عرض/إبراهيم غرايبة
يعبر كتاب "هل الرأسمالية أخلاقية؟" عن وجهه نظر النخبة الفرنسية تجاه مجريات العالم المادي والروحي.

وهو يرى أنها ليست إبداعا فرديا ولا مجتمعيا، بل هي مسار تاريخي تشارك فيه الإنسانية.

ويحذر الكتاب من الرأسمالية غير الأخلاقية لأنها وصفة لانهيار الحضارة، فقد فقدت خصمها القوي الشيوعية الذي كان يوفر لها التبرير السلبي لوجودها.

ولأن المجتمعات الرأسمالية لا تحتمل الفراغ فإنها تبحث عن "عدو" يشكل نقيضا لها، وقد تراءى للبعض أن هذا العدو قد يكون المسلمين.

- الكتاب: هل الرأسمالية أخلاقية؟
- المؤلف: أندريه كونت سبونفيل
- المترجم: بسام حجار
- عدد الصفحات: 198
- الناشر: دار الساقي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2005

عودة الأخلاق
لا يعني الحديث عن "عودة الأخلاق" أن الناس اليوم صالحون أكثر مما كان عليه حال الجيل السابق، فالعودة إلى الأخلاق لا تتم لأن الناس هم حقا أكثر صلاحا، بل لأن الأخلاق غدت أكثر فأكثر، مادة لحديثهم بحيث يسعنا افتراض أنهم يتحدثون عنها بمقدار ما هي غائبة عن واقع السلوك البشري.

كانت السياسة تبدو قبل عشرين عاما كل شيء، والسياسة الجيدة كانت تبدو في نظرنا هي الأخلاق الضرورية الوحيدة، ولكن في نظر الكثير من الشبان اليوم الأخلاق هي كل شيء، والأخلاق الجيدة في نظرهم هي سياسة كافية إلى حد بعيد.

الأخلاق والسياسة أمران مختلفان، ولا يجوز الخلط بينهما، لأن هذا الخلط يفسد ما هو جوهري في كليهما، فنحن نحتاج إليهما معا، كما نحتاج إلى الفرق بينهما، فنحتاج إلى أخلاق تختزل بسياسة، ونحتاج أيضا إلى سياسة لا يمكن اختزالها بأخلاق ما.

ثمة شيء ما يسعى إلى التشكل ربما، وقد نشير إليه بوصفه "جيلا روحيا" أو لنقل إنه جيل يجعل مجددا من المسألة الروحية التي كنا نحسب أنها بطلت قبل عقود من الزمن مسألته.

ما هي المسألة الروحية؟ لو توخينا المبالغة في التبسيط لقلنا إن المسألة هي مسألة ما هو صائب وما هو غير صائب. والمسألة الأخلاقية هي مسألة الخير والشر، ومسألة الإنساني وغير الإنساني.

أما المسألة الروحية فهي مسألة المعنى، أي أنها أيضا مسألة اللامعنى، ويبدو أن هذه المسألة هي التي تنزع منذ سنوات، إلى احتلال الصدارة في أذهان وقلوب الشبان المعنيين بأمور أخرى غير كرة القدم و"اللوف ستوريز" أو ستار أكاديمي.

ما هو العمل الأدبي الذي حقق القدر الأكبر من النجاح والإقبال في فرنسا أواخر التسعينات؟ إنه عمل لكاتب مغمور، وافد من أحد بلدان العالم الثالث، كتاب يحمل عنوان "باطني المعنى، خال من الجنس، ولا يحوي سطرا واحدا من العنف"، وقد لبث هذا الكتاب لأكثر من عام على رأس قائمة الأكثر بيعا.

والحال أن قراء باولو كويلو، يعلمون جيدا ما فحوى الكتاب: فهو ليس أكثر من سرد لرحلة بحث روحاني.

"
الأخلاق والسياسة أمران مختلفان ولا يجوز الخلط بينهما، لأن هذا الخلط يفسد ما هو جوهري في كليهما
"
ولو صدر هذا الكتاب قبل عشرة أعوام لما لفت الأنظار، والأرجح أن أحدا لن يذكره بعد عشرين عاما، غير أنه صدر في لحظة مواتية، فكان له ذاك القدر الهائل من النجاح، المبالغ فيه بعض الشيء.

غير أن هذا هو المقصود بالضبط: فإن يكون الكتاب متوسط الجودة (أي إنه ليس التحفة الأدبية التي احتفى بها البعض، وفي الوقت نفسه ليس كتابا لا قيمة له البتة كما سارع إلى وصفه عدد من المثقفين الباريسيين المقدمين على تسفيه نجاحات الآخرين)، يعني بوضوح أن الأمر يتعلق بظاهرة اجتماعية أكثر منه بظاهرة أدبية وأنه من الخطأ من زاوية النظر هذه على الأقل، أن يبخس قدره.

ويقول أحد الأساتذة المشهورين: "قبل ثلاثين عاما، كنت أحدث تلاميذي، عندما أريد أن أحظى بانتباههم، في السياسة، وعندما أريد أن أضحكهم في الدين، أما اليوم فما يجري هو العكس".

