عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
ربما كان الكتاب الذي بين أيدينا أهم وأعمق كتاب صدر في العشرية الأخيرة تناول مسألة الديمقراطية العربية على كثرة ما صدر حول هذا الموضوع.

فنحن هنا أمام تناول أبستمولوجي مركب يتجاوز النقاشات الميكانيكية للديمقراطية بكونها مجرد آليات انتخابية وإجراءات دورية يمكن تبنيها ببساطة.

- الكتاب: البحث عن الديمقراطية العربية.. خطابات وخطابات مغايرة
- المؤلف: العربي صديقي
- تعريب: زينة مشورب
- عدد الصفحات: 457
- الناشر: كلومبيا يونفيرستي برس
- الطبعة: الأولى/ 2004

الديمقراطية هنا, وكما يراها العربي صديقي الباحث التونسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة أكستر البريطانية, لها عدة تعريفات, أكثرها ينطوي على حمولة غربية كبيرة فكرية ثقيلة الوطأة, وقليلها متحرر منها.

منهج تناول المسألة الديمقراطية المعاصرة هنا هو العودة إلى أصل التكوين للتعريفات, وأولها وأكثرها شيوعا ما يعود بالديمقراطية إلى منابت الفكر الغربي وتلونها به وانضباطها وفق بوصلة محدداته وصيروراته.

الديمقراطية هنا هي ابنة التطور الغربي, فكرا وفلسفة وسياسة, واشتراطات تطورها, وديمومتها, ونجاحها نجدها في تطور وديمومة ونجاح مشروع الحداثة ذاته.

لا ديمقراطية من دون حداثة سياسية غربية, هكذا هي المقدمة, وهكذا هي الخلاصة, وهما تفريعان لإبستمولوجيا أوسع وأكثر تعقيدا تتمثل في منهجية القاعدية, أو Foundationalsim.

كل شيء ينبت من القاعدة الحداثية التي تحدد إحداثيات المسير بشكل أميل إلى الصرامة منه إلى المرونة. وفق القاعدية, العالم يسير, أو يجب أن يسير, تبعا لوضعية القرن الثامن عشر والتاسع عشر, مآله الحداثة, مهما واجهت هذه الحداثة من تحديات.

"
عندما تحرر الديمقراطية من غربتيها يصبح انطلاقها أيسر وتطبيقها أسهل, إذ أنها تصبح تعددية في المقام الأول, وتتخلص من أية نوازع أرثوذكسية أو حتميات قد طالتها بسبب طغيان النهج القاعدي على فهمها
"
فمعركتها ضد كل ما هو قديم وتراثي وغيبي شبه محسومة سلفا, وخطها نحو تحقيق الحسم مستقيم. والديمقراطية لتي تنتجها الرؤية القاعدية هي بالتالي خيطية المآل, لا تقر كثيرا بانحناءات المسالك, أو اختلاف الظروف, فكل ذلك تفاصيل في الهامش أمام وضوح المآل الأساسي.

العربي صديقي ينتقد هذه الرؤية ويفككها, ويستند على منهج "ضد القاعدية", أو Anti-Foundationalism. وهو يرى أن الانفكاك من صرامة القاعدية, ورفض أحاديتها, بما في ذلك أحادية تعريفها للديمقراطية, يمثل الخطوة الأولى لفهم المشروع الديمقراطي أولاً, ثم تحريره من إساره الغربي ثانيا, ومن بعد تعميمه عالميا كي يصير مشروعا إنسانيا مكوناته الغربية تتعاضد مع مكوناته غير الغربية.

وعندما تحرر الديمقراطية من غربتيها يصبح انطلاقها أيسر وتطبيقها أسهل, لأنها تصبح تعددية في المقام الأول, وتتخلص من أية نوازع أرثوذكسية أو حتميات قد طالتها بسبب طغيان النهج القاعدي على فهمها.

وآنذاك, تستطيع بشكلها التعددي الجديد استيعاب ثقافات وتواريخ وتحولات المجموعات غير الغربية التي ستجد في الصورة التعددية للديمقراطية جوانب من ثقافاتها المحلية, وأجزاء من استمرارية تواريخها, وعدم اصطدام مع ضغوطات التحولات التي تواجهها.

