عرض/نبيل شبيب
الكتابة عن السلام والحرب، والأزمات والبحث عن حلول لها، والأوضاع العالمية وتطورها والمخاطر الكامنة فيها، هي الكتابة الأكثر انتشارا في نطاق الكتاب السياسي عموما، إنما يتميز هذا الكتاب بخلفية مؤلفيه العلمية، فهم باحثون، ينطلقون من تخصصاتهم في العلوم السياسية في الدرجة الأولى، وإن كان هذا لا ينفي تماما أن ينظروا إلى الأحداث من المنطلق الغربي الفكري، لاسيما وأن الحديث يدور عن أزمات ونزاعات خارج نطاق العالم الغربي، وإن لم تكن خارج نطاق تأثيره ونفوذه، والجزء الأكبر من هذا الكتاب، مخصص للتطورات الجارية في المنطقة العربية والإسلامية.

-الكتاب: تقرير السلام 2005
-المؤلفون: 30 كاتبا متخصصا من المعاهد الخمسة الكبرى في ألمانيا لبحوث السلام والأزمات
-الناشر: LIT/منستر
-عدد الصفحات: 288 
-الطبعة: الأولى 2005

يتألف الكتاب من 23 فصلا في ثلاثة أبواب، بالإضافة إلى فصل تحت عنوان "موقف" يستخلص فيه رؤساء المعاهد الخمسة الكبرى في ألمانيا لبحوث السلام والأزمات حصيلة ما انتهى إليه ثلاثون باحثا من هذه المعاهد، عن مختلف الأزمات والتعامل معها، ويطرحون توصياتها.

تتناول الفصول العشرة الأولى في الباب الأول فرص حل الأزمات والنزاعات المسلحة الإقليمية، والعوامل التي تساهم في النجاح أو الإخفاق، بما يشمل الخارجية منها والمحلية، وما مدى قابلية تلاقي الصيغ المطروحة منها على خطوط مشتركة.

ويطرح الباب الثاني في خمسة فصول مسألة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتقويم الأخطار من انتشارها، وقابلية تحقيق هذا الهدف أصلا بعد تطور آليات الانتشار دون تطوير آليات مراقبة الحظر.

أما الفصول الثمانية في الباب الثالث فمخصصة للتساؤل عن الوسائل والآليات الدولية لترسيخ السلام وحل النزاعات دوليا، وضرورة إعادة التفكير بها، مع التعرض إلى القسط الألماني على هذا الصعيد.

"
أضعف الاحتمالات في العراق هو الوصول إلى وضع ديمقراطي انطلاقا من الانتخابات، ومن الوارد النكوص إلى وضع استبدادي تكون السيطرة فيه للشيعة، أما الاحتمال الأكبر فهو اندلاع حرب أهلية 
"

الأزمات في المنطقة الإسلامية
يتناول الباب الأول قضايا العراق، وفلسطين، وأفغانستان، والشيشان، وكوسوفا، ومقدونيا، والسودان، وآتشه، وليبيريا، والنيجر، وهو ما يكشف عن نظرة المعاهد الخمسة إلى أن مسألة الحرب والسلام والنزاعات تبدأ وتنتهي في البلدان والمناطق الإسلامية.

ومعظم فصول الكتاب حول هذه الأزمات مقتصرة على تحليل أوضاعها الراهنة، دون أبعادها التاريخية، أو طرح حلول مباشرة على صعيدها، وهو الجانب الذي يغطيه الفصل الإضافي عن الحصيلة والتوصيات.

وفي قضية العراق يصل الكاتب هينر فورتيخ (Henner Fürtig) إلى أربع احتمالات لتطور مجرى الأحداث، أولها وأضعفها هو النجاح في إقرار وضع ديمقراطي انطلاقا من الانتخابات، وثانيها النكوص إلى وضع استبدادي ولكن تكون السيطرة فيه للشيعة، وثالثها وهو الاحتمال الأكبر أن تندلع حرب أهلية، ولا يستبعد الكاتب في الاحتمال الرابع أن يندلع انطلاقا من العراق صدام الحضارات أو حرب الحضارات حسب تعبيره، فيقول إن هذا الخطر لمواجهة مباشرة بين الغرب والإسلام، مع احتمال الحرب الأهلية، هو الخطر الجدي الأكبر في الوقت الحاضر، مع ما يعنيه من أسباب زعزعة الاستقرار في المنطقة وعالميا.

