عرض/إبراهيم غرايبة
ظهرت في مقابل الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات الاقتصادية العالمية مؤسسات ومنظمات اجتماعية معولمة أيضا، وهي وإن كانت تبدو أقل قوة وتأثيرا من الآلة الرأسمالية العالمية، فإنها آخذة في التنامي والأهمية.

ويلقي هذا الكتاب الضوء على شبكات "المجتمع المدني العالمي" ويقيم أثرها ودورها العالمي وفرصها في حل مشكلات العالم في العقود المقبلة.

-الكتاب: القوة الثالثة.. المؤسسات العالمية عبر الحدود القومية
-تأليف: آن فلوريني
-ترجمة: تانية بشارة
-الصفحات: 269
-الناشر: دار الساقي، بيروت، ومركز البابطين للترجمة، الكويت
-الطبعة: الأولى/2005

ما الذي يحتاج إليه العالم الآن؟
كانت المواجهة بين مناهضي العولمة الرأسمالية وبين منظمة التجارة العالمية في مدينة سياتل عام 1999 إشارة جديدة إلى تنامي المجتمع المدني العالمي وتشابكه في مواجهة الشبكة الرأسمالية العالمية.

وهناك أيضا منظمة الشفافية العالمية التي تشكل رقابة مجتمعية عالمية على الممارسات الحكومية، وتصنف دول العالم وفقا لمعدل الفساد فيها.

وتؤدي منظمات البيئة وحقوق الإنسان ومناهضة الحروب والسلاح النووي إلى ضغط كبير على الحكومات والدول للالتزام بحماية الموارد والتنمية المستدامة والحريات والحقوق العامة.

هل أصبح المجتمع المدني العالمي مساهما قويا ودائما في حل مشكلات العالم؟ وهل يجب ترك حل المشكلات العالمية إلى تكتل حر من الناشطين غير المنتخبين؟ وما مدى أهمية هذا النوع من النشاط العالمي؟

إن التداخل العالمي الواقع اليوم في التجارة والهجرة والاتصالات يدفع إلى تعاون وتضامن عالمي، ويقتضي وجود ضمير عالمي يمثل المصالح العامة الواسعة النطاق التي لا تندرج بالضرورة ضمن حدود الدول الفردية، ولكن لا يبدو حتى اليوم أن المجتمع المدني الدولي قادر على تأمين أداة ملائمة وفاعلة في أنحاء العالم.

الواقع أن المجتمع المدني العالمي ليس ظاهرة حديثة جدا، وربما تعود جذوره إلى الحركات الدينية والتبشيرية منذ قرون طويلة، وفي العصر الحديث ربما كانت حركات مناهضة العبودية أهم تطبيقات المجتمع المدني العالمي، وقد نجحت هذه الحركات في إقناع الحكومة البريطانية والفرنسية باتخاذ تدابير إجرائية لمنع تجارة العبيد، مثل مراقبة النقل البحري.

وقامت أيضا منظمة الصليب الأحمر في أوائل القرن العشرين، وجمعية القانون الدولي عام 1873، وتزايد ظهور وإنشاء منظمات المجتمع المدني في القرن العشرين، ويوجد اليوم في اتحاد الجمعيات الدولية أكثر من خمسة عشر ألف منظمة دولية غير حكومية.

"
الفساد في الاقتصاد العالمي المتنامي يهدد باستمرار بتقويض استقرار الاقتصاد العالمي، ويدرك الملتزمون بتحسين الحكم وتقوية إمكانيات المجتمع المدني في أنحاء العالم أن الفساد هو العدو الأساسي للحكم الجيد
"
شبكة عالمية للتصدي للفساد
يشتكي أعضاء مجتمع الأعمال من أن الفساد يضيف هامشا كبيرا إلى تكاليفهم، وهم قلقون أيضا من أن الفساد في الاقتصاد العالمي المتنامي سيهدد باستمرار بتقويض استقرار الاقتصاد العالمي، ويدرك الملتزمون بتحسين الحكم وتقوية إمكانيات المجتمع المدني في أنحاء العالم أن الفساد هو العدو الأساسي للحكم الجيد.

