية، وهو أكاديمي وناشط مسلم أميركي معروف في الأوساط المسلمة الأميركية. والكتاب صادر عن مطابع جامعة أكسفورد الأميركية العريقة كعلامة على جدية الكتاب وكفاءة مؤلفة العلمية.

أهمية الكتاب

"
جذور الإسلام في أميركا تعود إلى شيء يسمى "الدين الأسود"، والمسلمون السود اعتنقوا الإسلام لأنهم يريدون ثقافة يشعرون فيها بالملكية والسلطة والسيطرة
"
أهمية "الإسلام والأميركي الأسود" تعود إلى أسباب عديدة، ففصول الكتاب الخمسة لا تفتقر إلى عشرات الأفكار والحجج المثيرة، كما أن الكتاب صادر في فترة –بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001- يزداد فيها الجدل بين المسلمين الأميركيين أنفسهم حول دور الإسلام في تحفيز اندماج أو عزلة المسلمين عن المجتمع الأميركي، وفي ظل اهتمام فكري وإعلامي وسياسي غير مسبوق من نخب المجتمع الأميركي.

لكن أحد أهم وأطرف أسباب أهمية الكتاب يكمن في مقدمته خاصة في صفحاتها الأولى، والتي تتميز بدرجة عالية من التنظير وجذب انتباه القارئ لهدف الكتاب المتمثل في معاناة الأفارقة الأميركيين ودور الإسلام في رفع أو تعميق هذه المعاناة وأثر كل هذا على مستقبل الإسلام في أميركا.

بمعنى أخر الصفحات الأولى من الكتاب لا تدع فرصة للقارئ لأن يلتقط أنفاسه، ففي صفحاته الثلاثة الأولى يخبرك المؤلف أن الكتاب غير وصفي ولا يسعى لسرد تاريخ المسلمين في أميركا، وأنه مكتوب ضد العنصرية البيضاء وحديثها عن عالمية قيمها، كما أنه يرفض حديث الإسلام المهاجر عن عالمية قيمه. كما يقول المؤلف إن جذور الإسلام في أميركا تعود إلى شيء يسمى "الدين الأسود"، وأن المسلمين السود اعتنقوا الإسلام لأنهم يريدون ثقافة يشعرون فيها بالملكية والسلطة والسيطرة، وأن الإسلام المهاجر لا يفهم المسلمين السود ولا يعطيهم السلطة الكافية، وأن المسلمين السود لا يريدون الذوبان في الهوية المسلمة أو في الهوية الأميركية، وأن المسلمين السود أقلية مهمشة تعاني من الصراع مع العنصرية البيضاء، ومع الأفارقة الأميركيين غير المسلمين الذين يشعرون بأن الإسلام يمثل تهديدا لهم، ومع المسلمين المهاجرين الذين فشلوا في فهم تراث المسلمين السود واحتكروا سلطة السيطرة على الإسلام، وأن الحل لكل هذا هو "الإحياء الثالث" الذي سيحل عقد هوية السود الأميركيين المسلمين.

"
الكتاب لا يخلو من نبرة ثورية وبشكل يحاول ربط القارئ بأزمة الهوية المسلمة الأميركية السوداء والتحدي الذي يواجه مستقبل الإسلام في أميركا
"
وإذا كانت الأفكار السابقة لا تكفي لجذب انتباه القارئ وإشعاره بأزمة الهوية السوداء الأميركية المسلمة -كما يسميها المؤلف- فعليه أن يقرأ بعض حجج الكتاب الداخلية التي تقول بأن السود المسيحيين أصبحوا أكثر قدرة على مخاطبة قضايا السود الأميركيين مقارنة بالسود المسلمين (ص73)، وأن الإسلام المهاجر أصبح عاملا مساندا لمشاكل السود في أميركا (ص73)، وأن لويس فرقان زعيم جماعة "أمة الإسلام" التي لا تنتمي لتيار الإسلام الصحيح أصبح المسلم الأسود الوحيد صاحب الوجود في دوائر الرأي العام الأميركية (ص77)، في إشارة إلى عجز الإسلام الأميركي في العقود الثلاثة الأخيرة عن إنتاج قادة مسلمين سود لهم إسهام واضح في المجتمع الأميركي، وأن الإسلام سيكون يتيما في أميركا بدون الإسلام الأسود الأميركي (ص133)، وأن الوضع الراهن في المجتمع المسلم الأميركي يقود إلى ثنائية غير عادلة يترقى فيها اجتماعيا واقتصاديا المسلمون المهاجرون الذين لا يترددون في الانضمام إلى الأغلبية الأميركية البيضاء، ويتدهور فيها المسلمون الأميركيون السود الذين أصبحوا يفهمون الإسلام بشكل يكرس وجودهم كأقلية أميركية مستضعفة (ص138).