هل لانهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي صلة بعودة الأخلاق؟ طوال سنوات الحرب الباردة، ومن بعدها سنوات التعايش السلمي، كان متاحا للرأسمالية، للغرب الليبرالي، للعالم الحر، كما كان يسمى، أن يجد مبررا كافيا لوجوده، من وجهة نظر أخلاقية، ومن خلال مواجهته النظام الشيوعي.

فمن كانوا يرون في الشيوعية شرا مطلقا كان الاستنتاج البديهي في نظرهم هو أن الرأسمالية تستمد شرعيتها من خلال تصديها لهذا الشر المطلق.

بريجنيف لم يعد موجودا، ولكن هناك بن لادن، هذه الإجابة وجيهة بلا ريب، خاصة أن الاختلاف هنا هو اختلاف في الموضوع، فما كان يرمز إليه بريجنيف إنما هو بديل اجتماعي وسياسي واقتصادي للرأسمالية، هو الاشتراكية بمعناها الماركسي، أما بن لادن فلا يرمز إلى شيء من هذا القبيل.

فالإسلام لا يحرم الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والتبادل، ولا حرية السوق، ولا العمل المأجور، التي هي ركائز النظام الرأسمالي الثلاث.

وبالتالي فإن ما يرمز إليه بن لادن ليس هو البديل الاجتماعي والاقتصادي للرأسمالية، بل يرمز إلى قيم أخرى وإلى مثل أخرى وإلى قواعد أخرى وأخلاق أخرى بل وحتى حضارة أخرى.

"
القانون ليس كل شيء، والسياسة ليست كل شيء، والشعب ليس كل شيء، فالحل يكون إذن من الخارج، في الأخلاق إذ يقتضي الوازع الأخلاقي رفض مشروع حتى لو كان الدستور يبيح اتخاذه
"
مشكلة الحدود والتمييز بين الأنساق
لماذا مشكلة الحدود؟ لأننا ما إن نتخل عن مبدأ "كل شيء مباح" حتى تطرح مسألة العلم بغير المباح، والحال أن التساؤل بشأن غير المباح إنما هو الطرح لمشكلة الحدود.

يحدث اليوم أن يغدو الممكن مرعبا، ذلك أن التقدم التقني ليس ضمانة، فقد ينقلب ضدنا، إلى حد قد يهدد معه وجود البشرية بالذات، من خلال التلاعب بالجينات الوراثية مثلا، أو من خلال حرب نووية محتملة، أو من خلال التلوث، من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى ثقب الأوزون.

أما الاقتصاد فهو مهدد يوميا، وعلى نحو أبسط وإن كان في الأغلب أكثر دراماتيكية، وهو يهدد ظروف حياة الملايين من معاصرينا.

ما الذي سيأتي من الخارج، لكي يحد هذا النسق العلمي التقني؟ نسق آخر، يمكن تسميته "النسق القانوني السياسي" أي القانون، والدولة.

من سيقول لنا مثلا ما إذا كان لنا الحق في إجراء عمليات الاستنساخ البشري أو التعديل الوراثي على الخلايا الجنينية التي باتت ممكنة تقنيا؟

والجواب أن المشرع هو إرادة الشعب، السيد في ديمقراطيتنا، بوساطة ممثليه.

هذا النسق القانوني السياسي مبني من داخله على التعارض بين ما هو شرعي، وما هو غير شرعي، قانونيا هناك ما يسمح به القانون وما يحظره، وسياسيا هناك من هم مؤهلون لسن القوانين (الأغلبية الممثلة في البرلمان) ومن هم غير مؤهلين لسن القوانين (الأقلية المعارضة).

هناك سببان يدعواننا إلى تحديد النسق القانوني السياسي: سبب فردي، وذلك لاجتناب طيف الشعب الذي يمتلك كل الحقوق بما فيها الأسوأ، وبما أن هذا النسق عاجز كسابقه عن أن يحد نفسه بنفسه لا يسعنا تحديده مجددا إلا من الخارج، لأنه لا حدود للديمقراطية ولا حدود قانونية أو سياسية للقانون وللسياسة.

فإذا كنا لا نمتلك الحق، كأفراد في أن نكون أوغادا ملتزمين بالشرعية، وإذا كان الشعب على نحو جمعي، لا يمتلك الحقوق، فليس ذلك لأسباب قانونية أو سياسية، بل لأسباب أخلاقية لأننا لسنا خاضعين فقط لعدد من القيود القانونية أو السياسية، بل أيضا لعدد من المقتضيات الأخلاقية البحتة.

القانون ليس كل شيء، والسياسة ليست كل شيء، والشعب ليس كل شيء، فالحل يكون إذن من الخارج، فهذا ما يحول دون امتلاك الحاكم، مهما كان كل الحقوق، فالأخلاق من الخارج، تتصدى لهذا الأمر، إذ يقتضي الوازع الأخلاقي رفض مشروع قانون عنصري حتى لو كان الدستور يبيح اتخاذه.