وتقدر كلفة الرشوة في الشركات المتعددة الجنسية وفقا لتقرير البنك الدولي بثمانين مليار دولار سنويا، وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن المؤسسات الأميركية تخسر ثلاثين مليار دولار سنويا بسبب الفساد والرشوة، وإن الشركات الأميركية خسرت في عامي 1994 و 1995 مائة عقد بقيمة 140 مليار دولار، وتمنع الولايات المتحدة مواطنيها من دفع الرشوة.

وقد أنشئت منظمة الشفافية الدولية عام 1993 بناء على ملاحظات وتجارب تكونت لدى العاملين في البنك الدولي والتنمية والإدارة، وتجمع بالفعل عدد من مسؤولي البنك الدولي والاقتصاد والإدارة السابقين من مختلف أنحاء العالم بهدف التصدي للفساد في دول الجنوب والدول الشيوعية سابقا، ولمساعدة المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي التي قد يحول وضعها القانوني دون مواجهة الممارسات الحكومية والشخصية الفاسدة مما قد يعتبر تدخلا لا تسمح به المواثيق الدولية.

ويشارك في مجلس إدارة الشفافية الدولية قادة سياسيون واقتصاديون وحقوقيون من مختلف أنحاء العالم، مثل أوسكار آرياس الحائز على جائزة نوبل، وكمال حسين وزير العدل والخارجية السابق في بنغلاديش، ورؤساء سابقون لدول عدة ومنظمات غير حكومية بارزة ومهمة.

وتقوم إستراتيجية منظمة الشفافية العالمية على جمع وتحليل ونشر المعلومات لزيادة الوعي العام حول الفساد، وبناء التحالفات الوطنية والإقليمية والعالمية لمكافحة الفساد المحلي والدولي والتنسيق بين الفروع الوطنية ودعمها لتنفيذ مهمات مكافحة الفساد.

وقد حققت المنظمة نجاحا كبيرا فاق التوقعات، ربما بسبب التوقيت المناسب لإنشائها، ولأنها تضم عددا كبيرا من الخبراء والمطلعين ذوي المراكز العليا، ولأنها بسبب تخصصها أولت عناية خاصة للتعاطي مع السياسات والديناميكيات المتعلقة بعملها.

"
أدت حركات مناهضة السدود إلى نشوء حركات بيئية استطاعت أن تبطئ كثيرا من حركة بناء السدود، واستفادت من نتائجها البيئة والديمقراطية وحقوق السكان الأصليين
"
مواجهة الأسلحة والتجارب النووية
خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية قدمت المنظمات غير الحكومية خدمات قيمة لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة عبر التشجيع وتقديم الأفكار والدعم الشعبي وتأييد إحراز تقدم في تحقيق أهداف المعاهدة.

يشارك ضمن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة مجموعة واسعة من مؤسسات المجتمع المدني، مثل الأطباء الدوليين للحيلولة دون الحرب النووية، ومجموعات تتمركز قرب مختبرات ومواقع الإنتاج النووي، وشبكة العلماء والمهندسين المناهضين لانتشار الأسلحة.

وهذه المنظمات رغم تداخلها وتعددها تقع ضمن ثلاث فئات:

1- الفئة المنتخبة من الخبراء والأكاديميين، مثل معهد مونتيري للدراسات الدولية، ومركز معلومات التحقق التكنولوجي.

2- الحركات العامة والمنظمات الشعبية والجماهيرية التي تستخدم المظاهرات والإنترنت والرسائل، وتهدف إلى زيادة الوعي العام.

3- العمل المباشر غير العنيف، وتتسم بالجرأة والإثارة، مثل الحشود التي أجريت على موقع التجارب في نيفادا، واقتحام قصر باكنغهام احتجاجا على التجارب النووية البريطانية.

العمل لأجل التنمية الدائمة
تجري في دول كثيرة نزاعات حول السدود المائية الكبيرة بين طرفين: الطرف الأول هو مجموعة قوية من المصالح (الوكالات الحكومية، والمنظمات الدولية، والشركات المتعددة الجنسيات، ومجموعات الضغط الصناعية والزراعية المحلية) والطرف الثاني هو المجتمعات المتأثرة بالسدود، وتحالفات المجتمع المدني.

