عرض/سكينة بوشلوح
الفروق والتمايزات الموجودة في كل كائن وفي كل مخلوق ليست فاصلة فصلا مانعا، إذ التماثل أسبق من الاختلاف، وعليه فإن كل ما هو كائن عبارة عن متصل مترابط المكونات يسلم بعضها إلى بعض في هيئة شبيهة بالسلسلة المتداخلة. فمثلا الفلسفة السياسية متصلة وآخر مستجداتها نظرية العدل، والعمران البشري متصل وآخر حلقاته الإيكولوجيا، وقوانين الموسيقى المعاصرة وقواعدها متأسسة على القواعد والقوانين الموسيقية الأصلية، والشعر المعاصر له صلات قوية أو ضعيفة ببدايات الشعر الأولى.

من هذا المنطلق في التفكير وبهذا الأسلوب الفلسفي في الطرح والتحليل، حاول الدكتور الباحث محمد مفتاح الدفاع عن أطروحة التماثل بين ثقافات البحر الأبيض المتوسط في مؤلفه "رؤيا التماثل"، متجاوزا الاعتراض الذي قد يرى أن الدفاع عنها بهذه الطريقة فيه تعسف معتمد على الأشباه والنظائر.

- الكتاب: رؤيا التماثل
- المؤلف: د. محمد مفتاح
- الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء
- عدد الصفحات:310
- الطبعة: الأولى/2005

أبعاد فلسفة التماثل
تطرق الكتاب في مقدمته إلى بعض البنيات العميقة للإنسان المتوسطي ومن جاوره، ومنها البنيات المادية والثقافية مثل الاعتقاد في مركز العالم، وفي تصور انتظام معين للكون، وفي مكانة الإنسان فيه، وفي مفهوم الزمان، وفي تصور نهاية العالم ومسألة التوحيد.

وكنتيجة لهذه البنيات العميقة يقرر المؤلف أن ما يجمع بين الشرق والغرب (ضفتي المتوسط) أكثر مما يخالف بينهما، إذ إن تصور الديانات الثلاث جاء متماثلا متكاملا، مما سمح بأن يكون لكل دين بعض الخصائص التي أكسبته هويته.

وقد تجلى التكامل كلية في الإسلام وبشكل لا مراء فيه وبمعالم وأسس واضحة يهتدى بها في التعامل مع الديانات الأخرى، وذلك من مثل الإقرار بمركز العالم الذي تبنته الديانتان السابقتان عليه وهو القدس واتخاذه مركزا خاصا كانت له بعد ذلك نتائج سياسية وثقافية عظيمة.

ومن مثل إقراره بالكتب السابقة عليه، واعترافه بمكانة عيسى عليه السلام والدفاع عنه وعن أمه مريم عليها السلام ضد الافتراء والإفك في إطار التوحيد والتنزيه المطلق.

أما عن مكانة الإنسان فيرى الدكتور مفتاح أن أساس فلسفة الإنسان ومكانته في هذا الكون تتجلى في الخطاب اليهودي والخطاب المسيحي والخطاب الإسلامي، وفي الخطاب الفلسفي الأفلاطوني والأرسطي والأفلوطيني وغيرها كما تؤكده أبحاث كثيرة حول فلسفة الكندي والفارابي وابن سينا وإخوان الصفا وبعض المتصوفة.

وإذا كان الأمر كذلك، فقد يصير من الاختزال المخل والتسرع في الأحكام أن تنعت بعض أنواع الخطاب تلك بأنها نتاج العقل المستقيل، وبعض آخر منه بأنه نتاج العقل المستنير.

ولعل مرد هذا الجور هو عدم مراعاة النسقية المتصلة للخطابات ضمن حلقات الثقافة العربية والإسلامية، وعدم الاهتمام بدور الأفلوطينيات و الفلسفات اليونانية الأولى في النهضة الأوروبية وما بعدها مما أفاض فيه الباحثون من تخصصات مختلفة وقدموا فيه أطروحات متنوعة.

"
ما يجمع بين الشرق والغرب أكثر مما يخالف بينهما، إذ إن تصور الديانات الثلاث جاء متماثلا متكاملا، مما سمح بأن يكون لكل دين بعض الخصائص التي أكسبته هويته
"
فلسفة انتظام الكون
يرى الباحث أن فكرة انتظام الكون وترتيبه وتدرجه عند شعوب البحر المتوسط مرت بمراحل تاريخية متعددة، تجلى أبرزها في الفلسفة الإغريقية وفي التوراة والإنجيل والقرآن الكريم والحديث الشريف.