وتتناول الكاتبتان مرجريت يوهانسن (Margret Johannsen) وكلاوديا باومجارت (Claudia Baumgart) قضية فلسطين من المحورين الفلسطيني والإسرائيلي، فترى الأولى في الانتخابات والانسحاب من غزة مدخلا إلى تأسيس دولة فلسطينية إذا حازت سلطة منتخبة على شروط الثقة الشعبية والنزاهة.

وتعتبر العقبة الأكبر على هذا الطريق سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة دون أن تجد ما يكفي من الضغوط الأميركية والأوروبية، فإذا لم يتحقق ما يسمى حل الدولتين سيجد الفلسطينيون أنفسهم مجددا أمام خيار طريق التحرير سلما أو بالقوة.

"
العقبة الأكبر في القضية الفلسطينية هي سياسة الاستيطان الإسرائيلية التي لا تجد ما يكفي من الضغوط الأميركية والأوروبية، وإذا لم يتحقق ما يسمى حل الدولتين فسيجد الفلسطينيون أنفسهم مجددا أمام خيار طريق التحرير بالقوة
"

بينما تركز باومجارت على نتائج الصراع الإسرائيلي الداخلي بشأن الانسحاب من غزة، وتعتبر النجاح في كبح جماح المستوطنين شرطا لإعطاء عملية إحلال السلام دفعة إلى الأمام مع عدم استبعاد ازدياد انتشار المخاوف الإسرائيلية الداخلية من حرب أهلية.

ونأخذ من الباب الأول مثالا ثالثا هوما كتبه أورزل شليختينج  (Ursel Schlichting) حول حرب الشيشان، التي تعتبرها موسكو منتهية رسميا، بينما لا تنقطع الأدلة على استمرارها واستحالة فرض حل عسكري لها، مع ما يرافق ذلك من معاناة مستمرة للسكان المدنيين وانتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان بمعزل عن المتابعة الدولية، وهو ما يدفع الكاتب إلى التأكيد بإلحاح على ألمانيا والعالم الغربي بضرورة الاستفادة من العلاقات الجيدة مع روسيا للبحث عن حلول سلمية ووقف الانتهاكات الجارية.

المثال الرابع والأخير هو ما كتبه بيرند لودرمان (Bernd Luderman) الذي يستخلص من تحليله للأحداث أن اندلاع الأزمة في دارفور كان نتيجة اقتصار التوصل إلى اتفاق السلام في الجنوب على فريقين، بينما يتناول مضمونه الأوضاع في كامل السودان، ويقول إن المجتمع الدولي تردد عن التدخل مبكرا حرصا على استمرارية المفاوضات حول الجنوب، وهو ما ينبغي تصحيحه عن طريق " تكثيف الضغوط" من أجل تطبيق محتوى الاتفاق في السودان عموما، ومشاركة الأطراف الأخرى المستبعدة.

وفي الأمثلة السابقة بعض النتائج التي يصل إليها الباحثون في الفصول المعنية وبقية فصول الكتاب، مما يلتقي مع ما ما هو معروف عموما بمنظور القارئ المعني مباشرة بهذه الأزمات في المنطقة العربية والإسلامية، ولكن أهمية هذا الجزء من النتائج هي أنها تستند إلى بحوث تعتمد التسلسل المنطقي بمقاييس العلوم السياسية ونهجها العلمي، وما يعنيه ذلك عند وضعه مقابل السياسة الغربية المتبعة، وعدم انطلاقها على أرض الواقع مما يعتبره الباحث العلمي في الغرب نتيجة ثابتة، ويعتبره متابع الأحداث في المناطق المعنية أمرا بدهيا ظاهرا للعيان.

حظر انتشار أسلحة الدمار دون الحد منها
يتناول قسم كبير من الباب الثاني مسألة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، فالمنطلق السائد في البحوث الخمسة المنشورة فيه هو -باستثناءات محدودة- ما أصبح بديهية غربية تدعو إلى ضرورة استمرار مساعي حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، دون أن ترافقها إجراءات حاسمة ومرئية لإتلاف المخزون منها والحد من التسلح بها من جانب الدول التي تملكها حاليا بكميات ضخمة، بحيث لا يتحول الحظر إلى احتكار من جهة، وافتقاد القوة الرادعة دون التعرض لاستخدامها من جانب الطرف الآخر من جهة أخرى.

هارالد مولر (Harald Müller) يبحث الموضوع من زاوية واحدة هي تعزيز الإجراءات الدولية لفرض تنفيذ الالتزام بقواعد حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، لاسيما عن طريق مجلس الأمن الدولي، ويعتبر الثغرات القائمة على هذا الصعيد هي السبب في أزمات من قبيل كوريا الشمالية وإيران.