إن السدود تساهم في توليد 20% من الطاقة الكهربائية في العالم في 65 دولة، وتروي30% من الأراضي الزراعية في الدول التي توجد فيها مثل هذه السدود، ويوجد في العالم اليوم حوالي ألف سد كبير، تتركز 95% منها في 25 دولة.

ولكن السدود تواجه معارضة قوية بسبب أضرارها البيئية والاجتماعية، فقد اضطر أكثر من 40 مليون شخص معظمهم من المجتمعات المحلية الفقيرة والسكان الأصليين إلى هجرة أوطانهم دون تعويض كاف، وتكاد التكاليف الاجتماعية تعصف بالعائدات الاقتصادية.

وقد أدت حركات مناهضة السدود إلى نشوء حركات بيئية استطاعت أن تبطئ كثيرا من حركة بناء السدود، ونشأت تحالفات بين هذه المنظمات والمجتمعات المتضررة من بناء السدود، وتعدت النتائج إلى البيئة عامة والديمقراطية وحقوق السكان الأصليين.

وقد نجحت هذه الجهود في إنشاء اللجنة العالمية للسدود عام 1994 التي أصدرت إعلان كوريتنا الذي أكد حق الشعوب المتأثرة ببناء السدود بالحياة، ومعارضة تشييد أي سد لم توافق عليه الشعوب المتأثرة سلبيا، لاسيما الأشخاص الذين سيشردون بسبب بناء السدود.

"
فتحت حملتا المكسيك وهاييتي وغيرهما المجال لمراقبة حقوق الإنسان على مستوى دولي وبتفويض ومساعدة من هيئة الأمم المتحدة
"
الشبكات العالمية لأجل الديمقراطية
تمثل الحملتان اللتان جرتا في المكسيك وهاييتي من أجل الديمقراطية نموذجا للعمل المجتمعي الدولي لتعزيز الحكم الديمقراطي، وقد بدأت الحملة في المكسيك بهدف الحيلولة دون القمع العنيف لثورة الزباتيستا على يد الحكومة المكسيكية.

ثم توسعت لحماية السكان الأصليين وتحقيق ديمقراطية في الحكم تعطي السكان العدل والفرص في المشاركة وتحمي المهمشين والمستضعفين.

وأما حملة هاييتي فكانت تهدف إلى إعادة الرئيس المنتخب أريستيد الذي أطاح به انقلاب عسكري تدعمه الولايات المتحدة الأميركية، والعمل على تغيير السياسة الأميركية تجاه المهاجرين الفارين من القمع في هاييتي.

وقد فتحت الحملتان وغيرهما بالطبع المجال لمراقبة حقوق الإنسان على مستوى دولي وبتفويض ومساعدة من هيئة الأمم المتحدة كما حصل مؤخرا في غواتيمالا وهاييتي، وكوسوفو.

واللافت في هاتين الحملتين هو فرص مشاركة المهاجرين واللاجئين في العمل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلادهم التي هاجروا منها.

وقد يؤشر ذلك على مستوى جديد من العمل يمكن أن يقوم به المهاجرون لما يتمتعون به من خبرة ودافعية وعلاقات جديدة.

وأضافت تكنولوجيا المعلومات بعدا جديدا لهذه الحملات، فقد أتاحت أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت فرص التواصل والحشد وتقليل النفقات.

وربما كانت أعمال ومهارات التشبيك هي العبرة الأساسية التي تجب العناية بها في العمل المجتمعي في مرحلة معولمة تتسم بالشبكية والتداخل.

"
ثمة حدود واضحة لقدرة شبكات المجتمع المدني العالمي على إرغام الحكومات والمنظمات الدولية والشركات على الاستجابة لمطالبها؛ لأن المجتمع المدني يعمل بطريقة غير مباشرة عبر إقناع الآخرين وتوظيف الفرص السياسية المتاحة
"
المجتمع المدني العالمي ودور جديد
ما مدى قوة الشبكات؟ وما مصادر قوتها المستمرة؟ ما دور المجتمع المدني العالمي المرغوب فيه؟

لقد أظهرت التجارب والدراسات أن المجتمع المدني الدولي قد فرض مكافحة الفساد على الأجندة الدولية والحكومية، وعدل في مسارات التنمية وبناء السدود، وطور العمل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفرض حظرا على الألغام والتجارب النووية.

