عرض/عاطف عبد الحميد
قبل صدور الكتاب الذي بين أيدينا بنحو ستة قرون ختم الإمام ابن تيمية كتابه "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" بتنبيه المسلمين إلى خطر التوسل بالأضرحة بقوله "والأعظم من سؤال الميت تلبية الحاجات أن يرى المرء السفر إلى الضريح من جنس الحج حتى يقول: إن السفر إليه مرات يعدل حجة، وغلاتهم يقولون: إن الزيارة إليه مرة أفضل من حج البيت مرات متعددة".
 

- العنوان: الأضرحة الإسلامية في الهند
- المحرر: كريستيان ترول
- الصفحات: 327
- الطبعة: الثانية 2004
- الناشر: أكسفورد يونيفيرستي برس

وتمثل زيارة الأضرحة أو رحلة "الحج" إلى القبور الموضوع الأساسي لهذا الكتاب الذي يعتبره الباحثون علامة طريق مهمة في دراسات الإسلام الشعبي، ليس فقط في الهند بل وفي آسيا الجنوبية ككل بما تشمله من باكستان وبنغلاديش ونيبال وسريلانكا.
 
البداية والانتشار
يعتبر القرن الثالث عشر الميلادي بداية تقديس الأضرحة في غربي الهند وشمالها، ويعد شيوخ السلسلة الشيشتية أصحاب الأضرحة الأكثر شهرة في ربوع الهند.
 
وقد هاجر أغلب شيوخ هذه السلسلة من آسيا الوسطى بهدف نشر الدعوة الإسلامية، وفي مقدمتهم معين الدين الشيشتي صاحب أشهر ضريح يؤمه الملايين في آسيا الجنوبية والواقع في مدينة أجمر فيما يعرف اليوم بولاية راجستان في الهند الغربية.
 
وقد تمكن شيوخ الطريقة الشيشتية -بحياة الزهد وما روي عنهم من "كرامات"- من استقطاب الأتباع من الفقراء والمعدمين والزاهدين والمهمشين في المجتمع الهندي، وفي حالات قليلة كان مريدو هذه الأضرحة من القادة العسكريين والأمراء والملوك والسلاطين.
 
وتعتبر الولايات الشمالية والشمالية الغربية من الهند المناطق الأكثر وفرة في أضرحة الصوفية، وإن كانت المناطق التي تمثلها اليوم ولايات مهراشترا وكوجرات وراجستان وأُوتار براديش صاحبة العدد الأكبر من الأضرحة وبصفة خاصة في مدن دلهي وأجمر ومومباي وأحمد آباد.
 
"
تمكن شيوخ الطريقة الشيشتية من استقطاب الأتباع من الفقراء والمعدمين، وفي حالات قليلة كان مريدو أضرحتهم من القادة العسكريين والأمراء والسلاطين
"
وتجتذب الأضرحة الملايين من النساء والرجال، وعند بوابتها تتزاحم خطى المسلمين مع الهندوس وبعض من السيخ وقليل من المسيحيين، الكل تدفعه الرغبة في "الشفاعة" والتوسل للشفاء من أمراض الدنيا ونكبات الزمان، بعضهم جاء ليشفى من نزلة برد، وبعضهم حل ليجد علاجا لأورام السرطان.
 
والمئات من هؤلاء يجلسون في الضريح لشهور متتالية لا يأكلون ولا يشربون، قوتهم الوحيد أوراق النبات المبعثرة في الضريح علها تحمل في مسامها أمصال الشفاء.
 
عند أبواب الأضرحة وعلى عتبات القبور يقابلنا المخبولون مكبلين بالسلاسل يطوفون حول القبر أملا في الشفاء، كما نعثر في زوايا هذه الأضرحة على نساء عاقرات منشغلات بالدعاء والتوسل، أو يأملن في إنجاب الذكور في مجتمع لم يتخلص بعد من عادة وأد الإناث.
 
هنا أيضا يقابلك التجار الأثرياء يقصدون الأضرحة أملا في تجارة لا تبور وأموال لا تنقطع.
 
