عرض/سمير شطارة

يأتي كتاب "الجدار العازل" ضمن الكتب الأولى التي تناولت بشمولية تاريخ جدار الفصل الإسرائيلي في الضفة الغربية، حيث قامت المؤلفتان بإجراء مقابلات على نطاق واسع مع نماذج مختلفة من السكان على جانبي الجدار، فقابلتا سياسيين إسرائيليين خلف الجدار الأمني (كما يصنف في إسرائيل)، والمهندس القائم عليه، فضلا عن فئات من الناجين من الهجمات الفدائية الفلسطينية والمستوطنين ونشطاء السلام، كما سجلتا مقابلات لمحامين ومثقفين وسياسيين فلسطينيين.

-الكتاب: الجدار العازل
-المؤلف: نورا إنغدال، وآنا هيغة سيمونسين
-دار النشر: كابلين
-سنة النشر: 2005
-عدد الصفحات: 254

ورغم أن أكثر من 90% من بناء الجدار يأخذ شكل السياج المعدني فإن مؤلفي الكتب يميلون إلى وصفه بالجدار نسبة للغرض الذي يؤديه.

فوفقا للتعريف الإسرائيلي الرسمي، فإن هدف الجدار هو إقامة درع ضد أعمال العنف الفلسطينية، ويقر الكتاب بأن عدد تلك الهجمات ضد الإسرائيليين تدنى بشكل ملفت منذ 2003. ومع ذلك فإنه من الواضح أن مسلك الجدار صمم ليس فقط لتأمين الحماية للإسرائيليين بل لضم إسرائيل مساحات شاسعة من الأراضي ومصادرة المياه الطبيعية وذلك بعزل الأراضي عن أصحابها. فالجدار عملية اغتصاب كبيرة للأراضي.

ويؤكد الكتاب أن فكرة تشييد الجدار هي أقدم من تاريخ نشوب العنف الذي صاحب الانتفاضة حيث تعود فكرة الفصل بين من هم يهود ومن هم غير يهود إلى بدايات القومية اليهودية الصهيونية.

وكان من أبرز الآراء الأساسية للصهيونيين اليمينيين الحاجة إلى بناء "جدار حديدي" يفصلهم عن العالم الخارجي وخاصة العرب، ويمكنهم من إلحاق الهزيمة بالعرب وإرغامهم على الاستسلام وعندها تكون إسرائيل مستعدة للتفاوض معهم. وهذا هو ما يطبقه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون هذه الأيام عبر تنفيذه سياسة الجدار الحديدي وخنق ملايين الفلسطينيين وراء جدار أمني وشبكة من الأسلاك الشائكة.

ويظهر الكتاب الجدار كآخر مرحلة في التحول والتهويد للمشهد الفلسطيني. فقد بدأت تلك العملية بحرب 1948 حين دمرت أكثر من 400 قرية فلسطينية وأرغم الكثير من الفلسطينيين على الفرار.

"
فكرة تشييد الجدار أقدم من تاريخ نشوب العنف الذي صاحب الانتفاضة حيث تعود فكرة الفصل بين من هم يهود ومن هم غير يهود إلى بدايات القومية اليهودية الصهيونية
"

و"الجدار" يعيد التاريخ نفسه، فبحجة الجدار تقوم إسرائيل بتجريد الفلسطينيين من أراضيهم ونقل الآلاف من الذين يعيشون فيما تسميه إسرائيل المناطق الأمنية القريبة من المستوطنات الإسرائيلية أو الخط الأخضر.

ويبرز الكتاب بالتفصيل في أحد فصوله عن القدس الدور الذي سيلعبه الجدار في حمل الفلسطينيين على مغادرة المدينة عبر ما يسمى "الانتقال الطوعي".

ومن الجانب الإسرائيلي، فإن الجدار يمثل الخوف. فالإسرائيليون يخشون الإرهاب وأعمال العنف، فضلا عن كونهم أقلية يقبعون داخل حدود إسرائيل بسبب النمو السكاني للعرب.

ويحتوي الكتاب على عشرة فصول وخريطتين، إحداهما تاريخية، وأخرى حديثة تبرز مسلك الجدار والمستوطنات والطرق.

فالفصل الأول "حقائق الأرض" يشرح مفهوم الجدار كما يجب أن يفهم على أنه جزء من النظام القمعي الذي يشار إليه عادة بـ"منشأ السيطرة" (طور هذا النظام من قبل البروفيسور الإسرائيلي والناشط جيف هالبر). وهو نظام تشييد المستوطنات والمواقع الحدودية والطرق كوسيلة للاستيلاء على الأرض. وتعزز هذا النظام القوة العسكرية، وتسانده الوسائل والقوانين الشرعية.