وأظهرت كذلك أن المجتمع العالمي يمكن أن يلعب دورا مهما ومؤثرا، ويشارك في العمل والمراقبة في مجالات وسياسات كانت تقوم بها المنظمات الحكومية.

ثمة حدود واضحة لقدرة شبكات المجتمع المدني العالمي على إرغام الحكومات والمنظمات الدولية والشركات على الاستجابة لمطالبها.

فعلى سبيل المثال نفذت الهند وباكستان تجارب نووية بعد معاهدة حظر التجارب عام 1996، وصوت مجلس الشيوخ الأميركي ضد المعاهدة.

فالمجتمع المدني العالمي يعمل بطريقة غير مباشرة عبر إقناع الآخرين، وتوظيف الفرص السياسية المتاحة، مثل وصول أشخاص وأحزاب متعاطفين مع أهدافه ومطالبه إلى السلطة.

وقد تراجعت فرص التقدم والنفاذ من خلال هيئة الأمم المتحدة بسبب الموقف المحافظ للكونغرس الأميركي، وبسبب مبالغة منظمات المجتمع المدني أحيانا كثيرة في أداء دورها واستفزازها للحكومات والدول والتقاليد والمواثيق أيضا.

وبعد التقدم الذي تحقق لمنظمات المجتمع المدني العالمي في الثمانينيات بدأت تواجهها صعوبات في النفاذ إلى الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومؤتمر نزع السلاح، ولجنة حقوق الإنسان.

ومن الواضح أن الحكومات تتمتع بسلطة إبعاد المجتمع المدني عن المنتدى التقليدي لحل المشكلات الدولية.

هل الحالات المدروسة في الكتاب وغيرها من الحالات مجرد ضربات حظ؟ هل الظهور الحالي للمجتمع المدني العالمي مجرد مصادفة مؤقتة بسبب توفر عناصر مواتية؟ هل هناك أدلة على التبدل الدائم في نموذج السياسات العالمية؟

"
منظمات المجتمع المدني العالمي بحاجة إلى أن تلتزم بما تدعو الحكومات إليه، مثل الشفافية حول عملياتها وتمويلها وموظفيها وحتى أهدافها في بعض الأحيان
"
لاشك أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ساهمت إلى حد كبير في إنجاح المجتمع العالمي وزيادة تأثيره وأهميته، وبخاصة أن هذه التكنولوجيا تواصل تقدمها الهائل، وإن لم يكن واضحا مدى انتشارها ونموها في المستقبل في المجتمعات والبلاد الفقيرة، ويرجح أن المجتمع المدني العالمي وجد ليبقى، وأنه يتخطى الحكومات أكثر فأكثر.

ويتغير دور المجتمع المدني العالمي من الإعلام إلى المشاركة المباشرة في إدارة المسائل العالمية، فتعمل منظمة الشفافية العالمية مع البنك الدولي في حملات مناهضة الفساد، وعملت الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية مع الحكومة الكندية، ويشترك في اللجنة العالمية للسدود المجتمع المدني والمصالح.

وربما يكون المجتمع المدني العالمي أساسا لشكل الحكم العالمي في المستقبل، ليس لحكومة عالمية، بل لنظام ذي ثقافة مشتركة من قيم يتقاسمها الجميع على نطاق واسع.

وبعض هذه القيم يحظى باعتراف منذ الآن على نطاق واسع، مثل عالمية حقوق الإنسان والتنمية البيئية والاقتصادية، وقد يتيح المجتمع العالمي الفرصة للمشاركة العالمية في قضايا غير واضحة أو جدلية، ومساعدة المجتمعات والشعور التي مازالت ترزح تحت حكم غير ديمقراطي.

وفي المقابل فإن منظمات المجتمع المدني العالمي بحاجة إلى أن تلتزم بما تدعو الحكومات إليه، مثل الشفافية حول عملياتها وتمويلها وموظفيها وحتى أهدافها في بعض الأحيان، ويجب أن تقدم تقارير منتظمة تساهم في تحقيق الانفتاح والصراحة.

المصدر : الجزيرة