الأفكار السابقة ليست دعوة للنظر إلى الكتاب على أنه ضد الإسلام أو المسلمين، أو على أنه يهدف إلى الإثارة والنقد الهدام، ولكنها –في المقابل– دعوة لجذب اهتمام القارئ الجاد بالكتاب المتميز وضرورة دراسته، بغض النظر عن حجم الاتفاق أو الاختلاف مع حججه العديدة والمثيرة. فالكتاب لا ينتمي لفئة الكتب الاحتفالية بالوجود المسلم بأميركا والتي تقرأ للاستمتاع بمضمونها الإيجابي، كما أنه لا ينتمي للكتب الهدامة التي يسهل التعامل معها بتجاهلها أو بقراءتها لفضح ما فيها من تجاوزات.

في المقابل الكتاب الراهن مكتوب من داخل المجتمع المسلم الأميركي بنبرة لا تخلو من ثورية وبشكل يحاول ربط القارئ بأزمة الهوية المسلمة الأميركية السوداء والتحدي الذي يواجه مستقبل الإسلام في أميركا.

مستقبل الإسلام رهن بتوطينه

"
الدين الأسود ليس لديه نصوص أو شعائر أو مؤسسات دينية، فهو شعور راسخ في الشخصية السوداء الأميركية ضد العنصرية البيضاء يرتبط بتقاليد ثقافية مختلفة تستخدم لمعارضة تلك العنصرية
"
يعتقد المؤلف بأن مستقبل الإسلام في أميركا رهن بتوطينه، وأن السود الأميركيين هم الأولى والأقدر على ذلك، وأن الأسلوب العام الذي يدار به الإسلام حاليا في المجتمعات المسلمة الأميركية لا يمنح السود الأميركيين المسلمين السلطة الكافية للشعور بملكيتهم المشتركة للإسلام مع المسلمين المهاجرين، بدرجة تمكنهم من إجادته وفهمه بشكل لا يتعارض مع ميراثهم الثقافي الأسود الأميركي الفريد ولا مع حقيقة كونهم أميركيين، وبشكل يمكنهم من مواجهة التحديات الكبرى التي تواجههم بما في ذلك تحدي "الاستشراق الأسود" الذي يفرد له المؤلف الفصل الثالث من كتابه، في إشارة إلى ظهور حركات الاستشراق السوداء الأميركية التي باتت تشعر بأن انتشار الإسلام في أميركا يمثل تهديدا لها، خاصة لانتشاره في مجتمعاتهم ووسط إخوانهم السود، ما دفع بعضهم إلى الانخراط في الحركات المضادة للإسلام في أميركا.

صفحات الكتاب محاولة جادة لإبراز هذا العبء الثقيل الواقع على صدور السود الأميركيين المسلمين، ومحاولة لا تخلو من اعتراض وثورية ونقد، فالمؤلف يؤمن بأن المقاومة أحد أهم مكونات دين وجوهر وروح الشخصية السوداء الأميركية، الأمر الذي يقودنا إلى شرح أهم أفكار الكتاب.

يرى المؤلف أن السود ليسوا أفارقة بل هم ظاهرة أميركية كما يقول في الصفحة 157 من الكتاب، فالسود نتاج لخبرة العبودية في أميركا، فهم ليسوا أفارقة، أو أفارقة أميركيين، وإنما هم سود أميركيون بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني وخبرات تاريخية مؤلمة ذات بصمة عميقة.

وهنا يرى جاكسون أن بصمة العبودية لم ولن تنمحي، فالسود في أميركا سيبقون سودا أميركيين، ومن يدعون لذوبان السود الأميركيين في أي هوية دينية أو وطنية أخرى يعملون ضد مصالح وهوية السود الأميركيين.