أسئلة تتحدى الديمقراطية
تحد كبير يلقيه العربي صديقي في وجه الفكر الديمقراطي, الغربي والعربي, على حد سواء. وهو إذ يقدم أطروحاته بتواضع جم قائلا إن ما يبحث عنه هو توسيع دائرة الأسئلة أكثر من أن يحاول تقديم أجوبة, فإنه ينجح في ذلك بوضوح.

فالأسئلة التي تطرحها نظريته كثيرة. وأولها مسألة التعريف ذاتها وانطلاقها من المنهج القاعدي, ذاك إن نزعنا عن الديمقراطية سماتها الغربية, ورفضنا اشتراطاتها الحداثية, يعني أننا نواجهها بالتشكيك في جوهرية مكوناتها.

"
مسألة حكم الأغلبية واعتباره المرجعية الأولى هي من أسس النظام الديمقراطي وبالتالي يصعب أن يتصالح معها -نظريا وفكريا- النظام الإسلامي الذي يستند إلى مرجعية الشريعة الإسلامية
"
فمثلاً, سيقودنا المنهج المضاد للقاعدية, إلى مناقشة مكوناتها مثل الاستقلالية, والحرية, والمواطنة, وفكرة الدولة الأمة, والمرجعية السوسيولوجية والفكرية والسياسية للمجموعة الوطنية.

فسوف تتعرض هذه المفاهيم إلى دك متواصل من قبل الثقافات المحلية والرؤى المتعددة التي ستنظر إلى هذه المفاهيم باعتبارها إكراهات غربية يتضمنها المشروع الديمقراطي (الغربي) وسوف يصطدم بسببها بكل ما قد تم التعارف عليه تاريخيا في هذا المجتمع أو ذاك.

عندما تتعرض الديمقراطية (الغربية) لمثل هذا التفكيك, التعددي الذي ينادي به العربي صديقي, ربما لن يبقى منها شيء يسمى ديمقراطية.

قد نصل إلى مركب آخر, نظرية جديدة, لكنها ستكون بعيدة عن الديمقراطية ولا تستطيع أن تتسمى بذلك, هذا رغم حذر صديقي وإدراكه لذلك وتسميته للديمقراطية الخاضعة لمثل هذا التفكيك بالديمقراطية التعددية.

لكن لنأخذ مثلا واحدا على ذلك, مثل مرجعية الحكم في الدولة والمجتمع, ونناقشها كما هي في المنظور الديمقراطي الغربي ومنطلقين من وجهة نظر إسلامية تفكيكيه (مضادة للقاعدية).

في المنظور الإسلامي للحكم تكون المرجعية هي الشريعة الإسلامية, وهي غير خاضعة للممارسة الديمقراطية لأنها طرح سابق على الديمقراطية ومتجاوز لها.

وهذا يعني أن أي خلاف بين الأطراف السياسية قد ينظر له بأنه يمس أو يهم الشريعة سينتهي به مطاف الحسم بين يدي تلك المرجعية, بغض النظر عن رأي الغالبية أو الأقلية.

بينما تكون المرجعية في الحكم الديمقراطي للأغلبية بغض النظر عن الأمر المختلف عليه. ومسألة حكم الأغلبية واعتباره المرجعية الأولى هي من أسس النظام الديمقراطي ويصعب أن يتصالح معها, نظريا وفكريا, النظام الإسلامي.

على ذلك فإن نزع هذا المكون من الديمقراطية لمصالحتها مع النظام الإسلامي لا يبقيها كذلك, ربما تصبح شورى, أو أي صيغة حكم أخرى. ولعل المثال الإيراني حيث تتربع المرجعية الدينية ممثلة بالمرشد الأعلى على قمة السلطة (أو النظام الديمقراطي) يقدم مثالا مهما على هذه المعضلة.