والدولتان والتعامل الدولي معهما موضوع البحث أيضا من جانب آنيته شابر (Anette Schaper) وهانس يوآخيم شميدت (Hans-Joachim Schmidt) إلا أنهما يشيران في بحثهما جزئيا على الأقل إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تتعامل مع الأزمتين من موقع القوة، والامتناع عن طرح مسألة الحد من التسلح أو تقديم أي مقابل للدولتين.



بينما تتناول البحوث الأخرى في الباب الثاني ما يراه كتابها ضروريا من الجهود الدولية للتخلص من نفايات البلوتونيوم نتيجة استغلال الطاقة سلميا وعسكريا، وذلك للحد من توظيفها لانتشار صناعة السلاح النووي، ثم التوصل إلى صيغة دولية تمنع من انتشار السلاح النووي في الفضاء الكوني وفق المشاريع الأميركية مما يعني بدء جولة سباق تسلح دولي جديد، وتطوير وسائل جديدة للحد من انتشار الأسلحة الحيوية المدمرة.

مخاطر مستقبلية
الفصول الثمانية من الباب الثالث تتناول الوسائل والآليات الدولية لمواجهة النزاعات والأزمات وترسيخ السلام أو فرضه، بدءا بالأمم المتحدة، مرورا بالمساهة العسكرية الألمانية دوليا، وانتهاء بضرورة إيجاد حلول على صعيد الثروة المائية التي تنذر بأن تكون سبب نزاعات كبرى مستقبليا.

ونجد في هذا الباب أيضا تحليلات لتشخيص المشكلات القائمة دون طرح حلول واضحة المعالم، شملت تطوير الأمم المتحدة المتعثر في ميادينه الرئيسية، سواء على صعيد توسيع مجلس الأمن الدولي، أو إضافة عنصر مكافحة الفقر ودعم التنمية، ويشمل التعاون بين المؤسسات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني ومنظماته غير الرسمية على المستويين المحلي والعالمي، ويؤخذ الوضع في البلقان منذ اتفاق دايتون مثالا على الدور الأوروبي الذي ظهر ضعفه قبل ذلك الاتفاق، وأدى إلى العمل على تطويره في التعامل المباشر مع مشكلات المنطقة، التي لا تزال تنطوي على مخاطر كبيرة.

"
تطوير التسلح الغربي  يشجع الدول العاجزة عن تطوير مماثل للجوء إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ويفتح أبوابا مغرية لتطوير تقنيات عسكرية خطيرة جديدة كالأسلحة الكونية والأسلحة النووية المصغرة
"

وفي الباب الثالث يلفت نيكلاس شورني (Niklas Sch?rnig) النظر في فصل يتناول تطوير التسلح الغربي، لا سيما الأميركي، باتجاه يعتمد على أحدث التقنيات والإلكترونيات لخوض الحرب مع تجنب الخسارة البشرية المباشرة.

ويعتبر الكاتب ذلك خطرا على نشأة نظام دولي مستقل، فهذا التطور يزيد من التجرؤ على خوض الحروب دون مخافة خسائر ذاتية، كما يشجع الدول العاجزة عن تطوير مماثل للجوء إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ويفتح أبوابا مغرية لتطوير تقنيات عسكرية خطيرة جديدة، كالأسلحة الكونية والأسلحة النووية المصغرة.



ويتناول فصلان في هذا الباب الدور العسكري الألماني عالميا، من حيث تجاوز التردد عن المشاركة في مهام عسكرية دولية، ومن حيث استخدام تصدير السلاح أداة لتحقيق أغراض اقتصادية وتقنية وإن بقيت الأهداف السياسية محاطة بالغموض، وهو ما جعل ألمانيا تحتل المرتبة الثالثة أوروبيا على صعيد تصدير السلاح بعد فرنسا وبريطانيا.

توصيات غربية المنطلق
يستشهد الفصل المخصص للحصيلة والتوصيات بكلمة لأينشتاين يقول في مطلعها إنه يريد السلام ولكن ليس بأي ثمن، مؤكدا مبدأ استخدام القوة دفاعا عن النفس، ثم ينتقل مؤلفو هذا الفصل للقول إن تفجيرات نيويورك وواشنطن أسقطت الوهم المنتشر بعد الحرب الباردة بإمكانية استمرار وجود عالمين، ديمقراطي يسود فيه السلام، وآخر تنتشر فيه الحروب.

ويرى أن تعدد أسباب الحروب حاليا يستدعي عدم الاكتفاء بصيغة واحدة لمواجهتها، وإن بقي ما سبق تثبيته في الأمم المتحدة، أن تكون الوسائل السلمية هي الوسائل المتبعة قبل سواها، ولكن الأمم المتحدة لا يمكن أن تؤدي هذه المهمة، دون جهود تبذل من جانب المنظمات الإقليمية، والمجتمع المدني.