البعض يأتي ليفرق الطعام على الفقراء بعدما استجيب دعاؤه، ونساء أخريات أتين لتقديم العطايا والشكر بعد أن تركت الجن أجسادهن، وآخرون يرجون في التمسح بالقبر شفاء لأبنائهم من سطوة المخدرات.
 
يمضي بنا الكتاب بين هذه الصور المدهشة فينتقل بنا من غرب الهند إلى شمالها ليصل إلى ضريح الغازي مسعود في ولاية أُوتار براديش ليطلعنا على مئات الالتماسات الورقية المعلقة في حوائط المقبرة تسأل الغازي تلبية الحاجات، ومن لم يستطع المجيء أرسل مسألته مع من تمكن من الوصول.
 
وفى أيام الاثنين والجمع يتم غسل قبر الغازي مسعود قبيل صلاة الفجر، ويتم دفع مياه الغسل عبر قناة تنتهي في مسبح عند شجرة صندل، الشجرة للتبرك والتمسح، والمياه ليغترف منها "الحجاج" فيغسلوا أعينهم ومواطن آلامهم، كما يملؤون منها القوارير ويحملونها أميالا بعيدة إلى ذويهم ومحبيهم.
 
بين الديني والسياسي
"
بعض حكام الهند المسلمين كان له موقف رافض لطقوس زيارة الأضرحة وما يجري خلالها من تجاوزات تمس أسس التوحيد
"
عبر القرون السبعة الماضية مرت العلاقة بين شيوخ الصوفية وأضرحتهم والسلطة بمراحل متفاوتة، وإن ساد أغلبها التوافق والانسجام.
 
وقد بدأ هذا الانسجام منذ زمن السلطان محمود تغلق في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي حين حرص على زيارة ضريح الشيشتي في أجمر وذلك بعدما أخمد تمردا في الإقليم المحيط به.
 
وقد بدا جليا حينها أن الزيارات المتكررة للسلطان محمود تهدف إلى تعزيز شعبيته السياسية وليست لأهداف دينية كما كان يظن عوام الناس.
 
وقد ظهرت تلك العلاقة بوضوح خلال عهد جلال الدين أكبر (556-1605) الإمبراطور المغولي الذي اعتبر ضريح الشيشتي حاميا للأسرة المغولية، إذ لم يكن يداوم على زيارة الضريح لأسباب سياسية فحسب وإنما لأن الرجل كان مؤمنا –حسبما يرى الكتاب- بعظم تأثير الشيشتي النفسي، فخصص للضريح زيارتين أو ثلاثة كل عام، وذلك في كل مرة كان يخرج فيها للغزو أو حين يتجه خصيصا للتوسل لدى الضريح بأن يرزقه الله الذكور.
 
وبعد جلال الدين أكبر استمر السلاطين في إظهار احترامهم للأضرحة فأضافوا العديد من المباني الجديدة وأهدوا القدور النحاسية الضخمة لطهي الطعام للفقراء، كما أقاموا المساجد في الأضرحة.
 
غير أن بعض حكام الهند المسلمين كان له موقف رافض لطقوس زيارة الأضرحة وما يجري خلالها من تجاوزات تمس أسس التوحيد، ومن ثم لم يكترثوا بأن يستمدوا شعبيتهم من ورائها.
 
وهكذا فعل إمبراطور الهند الشهير أورانزيب (1669-1707) الذي غدت الأضرحة في عهده أخربة تسرح فيها الحيوانات البرية بعدما أمر بألا تقام فيها الصلوات وأوقف التبرك بها وحال دون مشتبهات الشرك والبدع التي جعلته يرى المسلمين متشبهين بالهندوس في عبادتهم للأصنام.
وفي العصر الحديث استمرت الأضرحة تستغل سياسيا، فقد دعمها الاستعمار البريطاني في إقليم السند (باكستان) لضمان بقاء نفوذه في ذلك الإقليم، ثم جاء زعماء الانفصال الإسلامي الساعين لتشكيل باكستان وتعاونوا مع رعاة الأضرحة (الخدم) لدعم حركتهم والاستفادة من نفوذهم على الجماهير.
كما غدت الأضرحة في السنوات الأخيرة نموذجا للتعايش بين الهندوس والمسلمين، حتى إن الكتاب يكاد يقول إن الحفاظ على دورها سيشكل السور الخارجي الذي سيوقف تسلل الأفكار الوهابية من شبه الجزيرة العربية إلى شبه الجزيرة الهندية.
"
 يكاد الكتاب يقول إن الحفاظ على دور الأضرحة يشكل السور الخارجي الذي سيوقف تسلل الأفكار الوهابية من شبه الجزيرة العربية إلى شبه الجزيرة الهندية
"
النزاع على الموارد