"
حين تستبد الأحادية الحديثة بتواريخ وثقافات الشعوب غير الغربية فإن الخصوصيات الثقافية لن تفعل سوى الشيء نفسه أيضا, ألا وهو الاستبداد بتلك الشعوب بمسوغ الدفاع عنها ضد "الغزو الغربي"
"

بين "القاعدية" والخصوصيات الثقافية
بيد أن العربي صديقي, في سياق نقده لأرثوذكسية الديمقراطية الغربية, ودفاعه عن حق الثقافات والتواريخ المحلية في أن تأخذ موقعها في المشروع الديمقراطي, متيقظ لشرك الخصوصيات الثقافية وما قد تجر إليه من نفي للمكونات الديمقراطية جملة وتفصيلا.

ولهذا فإنه يضع مشروعه بأكمله في منطقة وسطى بين الطرفين, فلا هو بطبيعة الحال موافق على "قاعدية" وأحادية الديمقراطية الغربية ومحمولاتها الفكرية المؤدلجة واشتراطاتها, كما يرى ويقول, ولا هو بالمقابل منافح بعماء عن الخصوصيات الثقافية التي أصبحت الطوق الأثير لدى دكتاتوريات العالم الثالث وما شابهها في مواجهتها لمطالب الدمقرطة والمشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان.

ففي حين تستبد الأحادية الحديثة بتواريخ وثقافات الشعوب غير الغربية, فإن الخصوصيات الثقافية لن تفعل سوى الشيء نفسه أيضا, ألا وهو الاستبداد بحكم تلك الشعوب بمسوغ الدفاع عنها ضد "الغزو الغربي".

غير أن صديقي ينتقد بشدة أكثر الحداثة و"مركزيتها الأوروبية" مما يفعل مع الخصوصيات الثقافية. وربما أمكن القول أنه بقليل من سوء النية فإن البعض قد يقرأ أطروحته على غير ما أرادها, خاصة وأن قدرا من التركيب النظري فيها قد لا يكون في متناول إدراك شرائح واسعة من القراء غير المختصين.

الاستشراق والديمقراطية
ولربما كان من المفيد في الكتاب أن يتوقف المؤلف بتوسع عند ظاهرة مدهشة وهي التقاء "الخصوم الظاهريين" فوق مربعات مشتركة رغم تباين الانطلاقات.

فمثلاً, يناقش العربي صديقي أفكار الاستشراق الكلاسيكي والاستشراق الجديد, وخاصة الفكرة المشتهرة التي تنظر للشرق بإعتباره كتلة جامدة ثابتة متخلفة عصية على التغيير, ولا تتأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية (مثل الديمقراطية) لكون مكونها الثقافي/الديني ثابت ولا يتزحزح.

"
تلاقي "القاعديين" من متطرفي الحداثة مع "المحافظين" من متطرفي الحكام والأصوليين الدينيين هو ما يخلق تحالفا غير مقصود ضد الدمقرطة في العالم العربي
"
الاستشراق ينطلق من منطلق إدانة بالطبع, ويحكم على تواريخ وثقافات بأكملها بأن جوهرها جامد ولا يخضع لمنطق التغيير. وهي فكرة نسفها كثير من المفكرين والكتاب من خصوم الاستشراق وفي مقدمتهم إدوارد سعيد.

بيد أن المدهش هو أن دعاة الخصوصيات الثقافية, وهم ينقسمون إلى طائفتين الحكام والأصوليين الدينيين, يحملون نفس الفكرة.

فالحكام يقولون إن المجتمعات التي يحكمونها لديها عادات وتقاليد وأنماط وأعراف اجتماعية وسياسية خاصة بها, وتبعا لها فإن شعوب تلك المجتمعات غير معنية بالممارسة الديمقراطية, وهي قانعة بشكل الحكم (العائلي الاستبدادي) الذي تعيش في ظله.

والأصوليون الدينيون يقولون إن التقاليد الدينية ثابتة ولا تتغير ولا تخضع لمنطق الزمن والتاريخ, وبالتالي فإن العوامل السياسية والاجتماعية لا يجب أن تتغير في المجتمعات التي يزعمون النطق باسمها.