ذلك أن التصور الكوني يتحرك تحركا تاريخيا وثقافيا وعلميا، فالتوراة تحدثت عنه في سفر التكوين، والقرآن الكريم تعرضت آيات عديدة منه لخلق الكون وانتظامه ومكوناته، وكانت الآثار مفصلة ومجملة لذلك التصور، إذ فيها حديث عن الخلق والإعادة وخلق السماوات السبع ومن الأرض مثلهن، والكواكب والملائكة والإنسان والحيوان و.. و.. وعن يوم القيامة والحشر والجنة والنار، كما امتلأت الفيتاغوريات والأفلاطونيات بهذا التصور الذي تسرب إلى بعض الأوساط المسلمة فتقبلته قبولا حسنا، مثل بعض الفلاسفة وبعض المتصوفة وبعض الشعراء.

أما مبادئ هذا التصور وهذا الانتظام فيلخصها المؤلف في نقاط أهمها: المحبة التي كثيرا ما حكى عنها ابن عربي في كتابه "الفتوحات المكية"، والسريان والحياة والتجاذب والاختلاف والاستحالة والاتصال.

يحتل الإنسان في هذا التصور مكانة خاصة، فهو بما له من استعداد -خصوصا بعض أفراده- يمكن أن يصير نبيا أو رسولا يتنزل عليه الوحي ويتصل بالعوالم العليا –على حد تعبير المؤلف.

وهذا المنظور في الحقيقة يعكس أقصى ما وصلت إليه اللغة الصوفية خاصة الصوفية المغربية التي تحاشى المؤلف في هذا الموقف الحديث عن مدى تماثلها أو تأثرها -بتعبير أخف- بالفكر الصوفي اليوناني القديم.

أما مكانة الإنسان عند واحد من أصوليي المنطقة فنجد الحديث عنها يختلف شكلا ومضمونا مع متصوفيها، فالشاطبي مثلا نجده يتحدث عن مكانة الإنسان بما له من متطلبات كونية مثل المحافظة على الحياة بالجنس والتملك والعمل واللغة وتحصيل المعارف والعيش في مجتمع، أو ما عبر عنه بالضروريات والحاجيات والتحسينيات، ومن ثم فإن أمور الخلق حسب رأيه على ترتيب ونظام واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف، ووضعها على ذلك الوجه أبدي عام، وعليه فإن الإنسان من حيث هو إنسان موحد جسدا ونفسا وعقلا وروحا.

وفي إشارة منه إلى المنظور المسيحي المتوسطي، يرى الدكتور مفتاح أن الكنيسة الغربية التي تبنت الأيقونة والتصوير قد طورت من مكانة الإنسان وجعلت صورة المسيح رمزا للسمو الروحي والكمال الإنساني، وصورة مريم رمزا للطهارة والأنوثة الخالدة والمحبة الأبدية.

وصار بذلك الحكام يشعرون بعظمتهم وكأنهم رمز الإنسان الكامل الذي تجتمع فيه الإنسية والألوهية، أو أنهم ظلال الله في الأرض، فكان الدفاع عن الإنسان وشخصه أهم لبناة المطالبة بالحرية الإنسانية منذ بدايات القرن الثاني عشر، وذلك بالتعبير عنها بوسائل متعددة خصوصا الفنية منها، مما هيأ الانتقال من الحديث عن الإنسان إلى الفرد إلى الشخص في فكر الحداثة وما بعدها.

ويخلص المؤلف إلى أن كرامة الإنسان مصونة في الفكر المتوسطي، وأن كل تضييق عليه أو هدر لطاقاته يناقض المعطيات الجغرافية والتصورات الفكرية والعقائد الدينية التي تماثلت مبادئها رغم اختلاف لغاتها وتعدد شروحها.

"
كرامة الإنسان مصونة في الفكر المتوسطي، وكل تضييق عليه أو هدر لطاقاته يناقض المعطيات الجغرافية والتصورات الفكرية والعقائد الدينية التي تماثلت مبادئها رغم اختلاف لغاتها وتعدد شروحها
"
التماثل في الزمنية والنغمية والشعرية
خصص المؤلف للتماثل في كل من الأفكار الثلاث -الزمنية والنغمية والشعرية- مبحثا خاصا بها، وقد توخى في مبحث الزمنية أن يتعرض لتجارب مختلفة للزمن الاجتماعي، سمى الأولى بزمن المدينة والثانية بزمن العصبية والثالثة بزمن القبيلة.

ومثل للزمن الأول بالأندلس ورأى أن السياسة فيه كانت مركبة وكذلك المجتمع، وقد حصل التفاعل ضمن هذا التركيب المتعدد فأدى إلى نتائج مركبة، لهذا فإنه عند الحديث عن التسامح لا يمكن تبني منطق كل شيء أو لا شيء، أي يعتقد أن هناك تسامحا مطلقا أو تعصبا مطلقا.

لكن ما يجب هو افتراض أوساط متعددة بين التسامح والتعصب، فكما كانت السياسة الفاضلة أو الشرعية هي أعلى درجات السلم كانت سياسة التسلط هي أسفل درجات السلم.