لذا يتحتم على المسلمين في أميركا أن يفهموا تلك الحقيقة وأن يفهموا دين السود الأميركيين المسلمين الأصلي الذي يسميه جاكسون "الدين الأسود"، وهو في الحقيقة ليس دينا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، إذ ليس لديه نصوص دينية أو شعائر أو مؤسسات دينية، وإنما شعور راسخ في الشخصية السوداء الأميركية ضد العنصرية البيضاء يرتبط بتقاليد ثقافية مختلفة تستخدم لمعارضة تلك العنصرية، وقد تتغير التقاليد ولكن عاطفة المقاومة والمعارضة تبقى.

حركات الإحياء الإسلامي

"
لابد من تنقية فهم المسلمين الأميركيين للإسلام بشكل يشجع السود الأميركيين على تبني الأبعاد الإيجابية في الثقافة الأميركية وعلى رأسها قيم التعليم والنظام والعمل الجاد
"
وهنا يقول جاكسون إن الدين الأسود سبب انتشار الإسلام في أميركا، فهو الذي دفع السود للبحث عن ثقافة وهوية فرعية خارج المحيط الثقافي الأميركي، وهو الذي جعلهم يعتنقون المسيحية التي أعدتهم إلى حد ما لاعتناق الإسلام في حركة سماها جاكسون بحركة "الإحياء الأول".

ثم جاء المؤسلمون الأميركيون الأوائل –مثل آلاغا محمد مؤسس حركة أمة الإسلام– الذين رأوا أن المسيحية في أميركا لا تساعدهم بشكل كاف للثورة على ثقافة الرجل الأبيض، لذا بحثوا في الدين الأسود الذي يركز على الثقافة الأفريقية الشرقية فوجدوا الإسلام شرقيا فسطوا عليه، في عمليه أشبه بالسطو على بضاعة فكرية واقتباسها.

فالمؤسلمون الأوائل -كما يسميهم المؤلف- الذين أسسوا حركة الإحياء الإسلامي الثانية لم يفهموا الإسلام ولم يهتموا حتى بفهمه أو دراسته، بل سطوا على الأسماء والرموز المسلمة ودمجوها مع الدين الأسود في حركة وجهت أساسا ضد العنصرية البيضاء ولكنها مهدت لانتشار الإسلام.

الإحياء الثالث بدأ منتصف الستينات –ولم ينته حتى الآن- عندما غيرت أميركا قوانين الهجرة واستقدمت عشرات الآلاف من المسلمين المهاجرين من أعلى المستويات التعليمية والفكرية، ما سهل عملية انخراطهم في الطبقة الوسطى الأميركية البيضاء، كما رحب السود الأميركيون السود بهم ورأوا في مستوياتهم التعليمية العالية مصدر فخر لديانتهم الجديدة.

المشكلة –كما يراها المؤلف– تكمن في نوع العلاقة بين الإسلام المهاجر والإسلام الأميركي الأسود، فالمسلمون المهاجرون احتكروا سلطة تفسير الإسلام، ولم يعكسوا -للأسف- الإسلام في تفسيرهم بقدر ما عكسوا فهمهم له، وهو الفهم الذي يصفه جاكسون بأنه "دين ما بعد الاستعمار"، في إشارة إلى أن الغرب الذي استعبد السود في أميركا هو نفس الغرب الذي استعمر المسلمين في العالم الإسلامي، وإلى أن فهم المسلمين للإسلام اليوم يعاني من آثار الاستعمار كما يعاني فهم السود لهويتهم من آثار العبودية.

مشكلة الإسلام المهاجر تكمن حسب جاكسون في استعلائه وعدم اعترافه بمشاكله الفكرية، وفي رفضه للجذور الثقافية الأميركية للهوية المسلمة السوداء بحكم معاداة العالم الإسلامي الثقافية للغرب، ما حرم السود الأميركيين من الارتباط بجذورهم الثقافية. في الوقت نفسه وجد ضعاف النفوس من السود الأميركيين في عداء الإسلام المهاجر للغرب فرصة لرفض العمل الجاد على تغيير ظروفهم وأوضاعهم إلى الأحسن داخل المجتمع الأميركي، مستخدمين في ذلك مصطلحات إسلامية مغلوطة.

لذا يدعو جاكسون في نهاية الكتاب إلى تنقية فهم المسلمين الأميركيين للإسلام بشكل يشجع السود الأميركيين على تبني الأبعاد الإيجابية في الثقافة الأميركية وعلى رأسها قيم التعليم والنظام والعمل الجاد التي منحها المؤلف اهتماما خاصا.

المصدر : الجزيرة