والواقع هو أن تلاقي "القاعديين" من متطرفي الحداثة مع "المحافظين" من متطرفي الحكام والأصوليين الدينيين هو ما يخلق تحالفا غير مقصود ضد الدمقرطة في العالم العربي.

امتدادات الخطاب الديمقراطي العربي
يستعرض العربي صديقي اتساع نطاق الخطابات الديمقراطية في الفكر والسياسة العربيين بشكل موسوعي. وهو إذ يعود إلى أدبيات القرن التاسع عشر, ثم يبدأ منها ويتوقف بتوسع عند خير الدين التونسي, ورفاعة الطهطاوي, وعبد الرحمن الكواكبي, فإنه ينتهي بنا مع أفكار محمد عابد الجابري وأدونيس وكثير من المعاصرين.

وفيما بين هذين الحدين الزمنين لا يترك صديقي أي جدل وقع في الفكر العربي له علاقة بالديمقراطية إلا وتوقف عنده, مما يسم كتابه بالموسوعية.

وإن كان التوقف عند الأصوات النهضوية والفكرية أمرا طبيعيا ومتوقعا, فإن صديقي يتوقف أيضا عند توظيفات الخطاب الديمقراطي عند القادة العرب.

فيعود إلى نصوص كتبها السادات, والقذافي, والملك حسين, والملك الحسن الثاني, وأبدوا من خلالها "رؤاهم" تجاه الديمقراطية, وهو يحلل تلك الرؤى ويفككها ويضعها في إطارها التوظيفي.

ويخصص صديقي فصلا كاملا للمرأة في الخطاب الديمقراطي العربي, ومن خلاله يستعرض مقاربات الكتاب والكاتبات العربيات لمسالة الديمقراطية, العلمانيات منهن والإسلاميات.

"
النظرة النسوية التقليدية إزاء قمع الإسلام واالحركات لإسلامية للمرأة غير دقيقة إذ أن المرأة في تلك الحركات تتمتع بنصيب وافر من النشاط والحقوق
"

وبالطبع يتوقف بتوسع مفصل عند موقف الإسلاميين من الديمقراطية ويحلله, ويفكك تناقضاته من ناحية, ويبرز التقدم الذي حصل في فكر التيار الإسلامي إزاء الديمقراطية.

وفي معالجته الخاصة بالإسلاميين اعتمد المؤلف على مقابلات موسعة مع قادة التيارات الإسلامية في مصر ولبنان والأردن وسوريا وتونس, ومن خلال تحليل خطابات الإسلاميين, وقراءة ممارسة الإسلاميات في الحركات الإسلامية يخلص إلى أن النظرة النسوية التقليدية إزاء قمع الإسلام والإسلاميين للمرأة غير دقيقة إذ أن المرأة في تلك الحركات تتمتع بنصيب وافر من النشاط والحقوق.

دعم الغرب للدكتاتوريات وإعاقة الديمقراطية
يفرد الكتاب أيضا فصلاً كاملا يحلل فيه موقف المؤسسة الغربية من الديمقراطية والدكتاتوريات العربية خلال القرن الماضي.

ويفكك طبيعة التحالفات الطويلة والتاريخية التي وسمت علاقة الحكومات الغربية بالدكتاتوريات العربية, مما أدى إلى تدعيمها وترسيخها, وإعاقة أي تطور نحو الديمقراطية.

وفي السنوات الأخيرة وكما يشير الكتاب, وفي سياق اتساع نطاق الدعوة الديمقراطية في العالم العربي, فإن التناقض الكبير الذي وجد الغرب نفسه فيه, وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة, هو استحالة المصالحة بين التوكيد الباطش على المصالح الإستراتيجية الغربية وتحقيقيها رغم كل شيء حتى لو كان ذلك على حساب شعوب المنطقة, وبين نشر الديمقراطية في العالم العربي.



وهكذا, ولأسباب داخلية وخارجية يبقى البحث عن الديمقراطية العربية مشروعا مفتوحا وصيرورة يبدو أنها لما تبدأ بعد.

المصدر : الجزيرة