والفصل الثاني من الكتاب حمل عنوان "الأمن والإرهاب" يصف المنطق الإسرائيلي خلف الجدار وذلك على لسان كل من الإسرائيلي الكولونيل الاحتياطي والمهندس نزاه ماشياه الذي صمم الجدار الأمني، ورانعان غيسين المتحدث الرسمي باسم أرييل شارون.

"
مسلك الجدار صمم ليس فقط لتأمين الحماية للإسرائيليين بل لضم مساحات شاسعة من الأراضي ومصادرة المياه الطبيعية وذلك بعزل الأراضي عن أصحابها. فالجدار عملية اغتصاب كبيرة للأراضي
"
ويتناول الفصل الثالث "شعب شجرة الزيتون" عواقب الجدار على قرية جيوس الواقعة شمال الضفة الغربية، فقد ابتلع الجدار 70% من أراضيها، وأصبح الفلسطينيون يعتمدون على الجنود الإسرائيليين في تأمين وصولهم إلى أراضيهم الزراعية.

ويراقب الشاعر والمزارع شريف عمر خالد تحول سكان القرية من مزارعين إلى متلقين للإعانة الاجتماعية، ولكنه يرفض الاستسلام ويبادر مع ابنته ونسيبه في تعبئة المزارعين وتوجيه الدعوات إلى العالم بغية نيل الدعم في صراعهم ضد الجدار.

وفي الفصل الرابع "ضحايا الخريطة" يصف الكتاب الاحتلال المدني الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، فبعد حرب عام 1948 باشرت إسرائيل في الاستعاضة عن أشجار الزيتون والحمضيات والبيوت المشيدة وما يلفها من سياج الصنوبر بكل حديث يشبه المشهد الأوروبي، فزرعت أشجار الصنوبر على قمم القرى واستخدمت الطرق الحديثة في الزراعة التي حلت محل كل قديم. وهكذا اختفت قرى كثيرة عن الخارطة الإسرائيلية أو تغيرت أسماؤها إلى أسماء توراتية لا علاقة لها بالماضي القريب.

وفي فصل "المشهد المخفي" تتبع الكتاب أصول الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون تلك القرى التي حل اليهود فيها محلهم. فعبلة عيد زبوط التي عاش والدها في قرية قيساريا، تعيش في مخيم طولكرم، وحسب الرواية فإن قيساريا توصف في كتيبات التعريف (البروشورات) بأنها آثار لميناء روماني ومدينة صليبية. وليس هناك أي ذكر للسكان الفلسطينيين الذين هُجروا على أيدي الهاغاناه بقيادة رئيس الوزراء الأسبق إساحق رابين عام 1948، ومن بينهم كان والد عبلة. واليوم يفصل عبلة عن قرية أبيها 18 كلم حيث يحول جدار إسمنتي دون الوصول إليها.

ويستعرض فصل "الجدار الحديدي" أيديولجية الصهيوني اليميني زئيف جابوتنسكي وكيف ينفذ شارون سياسة الجدار الحديدي في إسرائيل وفلسطين هذه الأيام.

"
الجدار ابتلع من قرية جيوس مثلا 70% من أراضيها، وحول سكان القرية من مزارعين إلى متلقين للإعانة الاجتماعية
"

أما الفصل السابع "الجدران الداخلية" فيشير إلى أن أيدولوجية الفصل جلية في المدن الإسرائيلية التي يقطنها اليهود والإسرائيليون من أصل فلسطيني (معظمهم من اللد والرملة). ويعزو هذا الفصل ذلك إلى تنامي الخوف الإسرائيلي من أن يصبح اليهود أقلية ضمن حدود إسرائيل، وهي فكرة نوقشت في فصل "تقسيم القدس"، فالجدار في القدس ليس فقط جدارا أمنيا حيث إنه يتخذ مسلكا متعرجا قريبا من المناطق السكانية للفلسطينيين في محاولة لتقسيمهم وفصلهم عن أراضيهم، فقد انعزل أكثر من 250 ألف فلسطيني في القدس الشرقية داخل الجدار وانفصلوا عن ذويهم في الضفة الغربية.

ويأتي الفصل التاسع "الأرض والقانون" ليصف كيف تستخدم إسرائيل أنظمة قانونية معقدة حتى تبدو جميع الإجراءات المناهضة للفلسطينيين شرعية، ويظهر الفصل رد الفعل الإسرائيلي على المحاكمات في لاهاي، كما هو الحال في قضية القبض على 22 فلسطينيا حاولوا حماية أراضيهم وإرثهم عن طريق الاحتجاجات القانونية.

وأخيرا فإن فصل "الجدار المخفي" يستعرض نشطاء سلام إسرائيليين يناهضون تشييد الجدار، لكنهم قلة. ويظهر هذا الفصل أن الشعب الإسرائيلي لا يلمس نفعا من هذا الجدار إلا الشيء القليل.

المصدر : الجزيرة