ومن ثم يقرر المؤلف أن الفضاء الأندلسي كان بلا شك حاملا لدرجات من التسامح والتعصب بين السياسة الإسلامية والدول النصرانية، كما تؤكده العديد من الوثائق التاريخية المعتمدة، الأمر الذي أدى إلى التداخل والاشتراك في العادات كطبيعة الأكل وكيفية إعداده، وليس هذا غريبا ما دامت الدماء اختلطت بين أهل الكتاب والمسلمين بالزواج، وما دام التعليم مشتركا في حلقات الدروس.

وهذا هو ما دفع المؤلف إلى اعتبار هذا التصور في آخر تحليل له مصلحيا يحكّم النظر العقلي لجلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وهو مما يرضي السياسي الواقعي الذي يلبس لكل حالة لبوسها.

زمن العصبية فيه حديث عن صيرورة الحكم واستناده إلى العصبية القبلية، وحديث عن تحكم المعتقدات النفعية في تصنيف العلوم، وهو ما عبر عنه المؤلف بزمن التصور الدوري الذي يقابله تصور خطي للتاريخ تعزز حينما ابتدأت النهضة الصناعية والتقدم العلمي، مما أدى إلى نظرة تفاؤل بالمستقبل.

أما زمن القبيلة فيعكس نموذج الأزمة المزمنة التي تعمقت بعد عام 1492م لحرمان الغرب الإسلامي من الاتصال بمصدر علمي وثقافي وصناعي كان يستجمع مواده ليكون دفعا للإصلاحات والثورات اللاحقة.

وعليه فإن رؤيا التماثل لا يعني بها المؤلف أن مدينة فاضلة كانت في مجال البحر المتوسط، لكنها سعي في البحث عن البنيات المتطابقة والمتماثلة لتكون سندا للتكامل والتعاون بين أفراده.

وفي مبحث النغمية واستنادا إلى كثير من الأبحاث النفسية والأناسية واللسانية الحديثة والمعاصرة يؤكد د.مفتاح أن الذهن البشري فطر على الموسيقى وجبل على اللغة واستعمالاتها، لذلك فهما يتمتعان بمكانة خاصة في الدماغ البشري، ولا غرابة أن تكون المفروضات الموسيقية من مثل الطنين والحدة والثقل وغيرها موجودة في كل موسيقى.

لأجل هذه المفروضات شاعت موسيقى البحر المتوسط وما اتصل به، في المشرق والمغرب بطرق متعددة وصارت جزءا أساسيا من مكوناتها العلمية والثقافية.

ولا يعد هذا في نظر المؤلف مستغربا لاعتبار فطرية الموسيقى ووحدة مبادئها، ولاعتبار التماثل الجغرافي في حوض المتوسط وما نتج عنه من تماثل في أساليب العيش وفي التصورات الذهنية، فكانت بذلك صناعة النغم وصناعة آلة النغم.

"
ما يجب هو افتراض أوساط متعددة بين التسامح والتعصب، فكما كانت السياسة الفاضلة أو الشرعية هي أعلى درجات السلم كانت سياسة التسلط هي أسفل درجات السلم
"
أما مبحث الشعرية فقد عمد فيه المؤلف إلى إجراء مقارنة بين نصين شعريين محاولا من خلالها التأكيد على أن وحدة الكائن البشري ووحدة الفضاء الجغرافي قد أدت إلى تماثل التصورات في شتى المجالات التي يعتبر التعبير الوجداني والشعري واحدا منها.

ولأن الشعر في رأي المؤلف أكثر التعابير دقة لتجلية الأعماق، فقد اختار نصين شعريين لشاعرين مختلفين: الأول بعنوان "سَفَر العروج" للشاعر محيي الدين خوجة، والثاني للشاعر أدونيس بعنوان "سفر الخروج".

واستخلص منهما أن مبدأ كل شيء يتماثل مع كل شيء من جهة ما، ذلك أن النصين يتماثلان من حيث تناولهما لبعض المسائل التي تهم ضفتي المتوسط، وقبل ذلك وبعده يتماثلان من حيث المضمون المحاكي لأية لغة طبيعية.

في خاتمة الكتاب يؤكد المؤلف أن هذه الدراسة تهدف في مراميها البعيدة إلى تعزيز آراء المدافعين عن اعتبار ثقافة المغرب الإسلامي جزءا من ثقافات البحر الأبيض المتوسط، أما في مراميها القريبة فهي تقدم خطة لإعادة قراءة ثقافة المغرب الإسلامي في ضوء تصور يلائم تطلعات أجيال المستقبل التواقة إلى الحرية المسؤولة والتفاعل الإيجابي مع ثقافات العالم وحضاراته.

المصدر : الجزيرة