واعتبر مؤلفو الفصل، رؤساء المعاهد الكبرى بألمانيا لبحوث السلام والأزمات، أن اللجنة الرباعية الخاصة بالنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي هي نموذج لشكل جديد من آليات حل النزاع، فقابلية اتفاق الأطراف الدولية الثلاثة فيها أن تتوافق على استخدام الضغوط معا لحل الأزمة، يرافقه وجود الأمم المتحدة الذي يستهدف منع العودة إلى فرض الإرادة السياسية إذا وجدت توافقا بين القوى الدولية دون سند من "الشرعية الدولية"، وهي نظرة لا تبدو مستقرة على أسس واقعية للمتأمل في مجرى الأحداث وعمل اللجنة الرباعية، وإن صدرت عن كبار الباحثين من المتخصصين في العلوم السياسية، لا سيما وأن اللجنة الرباعية لا تضم أي طرف يمثل أصحاب العلاقة إقليميا، على المستوى العربي والإسلامي.

ويغني استعراض بعض الأمثلة من فصول الكتاب عن التكرار بذكر ما يسرده الفصل المخصص للحصيلة، إنما يلفت النظر بعض النقاط فيها ومنها:

1- أهمية التطور الجاري في اتجاه التدخلات الدولية "لأغراض إنسانية" على حساب مبدأ سيادة الدولة كما كان ثابتا حتى الآن.

2- إخفاق ما أعلن باسم "الحرب ضد الإرهاب" سواء من حيث عدم إحلال السلام في أفغانستان والعراق، أو من حيث انتشار ما يُسمى "الإرهاب الإسلامي".

3- الخطأ الكبير في تقديرات وزارة الدفاع الأميركية بشأن احتلال العراق، وهو ما يشهد عليه استمرار العنف يوميا فيه، حتى أصبح التعاون بين أتباع القاعدة وأتباع صدام حسين نتيجة من نتائج الحرب الأميركية، بعد أن كانت واشنطون قد عللت بهذا التعاون المزعوم آنذاك إقدامها على الحرب.

إلا أن المؤلفين ينطلقون من اعتبار مجرى الانتخابات بمشاركة 58% نجاحا، دون الإشارة إلى تفاوت هذه النسبة بين طوائف العراق، إلا أن توقعاتهم تتلخص في النهاية أن العراق على شفير الهاوية.

4- النقد الشديد لتغافل الغرب عن انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان.

5- اعتبار الأوضاع الراهنة في أفغانستان دليلا على أن "المهمة" المعلنة للسلام بها مستحيلة التحقيق، إلا أن المطلوب مقابل ذلك لا يتجاوز تأكيد متابعة تلك "المهمة" دعما للحكومة المركزية، وتعزيز الإجراءات العسكرية، ومكافحة انتشار المخدرات.

6- استحالة نجاح محاولات التهدئة والسلام، كما في آتشه، وليبيريا، وسواهما دون ازدياد التركيز على ربط حل الأزمات بإحلال الديمقراطية.

7- التركيز الأكبر على الوقاية من الأزمات بدلا من العمل على حلها بعد اندلاعها، وتعزيز دور الأمم المتحدة على هذا الصعيد في نطاق الجهود الرامية إلى تطويرها.

ورغم صبغة البحث العلمي المجرد في هذا الفصل وفي الأبواب الثلاثة للكتاب يبقى انطباع القارئ بإمعان أن هذه الصيغة لم تخترق الحواجز المانعة من تحويل النظرة السياسة الغربية من نظرة مركزية إلى العالم، إلى نظرة شمولية.

فسواء في نطاق تشخيص الأزمات القائمة، أو في نطاق التوصيات لمواجهتها، تبقى المنطلقات الغربية مسيطرة على الباحثين، وهو ما ينسجم مع كونهم باحثين غربيين، إلا أن المطلوب لتعامل الباحث العلمي مع قضايا تتجاوز حدود الغرب جغرافيا ومضمونا، أن يتمكن من استقراء منطلقات "الآخر" وحيثياته ووضعها في نطاق معالجته للقضايا التي لا تخلو أسباب تحولها إلى أزمات ونزاعات من التناقض الكامن على صعيد المنطلقات لأطراف المواجهة، والتي أصبحت التدخلات الغربية من عناصرها الرئيسية على اختلاف أغراضها وأساليبها، بين القوى الدولية نفسها.

المصدر : الجزيرة