تتدفق على مئات الأضرحة عشرات الملايين من الروبيات كل عام، بعضها ينفق على صيانة الأضرحة وبعضها يعود على الفقراء في الوجبات المجانية، وكثير منها يصب في جيوب سدنة الأضرحة ممن يسمون أنفسهم خدام الشيخ والمحتكرين لهذه المهنة عبر القرون السبعة الماضية.
 
ويحتل خدم الضريح مكانة بالغة الأهمية ليس فقط لتحكمهم في الموارد المالية التي تأتي من العطايا والهبات والنذور، ولكن لأنهم يمثلون في ذات الوقت حلقة الوصل "الروحية" بين الزوار والضريح، ودونهم تقع طبقة الخدم الفعليين الذين يقومون على نظافة الأضرحة وسقاية المياه وعزف الموسيقى.
 
يجد الكتاب في الأضرحة عالما مصغرا للترتيب الطبقي الذي يعرفه المجتمع الهندوسي، فهنا تناظر طبقة البراهمة الهندوسية طبقة الأشراف الإسلامية (الذين يمدون نسبهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام) ويقومون على إدارة الضريح من سلالة الشيخ الولي.
 
أما طبقة الخدم الوسيطة بين الزوار والضريح فتناظر طبقة ملاك الأراضي الثرية في المجتمع الهندوسي. وفي أدنى الطبقات يأتي القائمون على نظافة الضريح وخدمة السقاية كمقابل لطبقة المنبوذين في المجتمع الهندوسي.
 
ولا يزال الكتاب يطوف بنا في ذلك العالم السري للأضرحة فيقدم لنا أمثلة عديدة على النزاع الدائر بين هيئات الوقف الإسلامية والقائمين على إدارة الأضرحة، فمجلس الأوقاف في أوتار براديش رغم ما يعلنه من تحفظ على ما يجري من طقوس غير توحيدية في الأضرحة، لا يتورع -يغمز الكتاب- بأن ينازع القائمين علي الأضرحة مواردهم باعتبار الأضرحة من الوقف الإسلامي.
 
ولا تشمل الموارد المالية فقط تبرعات الزائرين وأرباح بيع الزهور والأغطية الحريرية التي يضعها الزائرون على القبور ويعاد بيعها بعد انصراف الزوار، بل وآلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية التي أوقفت للأضرحة في عصور سابقة من الحكم الإسلامي للهند وتدر دخلا هائلا من الإيجار السنوي.
 
أين هي شعرة الرسول؟
"
يجد الكتاب في الأضرحة عالما مصغرا للترتيب الطبقي الذي يعرفه المجتمع الهندوسي، فهنا تناظر طبقة البراهمة الهندوسية طبقة الأشراف الإسلامية 
"
على ضفاف بحيرة دال في مدينة سرينغار بكشمير يقع ضريح "حضرة بال" الذي يحوي شعرة يدعى أنها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم اشتراها تاجر كشميري من حاج هندي جاء بها من المدينة المنورة عام 1699.
 
منذ ذلك التاريخ اعتبرت الشعرة دليلا على تحول كشمير إلى وطن جديد للرسول بل ومدينة منورة ثانية. وهكذا لم يعد هناك مبرر للبعض في كشمير لتكبد مشقة السفر الطويل إلى المدينة الأولى في صحراء شبه الجزيرة العربية، فالحج هنا أقرب مكانا وأقل مشقة وأدنى تكلفة!
 