لعل المسألة التي تطرح، بشأن هذا النسق كما هي الحال بشأن الأنساق الأخرى هي مسألة حده أو مسألة عدم اكتماله. فهل ينبغي لنا أن نحد هذا النسق بدوره وأن نكمله وبماذا؟

في هذا النسق تلتقي أشكال الحب الثلاثة: حب الحقيقة، وحب الحرية، وحب الإنسانية، يتدخل الحب في الأنساق السابقة، ولكن من دون أن يلغيها، بل يتدخل كدافع للذات الفردية أكثر منه كضابط للنظام.

هكذا نحتاج إلى هذه الأنساق الأربعة معا، في استقلالها النسبي على الأقل باعتبار أنها ضرورية جميعها ولا واحد منها كاف بذاته.

"
الأخلاق تعنى بالغايات، أما السياسة فتعنى بالوسائل، ولذلك فإننا نحتاج إلى الاثنين معا، لأنه عندما يقتصر كلامنا على الأخلاق في حين يدور كلام الآخرين عن المصالح، ندخل في لعبة البرابرة
"
هل الرأسمالية نظام أخلاقي؟
بماذا يتيح التمييز بين الأنساق الإجابة عن السؤال الرئيس، عنوان هذا الكتاب، "الرأسمالية، هل هي نظام أخلاقي؟"

من وجهة نظر وصفية وبنيوية يقال إن الرأسمالية هي نظام اقتصادي مبني على الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والتبادل، وعلى حرية السوق والعمل المأجور.

إن خاصية الرأسمالية لا تكمن في إنتاج القيمة الزائدة من قبل من يعملون، بل في الاستيلاء عليها، جزئيا على الأقل، من قبل من يملكون أدوات الإنتاج.

غير أن هذا لا يحول دون عمل الرأسماليين أنفسهم، إذا رغبوا في ذلك، دون أن يكونوا مجبرين على ذلك، كما أن هذا لا يحول دون امتلاك الأجراء أسهما في منشآتهم، إذا أتيح لهم ذلك، مع إن هذا لا يغير شيئا من كونهم أجراء.

إن التناقض بين رأس المال والعمل سواء كان رب العمل مالكا أم لا، وسواء كان الأجراء من مالكي الأسهم أم لا، يبقى عنصرا بارزا وجوهريا في الرأسمالية.

ولكن للرأسمالية تعريفا آخر ليس وصفيا بل وظيفيا: إنه لا ينبئ بما تقوم به الرأسمالية، بل بما يستفاد منها، فمن وجهة نظر وظيفية، أقترح عليكم التعريف التالي: "الرأسمالية نظام اقتصادي فائدته أنه بالثروة ينتج المزيد من الثروة".

والصعوبة تكمن في أننا جميعا نقيم على الدوام في هذه الأنساق في وقت معا، ولا شيء يضمن أنها تتخذ جميعها الوجهة نفسها لاختلاف بنائها الداخلي واستقلالها عن بعضها البعض.

والتمييز بين هذه الأنساق ليس سوى عناوين للقراءة أو التحليل وهو في حد ذاته، لا يبتكر حلا لأي مشكلة، إذ يبدو أنه غالبا ما يساعد في طرح المشكلات على نحو أفضل، إنه أداة للتحليل وعون على القرار.

باختصار إن ما يتصف بالقيمة الأسمى في نظر الأفراد ليس إطلاقا ما يكتسب أهمية قصوى في نظر الجماعات، والعكس صحيح.

إن الغرض من المنشأة في بلد رأسمالي ليس التصدي للبطالة بل هو الربح، فلا توفر عملا للناس إلا بمقدار لا يثقل على أرباحها، ويلجأ إلى صرف العاملين، عند الحاجة، إذا كان ذلك هو الوسيلة الوحيد للحفاظ على الربح وزيادته، إنه نظام غير أخلاقي، جائر أحيانا.

وقد اتضح إنه -اقتصاديا واجتماعيا- أكثر فعالية من أي نظام أخر اختبرته البشرية في تاريخها الطويل حتى بالنسبة للأجراء أنفسهم.

لكن خلق الثروة ليس مقتصرا على الرأسمالية، فكل نمط إنتاج، يخلق ثروة، فنظام الرق كان يخلق الثروة، ونظام الإقطاع، وحتى النظام الاشتراكي قام على خلق الثروة طيلة سبعين عاما في الاتحاد السوفياتي، غير أن العالم يحيا في ظل نظام رأسمالي، وقد حان الوقت لكي نحاول أن نفهم ماذا يعني هذا.

نحن نخلط بين الأخلاق والسياسة، فالأخلاق شخصية، وهي في المبدأ منزهة عن الأغراض، وما من سياسة منزهة عن الأغراض.

والأخلاق جامعة، أو تنزع لأن تكون كذلك، أما السياسة فهي فريدة أو خاصة.

والأخلاق تعنى بالغايات، أما السياسة فتعنى بالوسائل، ولذلك فإننا نحتاج إلى الاثنين معا، وإلى الفرق بينهما، لأنه عندما يقتصر كلامنا على الأخلاق، في حين يدور كلام الآخرين عن المصالح، ندخل في لعبة البرابرة.

المصدر : الجزيرة