في ديسمبر/ كانون الأول 1963 سرقت الشعرة من الضريح واشتعل وادي كشمير هياجا، وشاركت في الاضطرابات كافة الأطياف الغاضبة على حادثة السرقة بما فيها جماعة أهل الحديث رغم تشكيكها سلفا في أن الشعرة المذكورة تخص الرسول حقا، كما شارك شيعة الوادي بحماسة شديدة.
 
وحينما باتت المنطقة على شفا الانفجار توجه جواهر لال نهرو بخطاب إلى أهل كشمير سائلا إياهم ضبط النفس وناشد القوات الخاصة سرعة القبض على اللصوص وإحضار الشعرة، وهو ما تحقق بالفعل وأعادت القوات الخاصة الشعرة في ظروف غامضة في يناير/ كانون الثاني 1964.
 
إنهم يقلدون الهندوس
"
يبدو الكتاب محايدا في رحلته المثيرة في عالم الأضرحة، وهو يعود بنا إلى التاريخ ليستلهم النماذج ويتتبع مسارات الأفكار، كما يستقي من الحاضر لقاءات ميدانية مع حجاج القبور
"
هناك جذور قديمة للتحفظ على الطقوس غير التوحيدية التي تجري في الأضرحة، لكن الموجة الحديثة من هذه الاعتراضات تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر على يد الشيخ شاه ولي الدين (1703-1762) الذي أسس مدرسة فكرية تمكنت في نهاية القرن التاسع عشر من إخراج مطبوعة سميت "البلاغ المبين" تنتقد ما أسمته محاكاة المسلمين لعبادة الأصنام الهندوسية.
 
فتغطية قبور الأضرحة بالحرير والأقمشة المطرزة تقليد هندوسي قديم، كما أن التضرع وتقبيل العتبات ورفع الأعلام الملونة حين الزيارة لا يختلف عما يحدث من الهندوس حين يتضرعون لأصنامهم، كما انتقدت "البلاغ المبين" تقديم الزهور والحلوى في الأضرحة باعتباره تقليدا حرفيا لما يجرى في المعابد الهندوسية.
 
كما أن الاحتفال بمولد الإمام علي رضي الله عنه يناظر احتفال الهندوس بمولد الإله كريشنا، وكذلك فإن الهندوس حين ينادون على الإله راما بقولهم "العون يا راما " يأخذ منها بعض مسلمي الهند نداءهم "مدد يا علي".
 
وتكتمل صورة المحاكاة والتشابه مع الموروثات التعبدية بعزف الموسيقى في الأضرحة والذي يناظر ذات التقليد في معابد الأصنام الهندوسية.
 
أما انصياع الزوار للقائمين على الأضرحة -حتى إن الواحد منهم مستعد لتجرع كأس من السم قرير العين بحسب الكتاب– فما هو إلا نسخ لما يجري من امتثال زوار المعابد الهندوسية للوسطاء بينهم وبين أصنام الآلهة.
 
ولعل هذا ما جعل بعضا من زوار الأضرحة –يدلل الكتاب- يساقون إلى تعاطي الحشيش كسبيل للوصول إلى لذة العشق وغاية التوحد والتخلص من الآلام.
 
لا يتبقى في المحاكاة إلا تأكيد "البلاغ المبين" في الهند بأن الطواف حول الأضرحة يتم مع عقارب الساعة على طريقة المعابد الهندوسية وليس عكس عقارب الساعة كما هي الحالة الإسلامية حين يطوف المسلمون حول الكعبة مثلا.
 
وفى النهاية فإن الكتاب الذي بين أيدينا يبدو محايدا في رحلته المثيرة في عالم الأضرحة، وهو يعود بنا إلى التاريخ ليستلهم النماذج ويتتبع مسارات الأفكار، كما يستقي من الحاضر لقاءات ميدانية مع حجاج القبور.
 
لكن يجب التنويه إلى أنه بين السطور يمتزج العلم بالخرافة والأساطير بالطقوس، فيخرج القارئ وقد صار أكثر تعاطفا مع ذلك العالم الكرنفالي الغارق في طقوس الأبخرة والتمائم، والمحاط من كل صوب بألوان من البشر مختلفي الديانة والأعراق.

المصدر : الجزيرة